عدالة الفرص في الدراما السورية.. نقاش يتجاوز الموهبة إلى الإنتاج والتمويل

  • 2026/10/27
  • 5:21 م
من الندوة الحوارية "نحو عدالة الفرص في الدراما السورية" - 26 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

من الندوة الحوارية "نحو عدالة الفرص في الدراما السورية" - 26 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

تواجه المواهب الشابة في الدراما السورية تحديات تتعلق بصعوبة دخول سوق العمل، ومعايير اختيار الممثلين، والفجوة بين أعداد الخريجين والفرص المتاحة.

وفي ظل محدودية الإنتاج والظروف الاقتصادية، تتداخل هذه العوامل مع مسؤولية المؤسسات الأكاديمية وشركات الإنتاج والجهات الرسمية عن توسيع فرص العمل أمام المواهب الجديدة.

هذه القضايا كانت محور ندوة بعنوان “نحو عدالة الفرص في الدراما السورية”، التي أُقيمت مساء الاثنين 26 من تشرين الأول، بمشاركة الفنان جمال سليمان، وعميد المعهد العالي للفنون المسرحية غطفان غنوم، ورئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز، والمخرج ميار عباس النوري، وأدارت الحوار الإعلامية لوتس مسعود، بحضور فنانين وخريجين ومنتجين ومخرجين وعاملين في الشأن الفني.

عدالة الفرص.. هل تكفي الموهبة؟

لا تتعلق عدالة الفرص في الدراما بامتلاك الموهبة وحدها، بل بقدرة أصحابها على الوصول إلى المنتجين والمخرجين، ومعايير اختيار الممثلين، وحجم الإنتاج المتاح لاستيعاب أعداد الخريجين والباحثين عن العمل.

وبينما تفرض طبيعة الأدوار متطلبات فنية محددة، تبرز تساؤلات حول مدى انفتاح الصناعة على المواهب الجديدة، وتأثير العلاقات المهنية والاعتبارات التجارية في فرص المشاركة.

كما أن تحسين آليات الاختيار لا يكفي وحده لمعالجة المشكلة، في ظل محدودية عدد الأعمال مقارنة بأعداد الراغبين في دخول المجال، ما يجعل توسيع الإنتاج جزءًا أساسًا من النقاش حول تكافؤ الفرص.

الكاتب والفنان إياد أبو الشامات، قال لعنب بلدي، إن وجود مواهب لا تجد فرصًا للعمل يعكس معاناة شريحة واسعة من الشباب الذين درسوا واجتهدوا، لكنهم لا يستطيعون دخول الوسط الفني.

وأضاف أن بعض الفنانين قد يتعرضون للظلم، إلا أن تطبيق مفهوم العدالة في الفن ليس سهلًا، نظرًا إلى خضوع الاختيارات أحيانًا لمعايير غير موضوعية.

وربط أبو الشامات جانبًا من المشكلة بحجم الإنتاج، معتبرًا أن العاملين في الدراما لا يملكون وحدهم القدرة على زيادة عدد الأعمال، لأن ذلك يرتبط بقرارات الجهات المنتجة والرسمية وحجم الاستثمار.

وطرح دعم الإنتاج التلفزيوني الحكومي بوصفه أحد المسارات الممكنة.

من جهته، قال رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون في سوريا، علي عنيز، إن الندوة جاءت استجابة لمطالب موهوبين وخريجين يشعرون بأن أصواتهم لا تصل إلى الجهات العاملة في الصناعة.

وأكد لعنب بلدي أن جمع شركات الإنتاج والمخرجين والكتّاب والفنانين يهدف إلى إيجاد قنوات تواصل بينهم، والخروج بتوصيات لتعزيز فرص العمل.

أما أمين سر اللجنة الوطنية للدراما، نضال حبال، فأوضح لعنب بلدي أن الهدف كان الاستماع إلى أصحاب المشكلة مباشرة، ومناقشة الشكاوى المتعلقة بتوزيع الفرص ضمن حوار يجمع مختلف الأطراف المعنية.

وفي المقابل، قال الفنان رامي أحمر إنه لا يعتقد أن الفرص متاحة بعدالة، معربًا عن خيبة أمله لعدم سماع حلول عملية واضحة خلال الندوة.

ودعا المواهب الشابة إلى تطوير نفسها وتجربة طرق مختلفة لتقديم إمكاناتها، مشيرًا إلى أن الظروف الاقتصادية تؤثر في المنتج والممثل والخريج على حد سواء.

الإنصاف بين الخريجين والمواهب

ناقشت الندوة العلاقة بين التأهيل الأكاديمي والموهبة والخبرة العملية، ومدى أحقية خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية في فرص العمل، إلى جانب ضرورة إتاحة المجال أمام أصحاب المواهب الذين لم يسلكوا المسار الأكاديمي نفسه.

الدراسة توفر أدوات فنية ومعرفية، لكنها لا تعني أن الموهبة محصورة بخريجي مؤسسة واحدة، ما يجعل الإنصاف مرتبطًا بإتاحة الفرص أمام مختلف المسارات، وفق متطلبات الأدوار والكفاءة.

وفي هذا السياق، قال نضال حبال، إن اللجنة الوطنية للدراما أوصت شركات الإنتاج، خلال الموسم الماضي والموسم الحالي، بإشراك خمسة خريجين من المعهد العالي للفنون المسرحية في الأعمال الدرامية، مضيفًا أن نحو 70% من شركات الإنتاج طبقت التوصية، وفق تقديره، خلال الموسمين.

اللجنة الوطنية للدراما أوصت شركات الإنتاج، خلال الموسم الماضي والموسم الحالي، بإشراك خمسة خريجين من المعهد العالي للفنون المسرحية في الأعمال الدرامية، ونحو 70% من شركات الإنتاج طبقت التوصية.

نضال حبال
أمين سر اللجنة الوطنية للدراما

 

 

 

 

 

وتناول النقاش أيضًا مشاركة الطلاب في الأعمال خلال الدراسة، في ظل القيود التي قد تحد من فرص اكتسابهم الخبرة وتأمين دخل، مع ضرورة مراعاة انعكاس العمل على تحصيلهم الدراسي.

وتبقى هذه المسألة مرتبطة بقدرة المعهد وشركات الإنتاج على بناء علاقة تتيح للطلاب والخريجين الانتقال إلى الممارسة المهنية، من دون حصر فرص العمل بخريجي المعهد وحدهم.

ما بعد التخرج.. كيف يصل الشباب إلى المنتجين؟

لا تنتهي التحديات بالحصول على الشهادة، إذ يحتاج الممثل إلى أدوات تساعده على التعريف بقدراته والتواصل مع المنتجين والمخرجين ومديري اختيار الممثلين. وناقشت الندوة دور الوكلاء ومديري الأعمال في إعداد الملفات المهنية، والتفاوض على الفرص والعقود، وإدارة المسيرة المهنية للفنان.

كما طُرحت فكرة ربط الطلاب بالعاملين في المجال قبل التخرج، من خلال حضور عروضهم ومشاريعهم، إلى جانب إنشاء منصة رقمية أو ملف تعريفي لكل طالب، وتنظيم ورش وأنشطة تساعد على بناء العلاقات المهنية.

في المقابل، أُشير إلى أن الظروف الاقتصادية تحد من إمكانات المعهد في التطوير والتوظيف والإنتاج، فضلًا عن الحاجة إلى تحديث المرافق والاستوديوهات واستقطاب مدرسين ذوي خبرة.

وتشير هذه المقترحات إلى أن دعم الخريجين يحتاج إلى أكثر من التدريب الأكاديمي، إذ يتطلب قنوات عملية تتيح لهم عرض أعمالهم والوصول إلى فرص التجربة والعمل.

ضيق السوق والتمويل

تتصل محدودية فرص العمل بحجم الإنتاج والتمويل المتاحين، إذ لا يستطيع السوق استيعاب أعداد الخريجين إذا بقي عدد المشاريع محدودًا.

وخلال الندوة، أُشير إلى أن العمل الدرامي الكبير قد يوفر نحو 20 فرصة عمل، في حين يواجه آلاف الراغبين في دخول المجال صعوبة في الحصول على فرص.

