القصف الأردني.. أزمة ثقة أم تصدير أزمة

  • 2026/11/01
  • 10:26 ص
رجل يعاين أثاث منزل مدمر في منطقة المزيريب بريف درعا جراء قصفه بالطيران الأردني - 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

رجل يعاين أثاث منزل مدمر في منطقة المزيريب بريف درعا جراء قصفه بالطيران الأردني - 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – ركان الخضر

بعد فترة من التنسيق والتعاون والتماهي في المواقف السياسية بمختلف القضايا التي تهم الجانبين على المستوى الثنائي والإقليمي، جاء القصف الأردني للجنوب السوري، في 27 من تشرين الأول الماضي، الذي أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، ليظهر تباينًا في موقف دمشق وعمّان حول العملية.

الأردن أعلن منذ اللحظة الأولى أن العملية جاءت بالتنسيق مع الجانب السوري، بينما نفت دمشق هذه الرواية وأدانت القصف قبل أن تسلم عمّان مذكرة احتجاج رسمية عبر سفيرها في دمشق، في الوقت الذي أعلنت فيه عن تشكيل لجنة تحقيق مشتركة حول الحادثة وتداعياتها.

وفي ظل تصريحات سابقة للجانبين حول حرصهما على تطوير العلاقات، تطرح العملية الأردنية أسئلة حول أسبابها وتداعياتها والآثار المترتبة عليها بما يخص العلاقات الثنائية، والسيناريوهات المتوقعة للتعامل مع المسألة من الجانبين، بالإضافة إلى مدى احتمالية ذهاب الطرفين إلى نوع من التصعيد قد يفسد ما أنجز سابقًا بينهما في جميع المجالات.

أسباب العملية الأردنية

قال وزير الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، إن القصف الأردني على الأراضي السورية استهدف مواقع لتنظيم “الدولة الإسلامية”، بعد أن نفد صبر الأردن إزاء تحركات هذه “التنظيمات الإرهابية” واستهدافها الأمن الوطني.

وأضاف المومني أن التنسيق بين دمشق وعمان في محاربة الإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات تنسيق مؤسسي ومستمر منذ سنوات، وينطلق من الاقتناع بترسيخ أمن البلدين الشقيقين، ويعكس عملهما المشترك من أجل تكريس الأمن والاستقرار.

وأوضح أن العمليات نُفذت استنادًا إلى معلومات ميدانية لتحييد تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية ضد الأردن، مشيرًا إلى أن النتائج الأولية لهذه العمليات تشير إلى خسائر كبيرة، تُقدّر بأكثر من 20 عنصرًا، وتدمير مستودع أسلحة ضخم للتنظيم.

من جانبها، ردت الحكومة السورية بأن الجهات المعنية تتابع باهتمام بالغ ‏التطورات الميدانية في الجنوب السوري إثر ‌‏الغارات التي ‏نفذها سلاح الجو الأردني، وأدت إلى وقوع ‏ضحايا مدنيين بينهم أطفال، مشيرة إلى أن ‌‏هذه العملية ‏العسكرية لم يجرِ أي تنسيق بشأنها مع الجانب السوري مسبقًا.‏

وأدانت وزارة الخارجية السورية العملية، معتبرة أنها تشكل “انتهاكًا للسيادة السورية”، وسلمت الأردن مذكرة احتجاج رسمية عبر سفيرها في دمشق، سفيان القضاة، في الوقت الذي أعلنت فيه عن اتفاق مشترك بين الجانبين على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للوقوف على جميع ‏تفاصيل وحقائق عمليات الاستهداف الأردنية للأراضي السورية.

يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن الأردن اتجه إلى العمل العسكري بتوجيه ضربة استنادًا إلى معلومات يبدو أنها غير دقيقة، ونتج عن الضربة خطأ كارثي سقط على إثره مدنيون أبرياء.

