تحت سقف مشغله العتيق في حي “الباشورة” العريق، وسط شارع “أبي الفداء” بمدينة حماة، يجلس سامر عبد الفتاح المدني (58 عامًا) محاطًا بألوان الخيوط وصوت النول اليدوي الذي يتردد صداه كنبض يقاوم الغياب.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
يمرر أصابعه الخبيرة بين خيوط القطن السوري والحرير الطبيعي، وكأنه يرمم حكاية مدينة بأكملها، حكاية بدأت عائلته في غزل تفاصيلها هنا منذ عام 1853، وتخوض اليوم معركة شرسة ضد النسيان.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
يستحضر المدني في حديث إلى عنب بلدي ملامح الحرفة المتجذرة في هوية حماة، والتي شكّلت لقرون عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
إذ تظهر هذه الصلة الوثيقة في أسماء عائلات حموية عريقة، مثل “المنير” و”الملقي” و”المسدي” و”الحايك”، وهي أسماء لم تكن مجرد ألقاب، بل توثيق حي لتقسيم العمل، والترابط العضوي بين السكان ومهنهم.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
حين كانت حماة تغزل لبيوت البدو والحواضر
بينما يتحرك مكوك النول يمنة ويسرة، يرحل المدني بذاكرته إلى ما نقلته الأجيال السابقة عن العصر الذهبي للمهنة، مذكّرًا بأن حماة كانت تضم آلاف الأنوال اليدوية، وتلبّي ثلاثة مجالات رئيسية: صناعة المناشف الحموية، والمد العربي، وبيوت البدو.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
ومع تغيّر نمط الحياة، غابت بيوت البدو تمامًا، وانحسر الإنتاج في المناشف والمد العربي، لتصبح حرفة المناشف اليدوية اليوم أمانة ثقيلة في أيدي عائلتين فقط في المدينة، تمثل عائلة “المدني” إحداهما.
يشرح الحرفي الستيني رحلة ولادة القطعة النسيجية، وهي رحلة أشبه برواية تنتقل من يد إلى يد، تبدأ بخيوط القطن السوري التي تصبغ أولًا، ثم تمر بمرحلة الإعداد الدقيق على أيدي المسدي والمنير والملقي.
وصولًا إلى هندسة ترتيب الخيوط على النول بحسابات معقدة تتطلب دقة متناهية، قبل أن يضع الحايك لمساته الأخيرة، محوّلاً الخيوط الصامتة إلى برانص، ومناشف، وبشاكير، وشراشف حريرية تفيض بالخصوصية التراثية الحموية.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
أحداث 1982.. ضربة في خاصرة الحرفة
لم تكن طريق الحفاظ على هذا الإرث ممهدة بالورود، بل حفرت التحولات السياسية والاقتصادية ندوبًا عميقة في جسد المهنة.
يروي المدني كيف ساهمت السياسات السابقة واحتجاز التجار للمواد، إلى جانب انقطاع العلاقات بين سوريا والعراق في عهد حكم “البعث”، في خنق الأسواق وتضييق منافذ التصريف الخارجية.
لكن الضربة الأقسى في تاريخ المجتمع الحرفي بحماة تجسدت في أحداث عام 1982. ووفقًا لشهادة المدني، فقدت المهنة في تلك الحقبة معظم صناعها ومبدعيها، ما ألحق ضررًا بليغًا ومباشرًا باستمرارية الحرفة وبنية انتقال معارفها وخبراتها بين الأجيال.
اليوم، يواجه المدني واقعًا لا يقل قسوة، إذ تُعاني الورشة من ندرة حادة في الأيدي العاملة، وسط عزوف تام من الشباب عن تعلّم النسيج اليدوي نظرًا لمشقته وضآلة مردوده المادي، بالتوازي مع غياب الحركة السياحية الأجنبية والعربية، وانعدام أي رؤية أو دعم من الجهات المعنية بالسياحة والحرف التقليدية.
من حماة إلى بيروت
أمام هذا الإهمال الرسمي، اختارت عائلة “المدني” الاعتماد على الذات لتطوير المنتجات وتسويقها خارج البلاد رغم التكاليف الباهظة، مستعينة ببعض الجمعيات الأهلية في دول أوروبية ساهمت في ترويج بضائعها دون مقابل.
وعلى الصعيد الشخصي، يلتزم المدني بموقف مبدئي، متحدثًا عن رفضه المستمر للمشاركة في المعارض الداخلية أو الخارجية التي كانت تُنظّم في عهد النظام السابق، مفضّلًا عدم توظيف حرفته سياسيًا لتلميع صورة النظام، على حد قوله، رغم كل الحوافز والمغريات التي عُرضت عليه من مستويات مسؤولة عليا آنذاك.
