أعلنت نيجيريا أمس، الثلاثاء 20 من تشرين الأول، عن تسجيل أول إصابة بفيروس “إيبولا” داخل حدودها، في ظل استمرار تفشي المرض في القارة الأفريقية، ما دفع بمسؤولين صحيين إلى التحذير من تهديد بالغ الخطورة للأمن الصحي الإقليمي.
وجاء هذا الإعلان في وقت تشهد فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية ومحيطها تفشيًا واسعًا للحمى النزفية القاتلة، إذ امتدت رقعة الفيروس لتصل إلى أوغندا المجاورة وعدة مناطق أخرى.
وصُنّف الوباء الحالي كأحد أكثر الموجات فتكًا في تاريخ جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي بدأت منتصف أيار الماضي، إذ أودى بحياة 4561 شخصًا من بين أكثر من 9 آلاف إصابة مؤكدة، وفقًا لآخر تحديثات السلطات الصحية.
ويُعد هذا التفشي ثاني أكبر تفشٍّ في التاريخ، بعد تفشي المرض في غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016 الذي سجّل أكثر من 28 ألف حالة، من بينها أكثر من 11 ألف حالة وفاة.
ويختلف تفشي “إيبولا” الحالي عن معظم حالات التفشي السابقة، إذ لا توجد لقاحات أو علاجات معتمدة لفيروس “بونديبوغيو” النادر المسبب له. وقد بدأت التجارب السريرية لهذه اللقاحات والعلاجات في مقاطعة إيتوري، بؤرة التفشي، شرق الكونغو.
وأوضح وزير الصحة النيجيري، محمد علي باتي، في بيان رسمي، أن الحالة المكتشفة تعود لمسافرة وصلت على متن رحلة جوية قادمة من أوغندا، ونُقلت لاحقًا إلى مستشفى خاص حيث تلقت الرعاية لأيام عدة قبل أن تؤكد الفحوصات المختبرية إصابتها بالفيروس.
وطمأن الوزير النيجيري السلطات والرأي العام مؤكدًا أن المصابة تخضع حاليًا للعزل التام، وتتلقى الرعاية الطبية اللازمة وفق البروتوكولات المعتمدة، مشيرًا إلى بدء تتبع المخالطين لها لمنع انتشار العدوى.
استنفار في كينيا وأوغندا
كما سارعت وزارة الصحة الأوغندية في وقت متأخر الثلاثاء إلى توضيح الموقف، مؤكدةً خلو البلاد من أي إصابات نشطة بفيروس “إيبولا” في الوقت الراهن.
وأشارت “الوزارة” إلى أن مجرد السفر عبر الأراضي الأوغندية لا يعني بالضرورة حدوث العدوى أو انتقالها من داخلها.
كما أن وزارة الصحة الكينية أعلنت أمس الثلاثاء أيضًا عن تسجيل تاسع إصابة مؤكدة بالفيروس على أراضيها، في مؤشر يعكس الصعوبات المستمرة التي تواجهها دول المنطقة لاحتواء المرض ومنع تمدده عبر الحدود.
وفي ضوء هذه التطورات المتسارعة، أطلق المدير العام لمركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا، جان كاسيا، تحذيرًا شديد اللهجة، مؤكدًا أن تفشي فيروس “إيبولا” من سلالة “بونديبوغيو” بات يعد الأكثر انتشارًا جغرافيًا في التاريخ، بعدما امتدت رقعته لتؤثر على بلدان عدة تتوزع في 3 مناطق مختلفة من القارة الأفريقية.
وحضّ كاسيا المجتمع الدولي والشركاء الدوليين على التدخل العاجل وإرسال الدعم المالي والإمدادات الطبية الحيوية، إلى جانب نشر الكوادر الطبية المتخصصة في القطاع الصحي للمساعدة في احتواء الأزمة، موجهًا نداءً حازمًا بضرورة التحرك الفوري.
ما مرض “الإيبولا”؟
هو مرض معدٍ جدًا وغالبًا ما يكون قاتلاً، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى الإصابة بالحمى النزفية الفيروسية، بحسب “غارديان”.