وأضاف علوان أن الخطأ الحاصل يجب أن يعالَج ليس فقط بالتعويض وجبر الضرر عن الضحايا، وإنما أيضًا باكتشاف سبب الخطأ ومعالجته من خلال الوقوف على آلية جمع المعلومات والتحقق، عبر إعادة النظر بها بالتنسيق مع الحكومة السورية، لأن موضوع مكافحة الإرهاب بكل المنطقة سواء داخل الأراضي السورية أو خارجها وفي المناطق الحدودية خصوصًا، يتم بالتنسيق بين الدول لأنه لا يتعلق بحكومة بعينها.

من جانبه، يعتقد الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد، أن الأردن حاول نقل الأزمة من الداخل إلى الخارج، وتقديم التهديد للداخل الأردني بأنه قادم من الأراضي السورية، بدلًا من الاعتراف بعدم قدرة أجهزته الأمنية على منع الهجوم الذي وقع داخل أراضيه.

وأشار السيد إلى أن الأردن إذا كانت لديه معلومات عن خلايا لتنظيم “الدولة” في سوريا، فكان الأجدى تبادلها مع دمشق، والتحرك عبر القنوات الأمنية المشتركة، منوهًا إلى أن استخدام القوة وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، حوّل العملية من محاولة لاحتواء الأزمة إلى عامل إضافي لتفاقمها.

الأردن يعتمد على قدراته.. هل غابت الثقة بالإمكانيات السورية؟

جاءت العملية الأردنية في وقت تعلن فيه السلطات السورية عن إلقاء القبض على خلايا تابعة لتنظيم “الدولة” بشكل متواتر في مختلف المحافظات السورية.

وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت، في 8 من حزيران الماضي، أنها ألقت القبض على 235 عنصرًا من تنظيم “الدولة الإسلامية” خلال ثلاثة أشهر.

وأضافت الوزارة أن عملياتها تمثل حصيلة جهود الاستخبارات العامة السورية في ملاحقة خلايا التنظيم.

وفي سياق العمليات المنفذة، أوضحت وزارة الداخلية أن إدارة مكافحة الإرهاب نجحت بتفكيك سبع خلايا، وإحباط سبع عمليات.

وفي ظل البيانات المعلنة من السلطات السورية حول نجاحها في إحباط خلايا التنظيم، تطرح العملية الأردنية تساؤلًا حول سبب اعتماد الأردن على قدراته، وتجاهل الاعتماد على الحكومة السورية في إلقاء القبض على عناصر يتبعون لتنظيم “الدولة” بدل استهداف المنطقة بالطيران.

الباحث معتز السيد قال إن المناطق المستهدفة تقع تحت سيطرة الدولة السورية، التي أعلنت استعدادها مرارًا وتكرارًا للتعاون الأمني مع دول الإقليم، مبينًا أن المعلومات التي قدمها الأردن لو كانت حقيقية لكان من الأفضل القبض على المجموعة والتحقيق معها وكشف ملابسات الحادث بشكل كامل، بدل استخدام الضربات الاستعراضية، بحسب رأيه.

ولم يرجح السيد أن تعود أسباب العملية إلى غياب الثقة الأردنية بالقدرات الأمنية للحكومة السورية، خاصة أن السلطات السورية تمكنت من ملاحقة خلايا تنظيم “الدولة” وتفكيكها، ونجحت إلى حد كبير في تحجيم التنظيم، معتقدًا أن العملية قد تكون مرتبطة بمحاولة أردنية لإبعاد المسؤولية عن الإخفاق الأمني الداخلي.

من جانبه، أوضح الباحث وائل علوان أن الضربة الأردنية جاءت كرد فعل على عمل إرهابي استهدف الأردن، لكن المشكلة ظهرت عندما نتج عن المعالجة خطأ باستهداف المدنيين، مرجحًا أن التباين في الروايتين السورية والأردنية حول التنسيق المشترك قبل العملية يُعزى إلى سوء التنسيق حتى في حال وجوده.

واستبعد علوان أن العملية تعكس عدم ثقة من طرف بالآخر، بقدر ما تشير إلى إشكال في التنسيق وإشكال في آلية معالجة ملف على مستوى إقليمي ولا يخص دولة لوحدها.