وكبديل مستقل، وبدعم من شخصية بيروتية آمنت بقيمة الحرفة، نجح المدني في إقامة معرض دائم في العاصمة اللبنانية بيروت يحتضن النول الحموي الأصيل، مما أتاح له نافذة تسويقية وثقافية بعيدة عن التجاذبات السياسية ليبقى الخيط موصولًا بالعالم.
وبأمل يشوبه القلق ونبرة تملؤها المسؤولية، يختم سامر المدني حديثه لعنب بلدي محذرًا من أن صون النسيج اليدوي في حماة ليس واجبًا عائليًا أو حرفيًا ضيقًا، بل مسؤولية وطنية تتجاوز حدود المشغل، فهو جزء نابض من الذاكرة السورية، وحماية هذه الحرف هي حماية للهوية من الاندثار، وأمانة يجب أن تُسلّم بكرامة إلى الأجيال القادمة.
تغزل أصابع سامر المدني تفاصيل الهوية الحموية فوق نول عتيق يضم مكوكًا يقاوم الغياب – 2 حزيران 2026 (Ryohei Saito)
خيوط نسجت طفولة “أبو شفيق”
بين خيوط القطن وذكريات زمن مضى، يروي محسن محمد شفيق دبيك، المعروف في مدينته حماة باسم “أبو شفيق”، حكاية صمود مهنة النسج اليدوي على الأنوال، الحرفة التي ورثها عن والده ورافقته منذ نعومة أظفاره.
بدأت حكاية “أبو شفيق” البالغ من العمر 65 عامًا مع هذه المهنة عندما كان طفلًا في الصف الرابع الابتدائي، إذ كان يرافق والده إلى دكانه في حماة، وهناك وضعه والده لأول مرة خلف النول ليعلّمه كيفية الضغط على الدواسات الموجودة في جورة النول، ليتشرب الحرفة تدريجيًا ويبدأ مسيرته في حياكة المناشف والشراشف القطنية ومناشف المبرد المخصصة لحمامات السوق.
على خطى حمص وحلب
استمر الحرفي الحموي في عمله حتى عام 1983 عندما التحق بالخدمة العسكرية، ليعود بعد تسريحه عام 1986 إلى النول مجددًا مساندًا لوالده، إذ تولّى مهمة نقل الغزل من حماة إلى حمص من أجل عملية السداية، كما تعلّم من والده أسرار حساب النير وضبطه.
ومع تبدل الظروف الحياتية، انتقل لاعتماد حلب في عملية السداية حتى عام 2011، ومع توقف العمل في المحافظتين، استلهم “أبو شفيق” الفكرة من مشاهداته السابقة في حمص وصنع دوارة خاصة به، ليبدأ بتسدية الخيوط بنفسه، متبعًا طريقة تقليدية في غسل الغزل القطني وتبييضه داخل براميل كبيرة مغلية على النار مع مواد “القصار” قبل البدء بالنسيج.
جهاز العروس.. طقوس غيّبها الزمن
يتحدث دبيك بحنين عن مكانة هذه الحرفة التي يراها فريدة ولم تتبقَّ إلّا في حماة، مستذكرًا عندما كان “جهاز العروس” لا يخلو من ثلاث قطع أساسية تنتجها الأنوال (البرنص وطقم المناشف وشرشف الحرير)، وهي عادات غابت عن جيل اليوم.
ويقارن النسّاج السوري بين الماضي والحاضر بمرارة، مشيرًا إلى أن الأسواق قديمًا كانت تشهد حركة بيع ممتازة مع توفر كامل للمواد الأولية، بينما يواجه اليوم شحًا في خيوط القطن، والتي إن وُجدت في السوق السوداء تُباع بأسعار مرتفعة جدًا، في حين يتعذر العثور عليها في معظم الأحيان.
نولان يرفضان الصمت
ويختتم حديثه لعنب بلدي بالتأكيد على التراجع الحاد في أعداد الحرفيين، فبعد أن كانت حماة تضم آلاف الأنوال اليدوية في الماضي، وفقًا لأبو شفيق، تلاشت تلك الحركة ولم يعد يدور في المدينة اليوم سوى نولين اثنين فقط، أحدهما يعود لعائلته “دبيك” والآخر لعائلة “المدني”.
الباحث في التراث السوري، المهندس مجد حجازي، أكّد أن صناعة النسيج في مدينة حماة لم تكن مجرد حرفة يدوية عابرة، بل شكّلت ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وصناعة هوية ارتبط بها اسم المدينة محليًا وخارجيًا.
وأوضح حجازي في حديث إلى عنب بلدي، أن أحياء حماة القديمة ودكاكينها وبيوت الحرفيين فيها ضجّت تاريخيًا بصوت وإيقاع الأنوال الخشبية اليومي، إذ امتدت خيوط السدى وعبرت اللحمة وتحرك المكوك لتبدع أيدي النساجين أقمشة ومنسوجات عكست مهارة أبناء المدينة وذائقتها وذاكرتها.