وتسببه فيروسات مختلفة ترتبط غالبًا بخفافيش الفاكهة، وله 4 سلالات تصيب البشر هي: “زائير”، “السودان”، “بونديبوغيو”، و”تاي فورست”.
وينتقل المرض من الحيوان للإنسان، ومن إنسان لآخر عبر سوائل جسم الشخص المصاب.
ويوضح خبير الأمراض المعدية في جامعة “سوانزي”، الدكتور سيمون ويليامز، لـ”غارديان”، أن لقاح إيبولا الشهير والمعتمد عالميًا (واسمه إيرفيبو) غير فعال نهائيًا ضد هذه السلالة النادرة المنتشرة حاليًا.
ويضيف أن المرض يمكن أن يكون قاتلاً لأي شخص يصاب به، ولا تقتصر خطورته على كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، كما كان الحال مع “كوفيد-19”.
وبما أنه لا توجد أي علاجات نوعية أو لقاحات لهذه السلالة المحددة، فإن السيطرة على المرض تعتمد كليًا على عزل المصابين وتتبع المخالطين، وهو ما يبدو شبه مستحيل في بيئة المنطقة الحالية، وفقًا للخبير.
هل سجلت إصابات بـ”إيبولا” في الشرق الأوسط؟
لم يسبق أن سُجلت أي إصابات بفيروس “إيبولا” في منطقة الشرق الأوسط، وظلت المنطقة خالية تمامًا منه حتى اللحظة. إلا أن المخاوف الحالية تصاعدت عقب رصد عدد كبير من الحالات المصابة بالمتحور الجديد.
ويرى خبراء صحيون، أن احتمالية انتشار الفيروس على نطاق أوسع تظل قائمة عبر حركة السفر الدولية، إذ يمكن للعدوى أن تنتقل عن طريق المسافرين الوافدين من مناطق تفشي المرض في حال مخالطتهم لمرضى مصابين، نظرًا للقدرة العالية للفيروس على العدوى.
وفي السياق ذاته، تبدي الهيئات الصحية حول العالم تخوفًا شديدًا من التراخي في تطبيق الإجراءات الاحترازية والوقائية، وهي التدابير الحاسمة والضرورية لمحاصرة الفيروس وضمان عدم خروجه عن نطاق بؤر الانتشار الحالية.
دراسة جديدة
وكشفت دراسة علمية جديدة أن متحورًا جديدًا لسلالة نادرة يقف وراء تفشي فيروس “إيبولا” الحالي في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ويشير هذا الاكتشاف إلى أن الانتشار الراهن نجم عن انتقال جديد للفيروس من الحيوانات إلى البشر، وليس عن سلالات ممتدة أو مرتبطة بحالات إصابة سابقة.
ووفقًا لما نشرته دورية “نيتشر ميديسين” (Nature Medicine)، قام باحثون من الكونغو وأوغندا وبلجيكا ودول أخرى بتحليل التركيب الجيني لعينات الفيروس المأخوذة من 22 مريضًا في الكونغو وأوغندا.
وأظهرت النتائج أن سلالة الفيروس المسببة للتفشي الحالي تختلف جينيًا عن فيروسات “إيبولا” من سلالة “بونديبوغيو” التي رصدها العلماء في موجات تفشي سابقة عامي 2007 و2012.
وتؤكد هذه النتائج الجينية أن تفشي الفيروس الحالي بدأ بواقعة منفصلة وجديدة لانتقاله من مستودعه الحيواني إلى البشر، قبل أن يبدأ بالانتشار اللاحق بين المخالطين من الآدميين.
ورغم أن الدراسة لم تحدد بدقة الحيوان المصدر الذي نقل العدوى هذه المرة، إلا أنه من المعروف علميًا أن فيروسات “إيبولا” تنتقل بشكل دوري من الحيوانات البرية المصابة إلى الإنسان.
كما ساعد هذا التحليل الجيني الدقيق لعينات المرضى في تأكيد أن حالات الإصابة المرصودة في أوغندا مرتبطة جغرافيًا وبائيًا بالتفشي الأخير للفيروس في جارتها الكونغو الديمقراطية.