ويرى الفنان إياد أبو الشامات أن زيادة الإنتاج لا تقع ضمن قدرة الفنانين وحدهم، بل ترتبط بقرارات الجهات المنتجة والرسمية، وطرح دعم الإنتاج التلفزيوني الحكومي أحد الخيارات الممكنة.

زيادة الإنتاج لا تقع ضمن قدرة الفنانين وحدهم، بل ترتبط بقرارات الجهات المنتجة والرسمية، وطرح دعم الإنتاج التلفزيوني الحكومي أحد الخيارات الممكنة.

إياد أبو الشامات
فنان وكاتب

 

 

 

 

كما طُرحت الحاجة إلى زيادة عدد المنتجين وتعزيز خبراتهم وثقافتهم الإنتاجية، لأن توفير رأس المال لا يكفي وحده من دون القدرة على تطوير المشاريع وتسويقها وبيعها.

ويعني ذلك أن معالجة مشكلة الفرص تتطلب توسيع الإنتاج، بالتوازي مع تطوير آليات الاختيار، إذ لا يمكن تحقيق تكافؤ فعلي في سوق لا توفر عددًا كافيًا من الأعمال لاستيعاب الراغبين في العمل.

“الكاستينغ”.. بين اكتشاف الوجوه الجديدة ومتطلبات الإنتاج

تُعد آليات اختيار الممثلين من أبرز المسائل المرتبطة بتكافؤ الفرص، خصوصًا فيما يتعلق بإتاحة تجارب الأداء أمام المواهب الجديدة، وتأثير الوقت المتاح للتحضير والعلاقات المهنية والاعتبارات التسويقية في قرارات الاختيار.

وخلال النقاش، طُرح أن “الكاستينغ” المفتوح يساعد على اكتشاف وجوه جديدة، لكنه لا يكون ممكنًا في جميع المشاريع، ولا سيما الأعمال التي يجري التحضير لها بسرعة قبل الموسم الرمضاني، حين قد يلجأ المخرجون إلى دعوة أسماء محددة.

كما تناول الحوار تكرار التعاون بين المخرجين والممثلين، وما يثيره من انتقادات تتعلق بحصر الفرص ضمن دوائر مهنية معينة.

وفي حين قد يكون استمرار التعاون إيجابيًا عندما يحقق نتائج جيدة، يبقى الانفتاح على خيارات جديدة ضروريًا لتوسيع قاعدة المشاركين.

وتطرق النقاش إلى تأثير عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي وقابلية الممثل للتسويق، إلى جانب الموهبة ومتطلبات الدور، فضلًا عن صعوبة وصول بعض الكتّاب الجدد إلى المخرجين الذين قد يترددون في قراءة النصوص الواردة إليهم عبر المنصات الرقمية.

وتُبرز هذه النقاط تعدد العوامل التي تتحكم في الوصول إلى الأدوار، بين متطلبات العمل الفنية وضيق الوقت والاعتبارات التجارية، ما يطرح الحاجة إلى تحقيق توازن يتيح اكتشاف مواهب جديدة من دون إغفال متطلبات الإنتاج.

مطالب بتنوع النصوص والموضوعات

ناقش المشاركون تكرار أنماط درامية معينة خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة الصناعة على تقديم موضوعات وتجارب مختلفة.

وتحدث القائمون عن أن بعض شركات الإنتاج باتت تعتمد على النصوص التي يقدمها أصحابها، بعد تراجع نموذج امتلاك الشركات بنوكًا خاصة بالنصوص، في حين يشهد الموسم الجديد، وفق ما طرحه رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون، علي عنيز، تنوعًا أكبر في الأعمال الاجتماعية المعاصرة والكوميديا إلى جانب البيئة الشامية.

من جهته، دعا الكاتب والمخرج المسرحي ضياء عسود إلى تقديم دراما تتناول المجتمع السوري بمختلف فئاته ومحافظاته وبيئاته، بدلًا من الاقتصار على القوالب المتكررة والموضوعات التي تركز على الجريمة والخطف والقتل وبعض الظواهر السلبية.