العملية الأردنية والعلاقات المستقبلية

شهدت العلاقات السورية- الأردنية تطورًا ملحوظًا منذ سقوط نظام الأسد، في ظل تصريحات مشتركة حول التنسيق في مختلف القضايا الأمنية والسياسية، والتماهي في المواقف بشأن مختلف القضايا الإقليمية، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي عبر مجلس التنسيق الأعلى بين البلدين، الذي شهد اجتماعه الثاني في نيسان الماضي توقيع تسع اتفاقيات وبحث الشراكة في 21 قطاعًا.

وجاءت العملية الأردنية لتثير أسئلة حول مستقبل التعاون والتنسيق، ومدى تأثير الخطوة على التعاون المشترك، والسيناريوهات المتوقعة حول مستقبل العلاقة بين دمشق وعمّان.

استبعد الباحث معتز السيد أن تؤدي الحادثة إلى قطيعة أو تصعيد واسع، لأن لدى الطرفين مصالح مشتركة في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي، لكن ذلك لا يعني أن دمشق ستتعامل مع الضربات باعتبارها أمرًا عاديًا، فالتعاون لا يعني القبول باستباحة الأراضي السورية، برأي السيد، كما أن العلاقات الجيدة لا تمنح أي طرف حق تجاوز سيادة الطرف الآخر.

ورجح السيد أن تستمر العلاقات، لكن مع إصرار سوري أكبر على وضع ضوابط واضحة لأي تحرك أمني أردني على الحدود المشتركة، متوقعًا استمرار المسار الدبلوماسي والتحقيق في ملابسات الضربات وتفعيل اللجنة الأمنية المشتركة لضبط آليات تبادل المعلومات والتنسيق الميداني، لأن دمشق ليست لديها مصلحة في تصعيد الخلاف، لكن على الأردن العمل وفق قواعد أوضح، توازن بين مكافحة التهديدات الأمنية واحترام سيادة الدولة السورية.

من جهته، أشار الباحث وائل علوان إلى أن الحكومة السورية بحاجة لمساعدة الأردن في ملف مكافحة الإرهاب، وكانت له مواقف جيدة في استقرار سوريا ووحدة أراضيها، بالمقابل، فإن عمّان بحاجة لاستثمار الانتقال السياسي الحاصل في سوريا وزوال نظام كان يستثمر في الفوضى إلى حكومة تقدم المبادرة بشكل دائم بمد جسور التنمية والاستقرار على مستوى المنطقة، وهو ما يمثل فرصة على مستوى الإقليم ككل.

ولم يستبعد علوان أن يتأثر التنسيق العالي الذي حصل بين سوريا والأردن في كثير من القضايا خلال الفترة الماضية بالأزمة الحاصلة على جميع الصعد، إلا أنه رجح أن التدخل عالي المستوى الذي من الممكن أن يحصل بين البلدين، قد يعالج المسألة ويعيد الأمور إلى نصابها، موضحًا أن ذلك يتجاوز مرحلة الثقة إلى إيجاد آلية تنسيق وعمل مشترك أكثر فاعلية.

ونوه علوان إلى أن البلدين ليسا بوارد تصعيد الموقف لأن المصالح المشتركة تقتضي حل المشكلة من جذورها، عبر إعادة تقييم التنسيق الأمني، لضرورته التي لا تقتصر على ضمان الاستقرار الأمني ومكافحة الفوضى والاتجار بالمخدرات والإرهاب، وإنما تمتد لإنجاح التبادل التجاري الحيوي والمهم لجميع دول المنطقة.

مقالات متعلقة

  1. سوريا والأردن.. اتفاقيات تحت ضغط الأمن والاقتصاد
  2. لماذا لا تعلق دمشق وعمان على ضربات الأردن في سوريا
  3. عمّان تتحرك دبلوماسيًا في سوريا.. ما الدوافع؟
  4. "الخارجية السورية" تدين القصف الأردني.. لجنة أمنية مشتركة

سوريا

المزيد من سوريا