قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، إن الأحداث الجارية في المنطقة، دفعت إلى مزيد من الانتباه والتعجيل في رسم الروابط بين سوريا والعراق، لكن التوافق على هذه الروابط كان قائمًا منذ اللحظات الأولى، سواء في بغداد أو دمشق.
وأضاف الشرع في مقابلة مع قناة “دجلة” العراقية، نشرتها الثلاثاء 27 من تشرين الأول، أن حركة النقل والتجارة بين البلدين شهدت نموًا سريعًا.
ولفت إلى عبور أكثر من 100 ألف شاحنة ترانزيت من سوريا إلى العراق، ومن العراق إلى دول أخرى عبر سوريا، إلى جانب أكثر من 40 ألف شاحنة للاستيراد والتصدير بين البلدين، خلال الأشهر الستة أو السبعة الماضية.
وأوضح الشرع أن الحكومتين تواصلان العمل على مشروع الربط النفطي، بمشاركة مجموعة من الشركات الإقليمية والأمريكية، لبناء منظومة متكاملة تشمل خطوط أنابيب النفط والتكرير وتأهيل البُنى التحتية والمرافق المرتبطة بها.
كما شهدت الاستثمارات العراقية في سوريا، بحسب الشرع، خطوات عملية، مشيرًا إلى أن قطاع الأسمنت، يعد من أوائل القطاعات التي شهدت استثمارًا عراقيًا بعد العهد الجديد، إلى جانب وجود فرص للتعاون في قطاعات أخرى.
وكانت الفترة الماضية شهدت نشاطًا في التعاون الاقتصادي بين البلدين، تضمن فتح المعابر الحدودية والاتفاق على مرور شحنات النفط العراقي عبر الأراضي السورية، في ظل استمرار أزمة مضيق “هرمز” على خلفية الحرب الأمريكية – الإيرانية.
المياه والزراعة
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن ملف المياه من أهم المشتركات بين سوريا والعراق، وينبغي التعامل معه برؤية استراتيجية، والنظر إلى المساحات الزراعية في البلدين بوصفها سلة غذائية للمنطقة بأكملها.
وينبغي استثمار الموارد المائية بين سوريا والعراق بأفضل صورة ممكنة، وفق الشرع، بما يحقق أعلى إنتاجية زراعية، ولا سيما أن المساحات الزراعية في البلدين تُقدَّر ما بين 80 و100 مليون دونم، ويمكن أن تسهم في تلبية احتياجات ما بين 100 و130 مليون نسمة.
وأضاف الشرع أن الاستفادة من التقنيات الزراعية الحديثة، بالتعاون مع دول مثل الدنمارك وهولندا، من شأنها ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإنتاج الزراعي، إذ تشير الدراسات إلى إمكانية رفع الإنتاج بنحو 70% في بعض المناطق.
ضرورة التعاون
أكد الشرع ضرورة التعاون بين البلدين، لإيجاد مَخرَج من الأزمات التي تشهدها المنطقة، والوصول إلى حالة طبيعية تمتلك فيها الدولة مؤسسات قوية، ويستعيد العراق وسوريا قوتهما الذاتية ومكانتهما الفاعلة في المنطقة.
ويعتقد الرئيس السوري أن برنامج رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، برنامجٌ صحيح، لافتًا إلى أن العراق لم يشهد استقرارًا منذ عام 2003 حتى اليوم، ولم تتوافر للمجتمع العراقي الطمأنينة الكافية.
وعبر عن دعمه لتوجه الزيدي نحو حصر السلاح بيد الدولة، مشيرًا إلى أن القوى السياسية، ينبغي أن تساعد على توحيد هذا المسار، لأن بناء جيش موحّد وقوي يشكّل مصدر قوة وحماية للجميع.
تعدّد الأذرع العسكرية المرتبطة بالقوى السياسية والفصائل يُضعف الدولة نفسها، بحسب الشرع، لأن توزيع القوة العسكرية على جهات متعددة يجعلها شريكةً للدولة في القرار، ويُخرجها عن الإطار القانوني والنظامي.
وأشار إلى أن الدول تتعامل مع مؤسسات واضحة، كالجيش وحرس الحدود والشرطة ووزارة الداخلية، ولم تعد أي دولة قادرةً على استيعاب عدد كبير من التنظيمات العسكرية داخلها.
كما أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى حكرًا على الدولة، فهو من أهم الأدوات التي لا ينبغي لها التنازل عنها، وهذا هو النهج الذي تقوم عليه الدول.
وكان رئيس الوزراء العراقي أعلن عن برنامج لمكافحة الفساد منذ وصوله إلى السلطة في نيسان الماضي، تضمن اعتقال عدد من المسؤولين على خلفية اتهامات بتقلي رشاوى خارج الأطر القانونية.
كما طالبت حكومة الزيدي، بضرورة تسليم الفصائل العراقية سلاحها للدولة، مع منحها مهلة نهائية لغاية حزيران 2027.
المقامات الدينية والمعتقلون
قال الرئيس السوري أحمد الشرع، إن سوريا منفتحة بشكل كبير على تعزيز العلاقات الاجتماعية وتسهيل السفر وتنقل الأفراد بين البلدين.
وأضاف أن زيارة مقام “السيدة زينب” متاحة، وليس لدى سوريا مانع من ذلك، لكنها تحرص على التأكد من سلامة الظروف الأمنية، ولا سيما في ظل محاولات بعض الجهات إثارة النعرات الطائفية، مشيرًا إلى إلقاء القبض على أشخاص حاولوا استغلال هذا الأمر.
وأوضح أن سوريا لا تنظر إلى علاقتها مع العراق من منظور طائفي أو عرقي، وإنما انطلاقًا من المشتركات التاريخية والاقتصادية والروابط العميقة بين البلدين.
ويوجد مقام “السيدة زينب” في ريف دمشق، ويعتبر مكانًا ذا مكانة دينية للطائفة الشيعية، ويشهد سنويًا توافد عدد من أبناء الطائفة إلى هذا المكان.
وبخصوص المعتقلين السوريين المنقولين إلى العراق، لفت الشرع إلى مباحثات ثنائية بين الطرفين لوضع برنامج لمعلجة الملف.
وأشار إلى وجود أكثر من ثلاثة آلاف سوري معتقل في العراق، منوهًا إلى أن بعضهم لا تربطهم صلة بالتنظيمات، ولذلك يجري بحث تصنيفهم إلى فئات، ثم النظر في مسؤولية سوريا عنهم وإمكانية إعادتهم إليها.
وكانت العراق استقبلت أكثر من أربعة آلاف معتقل في سجون “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة، بتفاهم مع قوات “التحالف الدولي”.
ويشكل المعتقلون السوريون النسبة الأكبر منهم، إذ يتجاوز عددهم 3,500 معتقل، وسط مطالبة جهات حقوقية باستعادة هؤلاء المعتقلين من قبل بلدانهم، في ظل مخاوف من تعرضه للتعذيب أو محاكمات غير عادلة في العراق.
واختتم الشرع كلامه بأن سوريا والعراق “أمام فرصة تاريخية لاستعادة القرار في المنطقة، وبناء شخصية قوية تستطيع التعبير عن إرادتها، بعيدًا عن التجاذبات الدولية والإقليمية، والاحتلال والنزاعات الطائفية التي أنهكت شعوبنا”.
