لماذا تصفق الجاليات السورية لكل حاكم جديد؟

  • 2026/10/25
  • 1:00 م
غزوان قرنفل

غزوان قرنفل

enab_get_authors_shortcode

غزوان قرنفل

ثمة ظاهرة تستحق التوقف والتأمل في سلوك قطاع كبير من الجاليات السورية المنتشرة في أنحاء العالم، تتمثل في استعدادها الدائم للتصفيق لمن يجلس على كرسي السلطة في دمشق، أيًا يكن هذا الحاكم وأيًا تكن طبيعة حكمه وسياساته، وكأن المسألة لا تتعلق ببرنامج سياسي أو مشروع وطني أو سجل من الإنجازات والإخفاقات، بل بمجرد وجود شخص في موقع السلطة يصبح التصفيق له واجبًا، وتأييده موقفًا مسبقًا لا يحتاج إلى نقاش أو مراجعة.

المفارقة اللافتة أن هؤلاء لطالما هتفوا وهللوا لكل حاكم يلتقيهم، ثم لا يلبثون أن يكرروا المشهد ذاته مع من يخلفه، حتى لو كان القادم مناقضًا تمامًا لسلفه في خطابه وأيديولوجيته وسياساته. يتغير الحاكم وتتبدل الأعلام ويبقى التصفيق هو الثابت الوحيد في سلوكهم، فالولاء كان دائمًا لشخص الحاكم وليس لمشروعه أو لما يقدمه لشعبه.

ولا يبدو أن كثيرين من هؤلاء يحتاجون إلى وقت كافٍ لاختبار سياسات الحاكم الجديد، أو معرفة توجهاته، أو تقييم مواقفه من الحريات وحقوق الإنسان واستقلال القضاء والتعددية السياسية، فتلك ليست مسائل جوهرية يجب أن يحظى بها أقرانهم في الوطن.

لكن ما الذي يدفع بعض السوريين في الخارج إلى هذا السلوك؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد الحماسة السياسية، أم أن ثمة أسبابًا أعمق تتصل بثقافة الخضوع للسلطة التي ترسخت في المجتمع السوري على مدى عقود؟ حسنًا.. ربما يبدأ التفسير من إرث طويل من الاستبداد، اعتاد فيه المواطن أن ينظر إلى الحاكم باعتباره مصدرًا للحقوق والمنافع، لا موظفًا عامًا يستمد شرعيته من إرادة الناس ويخضع للمساءلة أمامهم.

في مثل هذه الثقافة، يصبح القرب من السلطة قيمة بذاتها، ويغدو تأييد الحاكم وسيلة للشعور بالأمان أو الانتماء إلى الطرف الأقوى، فيما يتحول الاعتراض إلى مخاطرة أو تهمة تستدعي الدفاع عن النفس، إلا أن المشكلة لا تقف عند حدود التأييد غير المشروط، بل إن بعض المصفقين لا يكتفون بالدفاع عن الحاكم، بل يذهبون إلى التشكيك في وطنية كل من يخالفه أو ينتقد أداءه أو سياساته، ويطعنون في نياته ويتهمونه بالعداء للدولة أو بالتآمر عليها، وكأن الوطنية أصبحت مرادفًا لموالاة شخص بعينه، أو أن الدولة تختزل في الحاكم، وأن مصالح الوطن تتطابق بالضرورة مع مصالح السلطة، ولا يحق لأحد أن يفصل بينهما.

تزداد المفارقة وضوحًا عندما ننظر إلى حياة هؤلاء في بلدان اللجوء والاغتراب، حيث يعيشون في مجتمعات يتمتعون فيها بحرية التعبير والتنظيم، ويستفيدون من استقلال القضاء، وسيادة القانون، وشفافية المؤسسات، وتداول السلطة، ويعرفون أن بإمكانهم انتقاد رؤساء حكوماتهم من دون أن يفقدوا حقوقهم أو يوصموا بالخيانة، ومع ذلك يريد بعضهم للسوريين في الداخل أن يقبلوا بنقيض هذه القيم، وأن يتعايشوا مع أنظمة سلطوية أو ممارسات قمعية، وأن يمنحوا الحاكم شيكًا على بياض لمجرد أنه الحاكم القائم.

أي انفصام هذا بين القيم التي يتمتع بها ويريدها المرء لنفسه والقيم التي يقبل بحرمان الآخرين منها؟ ولماذا تصبح الحرية حقًا طبيعيًا له في البلد الذي يقيم فيه، بينما تتحول إلى ترف أو مؤامرة عندما يطالب بها سوريون آخرون في بلدهم؟ ولماذا يطلب من المواطن السوري في بلده أن يصبر على غياب المساءلة والشفافية، في حين لا يقبل المقيم في الخارج أن يتنازل عن أبسط حقوقه السياسية والقانونية في المجتمع الذي يعيش فيه؟

ليست الجاليات السورية كتلة واحدة بطبيعة الحال، أو أن جميع أفرادها يتصرفون بالطريقة نفسها، فلا يخلو الأمر من أصوات ديمقراطية مستقلة، وأشخاص دفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن الحرية والكرامة، وآخرون يرفضون الاصطفاف الأعمى مع أي سلطة، لكن الظاهرة التي تستحق النقد هي ذلك الاستعداد لدى بعضهم لاستبدال تبعية بتبعية، وحاكم بحاكم، من دون التمسك بمعايير ثابتة للحكم الرشيد.

ليست وظيفة الجاليات التصفيق والتطبيل للحاكم، بل حماية حقوق ومصالح أبناء الجالية في المجتمعات المضيفة، ودعم الاندماج الإيجابي فيها، وأن تكون أحد جسور التواصل مع الوطن الأم لدعم فرص التعافي والتنمية فيه بما يرتقي بمستوى حياة أقرانهم السوريين، ولدعم سبل حماية حقوقهم وحرياتهم العامة داخل بلدهم.

سوريا اليوم، وفي كل يوم، تحتاج إلى من يدافع عن كيان الدولة وليس عن شخص الحاكم، ويدافع عن المؤسسات لا عن المتنفذين فيها، وعن حقوق العامة لا عن امتيازات القلة الحاكمة، وعن حق السوريين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم وعزلهم بالوسائل الدستورية والقانونية، تمامًا كما يتمتع فيها ابن الجالية في موطنه الجديد.

الجالية ليست جوقة هتافين ومطبلين ولا يجب أن تكون، ومن المؤسف أن معظم أعضاء جالياتنا هم كذلك، وكأن وجودهم في مواطنهم الجديدة لم يكسبهم أي شيء مما يعايشونه ولم يضف إليهم أي معارف جديدة عن الشفافية والمساءلة وعن قيمة الإنسان وحقوقه.

وهكذا قد يرحل مستبد لكن الاستبداد لا يرحل معه بالضرورة، بل يبقى حيًا في عقول منافقين اعتادوا التصفيق، وتخوين من يخالفونهم الرأي والرؤية، وفي سلوك من يرفلون في نعيم الحرية وسيادة القانون بينما ينكرون على أبناء وطنهم ذلك.

مقالات متعلقة

  1. إخصاء الاستبداد
  2. خطوة لأجل العدالة
  3. خيمة سيرك.. لا أكثر
  4. حشرات إلكترونية

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي