لم تعد أجور النقل في محافظة السويداء تقتصر على كونها نفقات يومية للوصول إلى العمل أو المدرسة، بل أصبحت عبئًا إضافيًا على الأهالي في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وزيادة أجور التنقل بين المدينة والبلدات والقرى، ما يدفع بعضهم إلى الانتظار طويلًا لاستخدام وسائل نقل أقل تكلفة، فيما يضطر آخرون إلى قطع مسافات سيرًا على الأقدام لتوفير جزء من مصروفهم.
ويبرز هذا العبء بصورة خاصة لدى الطلاب الذين يضطرون إلى التنقل يوميًا من قراهم إلى المدارس والجامعة التي تقع في المحافظة، إذ تتراكم تكاليف الذهاب والإياب على امتداد الشهر، إلى جانب احتمال حاجتهم إلى استخدام وسائل النقل الداخلي للوصول إلى وجهاتهم.
هدى، موظفة في قطاع التربية قالت لعنب بلدي، إن أجور النقل تشكل عبئًا أكبر على الطلاب، ولا سيما القادمين من القرى المحيطة بالمدينة، نظرًا إلى اضطرارهم إلى التنقل يوميًا، مع اختلاف الأجور بحسب المسافة التي تفصل قريتهم عن مدارسهم وخاصة طلاب المرحلة الثانوية.
وأضافت أن بعض الطلاب يحتاجون أيضًا إلى استخدام وسائل النقل الداخلي بعد وصولهم إلى المدينة، ما يزيد من النفقات التي تتحملها أسرهم بصورة يومية.
وقالت طالبة في الصف الحادي عشر، تقيم في مساكن الكهرباء بمدينة السويداء، إن أجرة “السرفيس” ذهابًا وإيابًا تبلغ 100 ليرة سورية يوميًا، للوصول إلى مدرستها الواقعة في وسط المدينة.
تقليص الدوام بهدف التوفير
لا تقتصر آثار ارتفاع أجور النقل على طلاب المدارس فقط، بل تمتد إلى طلاب الجامعات أيضًا.
قال سائق “سرفيس” يعمل على خط كلية الفنون الثانية في السويداء، التي تضم أيضًا كلية العلوم (تعرضت للحرق في أثناء أحداث تموز)، لعنب بلدي إنه لاحظ تراجعًا في أعداد الطلاب الذين يستقلون “السرفيس” خلال الفترة الأخيرة، رغم عدم رفع أجرة النقل على الخط الذي يعمل عليه.
وأضاف أن قلة عدد “السرافيس” العاملة على هذا الخط جعلته يعرف معظم الطلاب الذين يستقلون مركبته بصورة متكررة، ما ساعده على ملاحظة تراجع أعدادهم، مرجحًا أن يكون ارتفاع أجور الباصات التي تنقلهم من قراهم إلى مدينة السويداء أحد الأسباب التي تدفعهم إلى تقليص أيام دوامهم.
وقالت مايا، وهي طالبة في كلية العلوم، إن أجور النقل أثرت في انتظامها في حضور المحاضرات، إذ باتت تقتصر على حضور المحاضرات العملية، فيما تتغيب عن الأيام التي تحوي المواد النظرية، بهدف توفير أجرة الطريق.
ولا تقتصر نفقات الدراسة، بحسب مايا، على النقل، إذ يضطر الطلاب أيضًا إلى دفع تكاليف شراء المحاضرات، موضحة أنها طبعت محاضرة مؤلفة من 120 صفحة وقد كلفتها 400 ليرة سورية.
وأضافت أن إحدى صديقاتها، التي تقيم في مدينة صلخد بريف السويداء، تحتاج إلى دفع نحو 600 ليرة سورية يوميًا لتغطية أجرة الذهاب والإياب إلى الجامعة.
أجرة الطريق تستنزف الراتب
تواجه وفاء، الموظفة في مركز “الأمل” الطبي والمقيمة في بلدة القريا بريف السويداء الجنوبي، صعوبة في تغطية تكاليف تنقلها اليومي إلى عملها، حيث قالت إن أجرة الباص تبلغ 150 ليرة سورية، في حين تبلغ تكلفة سيارة الأجرة على الراكب 250 ليرة.
كما تضطر وفاء إلى الانتظار وقتًا طويلًا حتى تتمكن من ركوب الباص وتوفير جزء من نفقات الطريق، لكنها بعض الأيام تستخدم سيارة الأجرة عندما تفوّت موعد الباص.
وأوضحت أن مصروفها الشهري على النقل يتجاوز 7000 ليرة سورية، وهو ما يعادل نصف راتبها.
كما يواجه العاملون داخل مدينة السويداء، ممن تفصلهم مسافات طويلة عن أماكن عملهم، المشكلة ذاتها والأعباء نفسها.
رند، البالغة من العمر 18 عامًا، تعمل في محل لبيع الأحذية وسط مدينة السويداء، وتضطر إلى استخدام “السرفيس” للوصول إلى عملها والعودة منه، بسبب بُعد منزلها عن مكان العمل، قالت لعنب بلدي، إنها تنفق 200 ليرة سورية يوميًا على أجرة “السرفيس”، نتيجة اضطرارها إلى الذهاب إلى عملها والعودة منه مرتين خلال اليوم.
تعمل رند بدوامين، وفي بعض الأيام، تضطر إلى مغادرة منزلها قبل موعد دوامها بساعة حتى تتمكن من الوصول إلى عملها سيرًا على الأقدام، وتوفير أجرة النقل التي تستهلك جزءًا ليس قليلًا من راتبها.
كما قال موظف، فضّل عدم ذكر مكان عمله، إن أجرة الطريق اليومية تبلغ 300 ليرة سورية، موضحًا أن راتبه بالكاد يكفي لتغطية تكاليف تنقله، حتى باتت نفقاته ودخله متقاربين، على حد تعبيره: “عم يطلعوا راس براس”.
من جهته، قال أحد الركاب من قرية عنز في الريف الجنوبي لعنب بلدي، إن أجرة الطريق تبلغ 300 ليرة سورية، ما يعني أن تكلفة الذهاب والإياب 600 ليرة يوميًا، معتبرًا أن هذا المبلغ يشكل عبئًا كبيرًا على الركاب.
وفي سياق متصل، رصدت مراسلة عنب بلدي ارتفاع أجرة طلب سيارة أجرة داخل مدينة السويداء إلى 350 ليرة سورية للوجهات القريبة، بعدما كانت تبلغ نحو 150 أو 200 ليرة.
السائقون يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل
في المقابل، يواجه سائقو وسائل النقل ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، في ظل زيادة أسعار المحروقات وارتفاع نفقات صيانة المركبات، ما يضعهم أمام صعوبة في الاستمرار بالعمل دون تعديل الأجور.
وقال صاحب باص يعمل على خط القرى الجنوبية لعنب بلدي، إن ارتفاع أسعار البنزين والمازوت دفع السائقين إلى رفع أجور النقل، موضحًا أن بعض الرحلات تنطلق بعدد محدود من الركاب لا يتجاوز خمسة أو ستة، ما يقلل الإيرادات التي يحققها الباص، وأضاف أن إطارات الباص تحتاج إلى التبديل، لكنه لا يستطيع تحمل تكلفتها في ظل ارتفاع الأسعار.
ولا تعني زيادة أجور النقل بالضرورة تحسن دخل العاملين في هذا القطاع، إذ تترافق تكاليف التشغيل المرتفعة مع تحديات تتعلق بتأمين الوقود وصيانة المركبات.
وتأتي الزيادة في تكاليف النقل عقب رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا، إذ أقرت مديرية خدمات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة السورية أسعارًا جديدة للبنزين والمازوت والغاز المنزلي والصناعي.
ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 13 من أيلول الماضي، إذ ارتفع سعر ليتر البنزين أوكتان “95” من 152 إلى 195 ليرة سورية، والبنزين أوكتان “90” من 147 إلى 185 ليرة، فيما صعد سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية.
وفي 17 من أيلول، أعلن وزير الطاقة، محمد البشير، خلال مؤتمر صحفي، طرح عدة أنواع من مادة المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة.
ومع استمرار ارتفاع أجور النقل، يجد الأهالي أنفسهم أمام خيارات محدودة لتخفيف النفقات، بين انتظار وسائل النقل الجماعي، والمشي لمسافات طويلة، أو تخصيص جزء كبير من الدخل لتأمين الوصول اليومي إلى العمل والمدرسة.