الباحث التراثي مجد حجازي يوثق الحرف التقليدية خلال جولة ميدانية في سوق الباشورة بمدينة حماة (عنب بلدي)
خارطة النسيج الحموي
أشار الباحث التراثي إلى أن أنوال الحياكة كانت تنتشر في مختلف أحياء حماة مع تركز ثقلها في أسواق “الشجرة”، و”الحاضر”، و”المحالبة”، و”المشارقة”، إذ كانت تُنصب داخل الدكاكين وفي أجزاء من المنازل، كما تكاملت مع النسيج صناعات وحرف أخرى ضرورية مثل الغزل والتربيد والصباغة وطباعة الأقمشة.
وأضاف حجازي أن الأنوال الحموية لم تقتصر على نسج القطن وحده بل عرفت خطوط إنتاج الصوف والحرير، وإن كانت المنسوجات القطنية ومنتجاتها اليومية هي التي تبوأت المكانة الأهم في الإنتاج والتجارة الحموية.
70 ألف ليرة ذهبية سنويًا.. إنتاجية 500 نول
استند الباحث في حديثه إلى أرقام توثيقية وردت في “التقويم السنوي لولاية الشام” لعام 1305 هجري، تعكس الحجم الضخم لقطاع النسيج في تلك الحقبة.
إذ رصد التقويم وجود أكثر من 500 نول خشبي يعمل عليها 800 عامل، يصنعون سنويًا 30,000 قطعة من عُدَد الحمامات كالفوط والمناشف، و36,000 ثوب من البياض، إضافة إلى 10,000 شرشف فراش، في وقت بلغت فيه القيمة الإجمالية السنوية للإنتاج نحو 70,000 ليرة ذهبية.
وبيّن حجازي أن هذه الأرقام تبرهن على وجود منظومة اقتصادية وحرفية متكاملة تدور في فلك النسيج، تبدأ من إنتاج وتجهيز الخيوط والتسدية والحياكة والصباغة، وصولًا إلى الخياطة والتطريز ثم التجارة والتوزيع.
من التوريث العائلي إلى الاندثار
حول التقنية المستخدمة، وصف الباحث التراثي النول الحموي بأنه خشبي بسيط التكوين لكنه يتطلب مهارة عالية في التشغيل، لافتًا إلى أن العمل يبدأ بترتيب خيوط السدى ثم إدخال اللحمة بالمكوك لتشكيل الزخارف الهندسية المستمدة من عمارة البلد التاريخية، والزخارف النباتية المستوحاة من البيئة الطبيعية لحماة.
وأردف حجازي أن معارف وتقنيات هذه الحرفة كانت تنتقل وراثيًا داخل العائلات من الآباء إلى الأبناء لتصبح جزءًا من هوية الأسرة ومصدر رزقها.
واستدل على ذلك ببروز عائلات حموية ارتبطت أسماؤها تاريخيًا بالمهنة مثل “الدبيك” و”المسدي” و”المدني” وغيرهم، إلا أن الحرفة شهدت تراجعًا كبيرًا في عقودها اللاحقة إذ انخفضت أعداد الأنوال تدريجيًا ليتلاشى غالبها ولا يتبقى منها سوى عدد محدود جدًا في الوقت الحالي.
نداء لحماية الذاكرة الحية
في سياق البعد الاقتصادي، ذكر المهندس حجازي أن المنسوجات الحموية تخطت الحدود المحلية لتغذّي أسواقًا إقليمية واسعة، مستندة إلى حركة تبادل نشطة مع مناطق مختلفة في بلاد الشام والأناضول ومصر.
وتابع أن هذا الرواج يعكس تموضع المدينة الاستراتيجي كمركز ثقل ضمن شبكة تجارية كبرى، حوّلت القطن إلى منتج، والمنتج إلى تجارة ومورد مالي، والمعرفة الحرفية إلى إرث عائلي عابر للأجيال.
واختتم الباحث التراثي حديثه لعنب بلدي بالتشديد على المسؤولية الثقافية الراهنة، مبينًا أنه رغم تعذر إعادة مئات الأنوال إلى الخدمة كما في السابق، فإن الجهود يجب أن تنصب اليوم على صون الحرفة بمصطلحاتها، وآليات عملها، وأنماط منسوجاتها، وسير صنّاعها، لتبقى هذه المهنة نابضة في الذاكرة المحلية لمدينة حماة.
كما دعا إلى حتمية حماية ما تبقى من هذا الإرث الحي وتوثيقه، مؤكدًا أن الاستماتة في الحفاظ عليه لا تنطلق من جدواه الإنتاجية والاقتصادية فحسب، بل لما يحمله النول من أبعاد اجتماعية وجمالية وتقنية فريدة، تستحق أن تُنقل بأمانة إلى الأجيال الجديدة.
