احتلت مجموعة قصص “شتاء قاسٍ آخر” مكانة خاصة في التجربة الأدبية للكاتب السوري سعيد حورانية، لأنها اتخذت من عموم الحياة الاجتماعية مجموعة قضايا إنسانية وحتى سياسية، مع التركيز على الفقر والتفاوت الطبقي والعلاقة التي تحكم السلطة بالشعب.
صدرت المجموعة في مطلع ستينيات القرن الماضي، وضمت قصصًا تنوعت بيئاتها وشخصياتها، ففي قصة “الصندوق النحاسي”، وهي القصة الثانية، رسم حورانية مأساة علاقة بين أم وابنها الذي أصبح طبيبًا.
ينشغل الابن بمرضاه القادرين على دفع المال، بينما تعيش أمه في ظروف صعبة، ولا تنال منه الاهتمام الذي تنتظره.
وبعد وفاتها، يعثر على صندوق صغير تركته، فيجد داخله صورة وحذاء صغيرًا يستعيد به ذكرى قديمة، حين ضرب أمه به، ما كشف حجم الندم الذي أصابه.
ومن العلاقات الشخصية ينتقل الكاتب إلى علاقة الفرد بالسلطة في قصة “وأنقذنا هيبة الحكومة”، التي تدور في الريف السوري مطلع خمسينيات القرن الـ20، وتضع الحكاية راعيًا بدويًا في مواجهة ضابط يتعامل مع هيبة الحكومة بوصفها مبررًا لفرض سلطته بالقوة.
ويكشف العنوان، بنبرته الساخرة، مفارقة الحكاية، فبدلًا من أن تكون الأولوية حماية الناس، تصبح استعادة هيبة السلطة هي الأولوية، حتى عندما يكون ذلك على حسابهم.
وتحضر مسألة التضحيات التي لا تقابلها حياة كريمة في قصة “حمد ذياب”، التي تتناول رجلًا خاض تجربة نضالية وتعرض للنفي والمعاناة، ثم عاد إلى وطنه ليجد نفسه في موقع لا يتناسب مع ماضيه وما تحمله.
وفي القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، يستعين حورانية بالطبيعة للتعبير عن الحالة النفسية والإنسانية.
وتظهر شجرة الليمون، التي يصفها برقة تشبه صورة أميرة من الحكايات، في مقابل شجرة السنديان التي اعتادت مواجهة الشتاء والعواصف، ومن خلال المقارنة بين الشجرتين، تتقدم الحكاية نحو التساؤل عن القدرة على تحمل القسوة.
سعيد حورانية
ولد سعيد حورانية في دمشق عام 1929، ودرس الأدب العربي في جامعتها، ثم حصل على دبلوم في التربية.
عمل بالتدريس في سوريا ولبنان، وأقام في موسكو سنوات، قبل أن يعود إلى سوريا ويعمل في وزارة الثقافة.
توفي عام 1994، ويعد من الأسماء التي أسهمت في تطوير القصة القصيرة السورية خلال النصف الثاني من القرن الـ20، كما لُقب بـ”تشيخوف القصة السورية”.
أصدر حورانية مجموعته القصصية “وفي الناس المسرّة” عام 1954، ثم “شتاء قاسٍ آخر” في مطلع ستينيات القرن الماضي، وتلتها مجموعات أخرى، من بينها “سنتان وتحترق الغابة”.
وفي إهداء “شتاء قاسٍ آخر”، خاطب حورانية صديقه الكاتب حنا مينه قائلًا: “يا من فهمت ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية، إليك يا صديقي أقدم هذه القصص”.
