قال رئيس محكمة الجنايات الرابعة المختصة بالعدالة الانتقالية في سوريا، القاضي فخر الدين العريان، إن المحكمة تنظر حاليًا في نحو 61 قضية تتعلق بانتهاكات جسيمة، مشيرًا إلى أنها فصلت في أربع قضايا، من بينها قضايا مرتبطة برموز النظام السابق، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر.
وأضاف العريان في تصريحات لوكالة الأنباء السورية (سانا) اليوم، الخميس 22 من تشرين الأول، أن المحكمة جزء من منظومة القضاء السوري وتتبع لمجلس القضاء الأعلى، مؤكدًا أنها ليست محكمة خاصة أو استثنائية، بل تتألف من قضاة سوريين وتطبق القوانين السورية.
وأوضح أن القضايا المنظورة أمام المحكمة تُتابع وفق الإجراءات القانونية الأصولية، في إطار مسار محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا خلال سنوات حكم النظام السابق.
آثار قانونية للأحكام الغيابية
وقال العريان، إن الأحكام الغيابية الصادرة بحق بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما من المتهمين الفارين لها آثارها القانونية، مشيرًا إلى أن هذه الأحكام تُرسل إلى الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لملاحقة المتهمين ومتابعتهم وفق الإجراءات المعتمدة.
وأوضح أن إصدار الأحكام الغيابية يهدف إلى منع تعطيل مسار العدالة بسبب غياب المتهمين، مشددًا على أنها ليست أحكامًا نهائية، إذ تسقط بمجرد القبض على المتهمين الفارين أو تسليم أنفسهم، لتُعاد إجراءات المحاكمة بحضورهم حتى صدور أحكام وجاهية بحقهم.
وفي ما يتعلق بالحكم الصادر بحق بشار الأسد، قال العريان إن الحكم لم يستند إلى توليه منصب رئيس الجمهورية، بل إلى ما وصفه بثبوت مسؤوليته من خلال سلسلة القيادة والأوامر، وإلى أدلة قال إنها توثق اشتراكه المباشر في إصدار الأوامر من قمة الهرم وصولًا إلى المنفذين الميدانيين.
وكانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أصدرت، في 11 من آب الماضي، حكمًا بالإعدام غيابيًا بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب ستة مسؤولين سابقين آخرين، بينما صدر الحكم نفسه حضوريًا بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، الذي مثل أمام المحكمة خلال جلسات محاكمته.
حماية الشهود والأدلة
أكد العريان أن المحكمة طبقت مبدأ حماية الشهود والأدلة بالنسبة إلى طرفي الدعوى، ولم تقتصر الإجراءات على شهود الضحايا، بل شملت أيضًا الشهود الذين يطلبهم المتهمون للدفاع عن أنفسهم.
وضرب مثالًا على ذلك بدعوى عاطف نجيب، موضحًا أن المحكمة استجابت لطلبه الاستماع إلى شهود محميين باستخدام أرقام سرية، في إطار الإجراءات المتخذة لحماية الشهود.
وكانت جلسات محاكمة نجيب شهدت إجراءات خاصة تتعلق بحماية المعلومات والشهود، إذ قررت المحكمة، خلال جلسة 10 من أيار الماضي، وقف البث المباشر من داخل قاعة المحكمة أمام وسائل الإعلام، بسبب ما تضمنته المرافعات والأسئلة من أسماء شهود محميين ووثائق ومعلومات سرية.
المفقودون وجبر الضرر
أشار العريان إلى أن المحكمة تواجه صعوبات في تحديد مصير المفقودين، عازيًا ذلك إلى أن النظام السابق عمد إلى طمس الأدلة وإخفاء المعلومات التي يمكن أن تكشف مصير المعتقلين، بهدف التنصل من المسؤولية عن الانتهاكات المرتكبة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى عائلات المفقودين والمعتقلين الذين لا تزال مصاير أبنائهم مجهولة، إذ يتطلب كشف مصيرهم جمع الأدلة والوثائق ومتابعة القضايا المرتبطة بالاحتجاز والانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون.
وفي سياق ضمان حقوق الضحايا، قال العريان إن المحكمة قضت بمصادرة أموال المحكومين وإيداعها في صندوق خاص، إلى حين تشكيل صندوق لجبر الضرر، موضحًا أن هذه الخطوة تهدف إلى ضمان حقوق شريحة واسعة من الضحايا الذين لم يتمكنوا من المثول أمام المحكمة أو تقديم ادعاءات بالحق الشخصي.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار المحاكمات الجارية بحق مسؤولين سابقين في النظام، والذي شهد جلسات علنية ومشاركة محامين وحقوقيين وذوي ضحايا، إلى جانب متابعة منظمات حقوقية لمجريات المحاكمات وإجراءاتها.
ضمانات للمتهمين والضحايا
وشدد العريان على أن مسار العدالة الانتقالية مستمر، مؤكدًا أن المحكمة تسعى إلى ملاحقة المتورطين وإعادة الحقوق إلى أصحابها، مع ضمان حقوق جميع الأطراف، سواء كانوا متهمين أو ضحايا.
ويضع هذا المسار القضاء أمام ملفات تتعلق بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات جسيمة، وتحديد المسؤوليات الفردية، والنظر في الأدلة والشهادات، إلى جانب التعامل مع مطالب الضحايا وذوي المفقودين.
وتترافق المحاكمات مع نقاش قانوني حول مدى قدرة التشريعات السورية النافذة على التعامل مع طبيعة الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات النزاع، ولا سيما الجرائم الواسعة والمنهجية.
وأكد العريان أن جميع الأطراف ستنال حقوقها وضماناتها أمام المحكمة، في وقت تستمر فيه الإجراءات القضائية في القضايا المنظورة، بالتوازي مع ملاحقة المتهمين الفارين ومتابعة الملفات المرتبطة بالانتهاكات والضحايا.