وقال عسود إن التنوع الاجتماعي والتاريخي والجغرافي في سوريا يوفر مادة واسعة للدراما، مضيفًا أن الفنانين الذين عملوا في مناطق الشمال السوري خلال سنوات الثورة، وفي ظروف شملت المخيمات والقصف، يحتاجون إلى مساحة لإيصال أفكارهم وتجاربهم.

ويمكن لتوسيع الموضوعات والنصوص أن يفتح المجال أمام كتّاب وممثلين ومخرجين جدد، لكن ذلك يبقى مرتبطًا باستعداد المنتجين للاستثمار في تجارب مختلفة، وعدم الاكتفاء بالأنماط التي اعتاد السوق استقبالها.

التوزيع والتمويل يحددان الفرص

تناول النقاش تراجع عدد الأعمال السورية مقارنة بمراحل سابقة، وأهمية وجود سوق تتيح بيع الإنتاج واسترداد تكاليفه.

وأُشير إلى أن ضعف منافذ التوزيع في مراحل سابقة جعل المنتجين أكثر تأثرًا باشتراطات القنوات التلفزيونية وتوجهاتها، بما في ذلك أنواع الأعمال والنجوم المشاركين فيها.

وفي المقابل، طُرح دخول رؤوس أموال جديدة إلى قطاع الإعلام والتشبيك مع القنوات العربية بوصفهما عاملين يمكن أن يساعدا في توسيع السوق.

كما لفت المتحدثون إلى عرض عدد من الأعمال السورية على أكثر من 20 فضائية خلال الموسم الماضي.

وحذّر النقاش من تخفيض أسعار بيع الأعمال والمنافسة السعرية السلبية، لما قد تتركه من آثار على قيمة الإنتاج وقدرة الشركات على تمويل مشاريع جديدة.

وتناول المشاركون كذلك إمكانية إنتاج أعمال تاريخية ضخمة، مع التأكيد على أن قرار تنفيذها لا يرتبط بالقدرة الإنتاجية وحدها، بل بوجود سوق ومشترٍ مستعد لتمويلها أو ضمان استرداد تكلفتها.

وبذلك، يرتبط توسيع فرص العمل بقدرة الصناعة على بناء سوق محلية وإقليمية تتيح بيع الأعمال وتمويل إنتاجات جديدة، بما ينعكس على عدد المشاريع والفرص المتاحة أمام العاملين.

من النقاش إلى الحلول

أظهرت الندوة أن عدالة الفرص في الدراما السورية تتجاوز قرارات اختيار الممثلين، لتشمل حجم الإنتاج، ودور المؤسسات الأكاديمية، وآليات اكتشاف المواهب وتسويقها، وقدرة السوق على تمويل الأعمال وتوزيعها.

وأكد نضال حبال أن المسؤولية عن معالجة هذه المشكلات لا تقع على جهة واحدة، بل تتوزع بين المعهد والمنتجين والجهات الرسمية والمبدعين أنفسهم، مشيرًا إلى توصيات اللجنة الوطنية للدراما المتعلقة بإشراك الخريجين.

وفي حين تتيح وسائل التواصل الاجتماعي للشباب تقديم تجاربهم خارج الأطر التقليدية، فإنها لا تعوض الحاجة إلى صناعة قادرة على توفير فرص عمل فعلية.

كما أن زيادة الإنتاج لا تحقق العدالة تلقائيًا ما لم تترافق مع انفتاح في الاختيار وإتاحة المجال أمام مواهب متنوعة.

ويبقى التحدي في تحويل النقاش والتوصيات إلى خطوات عملية تجمع بين دعم الخريجين وتطوير “الكاستينغ” وتوسيع الإنتاج والتوزيع، بما يمنح المواهب فرصة حقيقية للانتقال من التدريب إلى العمل.

اللجنة الوطنية للدراما تتبرأ من دور الرقيب

مقالات متعلقة

  1. معهد الفنون المسرحية يطلق دورات للمواهب السورية
  2. اللهجة والأدوار النمطية.. تحديات تواجه ممثلين سوريين في الدراما المصرية
  3. ليلى سمور: على السوريين التخلي عن الاستقطاب وإدانة الآخر
  4. نجوم سوريون برزوا بعد الخمسين من عمرهم

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة