ليس من أجلنا.. بل من أجل مستقبل الأجيال القادمة

  • 2026/10/28
  • 4:33 م
تلاميذ من المرحلة الأساسية في صف بإحدى مدارس محافظة طرطوس - 20 تشرين الأول 2026 (وزارة التربية)

تلاميذ من المرحلة الأساسية في صف بإحدى مدارس محافظة طرطوس - 20 تشرين الأول 2026 (وزارة التربية)

enab_get_authors_shortcode

ميّة الرحبي

منذ تسلّم حزب “البعث” مقاليد السلطة في البلاد عام 1963، بدت واضحة محاولات أدلجة المجتمع برمّته، وتفاقم ذلك مع تسلّم العائلة الأسدية المجرمة مقاليد السلطة في البلاد عام 1970، حيث منعت حرية الصحافة وإصدار الصحف والمجلات ذات الأصوات الحرة، كما منعت ترخيص منظمات المجتمع المدني، التي تتيح عادة حرية التعبير وتشكّل رقيبًا على تجاوزات الحكومات التي تحاول طبع المجتمعات برؤيتها الأيديولوجية. وجرى حصر مناصب صنع القرار بأشخاص على أساس الولاء لا الكفاءة، ما قاد البلاد إلى دمار البنية المجتمعية، وانكفاء المواطنين إلى بُنى ما قبل الدولة، بولاءات إثنية وطائفية وعشائرية ومناطقية، وتفتّت الهوية الوطنية، في ظل غياب مبدأ المواطنة المتساوية، وتحويله إلى شعار دستوري خاوٍ من التطبيق الفعلي في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع.

لم تتوقف منذ ذلك الحين مقاومة هذه التوجهات والنضال ضدها، وقد قابلتها السلطات الحاكمة بالعنف والاعتقال والتعذيب، إلى أن قامت الثورة السورية عام 2011، التي واجهها النظام البائد بالحديد والنار، ما أدى إلى مقتل حوالي نصف مليون سوري، وتهجير حوالي ثلثي الشعب السوري من أماكن سكناهم الأصلية داخل البلاد وخارجها، ودمار البنية التحتية.

شاركت النساء في المظاهرات، ونالهن ما نال غيرهن من الموت والاعتقال والتهجير والحصار والجوع وفقد الأحبة، والعيش في ظروف تفتقر إلى أبسط الشروط الإنسانية، فضلًا عن الكفاح من أجل إعالة أسرهن.

وكانت الحركة النسوية السورية جزءًا من النضال ضد سلطة الاستبداد، داعيةً إلى العدالة والمساواة، ورابطةً النضال من أجل حقوق النساء بالنضال الديمقراطي العام.

أخيرًا، سقط النظام، وتأمّل السوريون خيرًا ببدء مرحلة جديدة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، ومشاركة جميع المواطنين في تقرير مصيرهم ومصير الأجيال اللاحقة، أمل المستقبل.

ولكن منذ تسلّم السلطة الحالية مقاليد الأمور في دمشق، بدا واضحًا توجهها نحو محاولة محو وجود النساء من المجال العام، إذ ظهرت صور الاجتماعات والمؤتمرات الرسمية خالية تقريبًا من النساء، إلا فيما ندر. وبدا هذا التوجه واضحًا في تشكيل المؤسسات والهيئات الرسمية، بدءًا بالحكومة التي ضمت وزيرة واحدة من أصل 23 وزيرًا، ومن ثم الآلية التي جرت بها انتخابات مجلس الشعب، والتي كانت أقرب إلى التعيين، بحيث لم تتجاوز نسبة النساء الفائزات في مجلس الشعب “المنتخب” 5%، دون فوز أي امرأة في أكبر مدينتين، دمشق وحلب! وارتفعت النسبة إلى 11% بعد تعيين الثلث المكمّل. كما لم تضم الهيئات التي شكلتها الحكومة في عضويتها أكثر من امرأتين أو ثلاث، كهيئة العدالة الانتقالية وهيئة المفقودين وغيرها.

وبدا واضحًا أن تعيين هؤلاء النساء في مراكز صنع القرار كان مرتبطًا فقط بالشكليات التي تحتم وجود بعض النساء في المناصب الحكومية، من أجل صورتنا أمام العالم، فيما تُركت آلاف الكفاءات النسائية، التي بنت قدراتها من خلال الدراسة الأكاديمية أو الخبرة العملية، خارج المعادلة تمامًا.

حدث كل ذلك في وقت كانت فيه البلاد تتخبط في أزمات متتالية، يمكن إرجاع بعضها إلى طبيعة المرحلة الانتقالية، ولكن أغلبها إلى العقلية الأيديولوجية المسيطرة، ونقص كفاءة من احتلوا مناصب صنع القرار على أساس مبدأ الولاء لا الكفاءة. واتضح أيضًا أن مزاجية القائمين على الأمور محليًا هي التي تحدد القرارات الصادرة عن أي جهة أو مديرية، دون أن يكون هناك نهج حكومي واضح لاتخاذ هذه القرارات، التي تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب مزاج صاحب القرار ورؤيته الخاصة للأمور.

وبدأت الأيديولوجيا المتشددة، التي تُلبس كل أفعالها الظلامية لبوسًا دينيًا، تتسلل إلى مفاصل المجتمع شيئًا فشيئًا، مستهدفةً بشكل أساسي المرأة وحريتها وحقوقها في التعليم والعمل واختيار مستقبل حياتها. وبتنا نرى جهات دعوية تملأ جدران الشوارع بملصقات تدعو إلى فرض لباس معين على المرأة، وحملات توزع لباس المنقبات على فتيات، بل طفلات، تترافق مع مسيرات لبضع نساء منقبات في بعض الأحياء وضواحي المدن، وظهور ما أُطلق عليه “بيت الأخوات”.

ولكن التطور الأخطر الذي حدث مؤخرًا هو امتداد هذه الرؤية الظلامية إلى بعض مفاصل التعليم، ومحاولة أدلجته، ولكن ضمن النهج العام الذي يحكم البلاد، أي بحسب مزاج المشرف على قطاع ما. وبدأ ذلك في مفاضلة القبول الجامعي التي حصرت القبول في بعض الكليات والمعاهد بجنس واحد، وحُظر على الفتيات دخول بعض الفروع العلمية. فقد صدرت قائمة المفاضلة للقبول في الجامعات والمعاهد العليا للعام الدراسي 2026–2027، مستبعدة النساء من القبول في عدد من الاختصاصات في بعض الكليات، من بينها بعض فروع الهندسة والعلوم الإنسانية والإدارية والإخراج التلفزيوني والإذاعي.

واليوم، تمتد الرؤية الظلامية لتشمل تغيير بعض المناهج الدراسية في المرحلة الابتدائية، ويمكن توصيف هذه التغييرات في عدة نقاط:

أولًا: محاولة محو الوجود الطبيعي للنساء في المجال العام. ففي الوقت الذي كنا ننتقد فيه الصورة النمطية للمرأة في المناهج الدراسية في العهد البائد، بتنا نخشى اليوم محو هذه الصورة من الوجود تمامًا.

ثانيًا: إلباس صور النساء الموجودة سابقًا في الكتب المدرسية الحجاب الشرعي. ولسنا ضد أن توجد صور لنساء محجبات، فهذا تعبير عن التنوع في المجتمع، ولكننا نرفض أن تُغيَّر صور النساء غير المحجبات في الطبعات السابقة إلى صور تظهرهن بالحجاب، في تنميط واضح لصورة المرأة في المجتمع.

ثالثًا: محاولة القطع مع التراث العالمي. فنحن، شئنا أم أبينا، جزء من الحضارة الإنسانية التي وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر من علوم وتكنولوجيا وثقافة وفن. فمن يريد القطع معها، فعليه أن يستغني أيضًا عن جميع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي اخترعتها هذه الحضارة، والتي لا نزال، للأسف، نستوردها جاهزة من بلدان أخرى، ولا نتمكن حتى الآن من تصنيعها بأنفسنا. لنعد إذًا إلى الطبخ على الحطب والإنارة بالشموع!

رابعًا: محاولة تصوير التراث الإنساني بصورة لا يمكن وصفها إلا بأنها مضحكة، تدعو إلى الرثاء والإشفاق على من اقترحها، كإلباس تمثال فرعوني عاري الصدر صدرية حديثة! هل تريدون أن نصبح أضحوكة للعالم كله؟

ومن الملاحظ أن هذه الأيديولوجيا الظلامية لم تشمل جميع الكتب، بل بعضها فقط، في دلالة على التخبط وعدم وجود رؤية واضحة لدى القائمين على الأمور، بحيث لا يمكننا حتى أن نصف ما يجري بأنه أدلجة كاملة للتعليم، بقدر ما يمكننا وصفه بالفوضى والتخبط وعدم الكفاءة في إدارة جميع الملفات، ومن بينها ملف التعليم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ما يحدث في هذا الإطار يتعارض بصورة واضحة مع المبادئ التي نص عليها الإعلان الدستوري السوري، ولا سيما المادة العاشرة التي تنص على أن “المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب”، وكذلك المادة الـ12 التي تُلزم الدولة بصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتعتبر الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها سوريا جزءًا لا يتجزأ من الإعلان الدستوري.

لن نصمت أمام محاولة العبث بعقول أطفالنا ومستقبلهم. فإن كان قدر جيلنا أن يخسر حياته تحت وطأة نظام مجرم حرمنا من التمتع بأبسط شروط الحياة الكريمة، وأمضينا حيواتنا كلها في مقاومته والنضال ضده، فإننا لن ندع أيًّا كان يحرم أجيالنا القادمة من الحياة الكريمة والمستقبل الذي تستحقه.

مقالات متعلقة

  1. "الـ 99" و"الألف".. دعوتان للإصلاح أجهضهما الأسد قبل 19 عامًا
  2. ماذا تريد المرأة السورية من سوريا المحررة؟
  3. دولة "البعث".. وطن المداجن البشرية
  4. لينا وفائي لعنب بلدي: "الحركة السياسية النسوية" تطمح للمشاركة في حاضر سوريا ومستقبلها

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي