الصرافة القادمة من الشمال أمام اختبار “المركزي” السوري

  • 2026/11/01
  • 1:20 م
وقفة لأصحاب مكاتب وشركات صرافة أمام مبنى فرع "مصرف سورية المركزي" بدير الزور احتجاجًا على إغلاق محال صرافة - 23 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

وقفة لأصحاب مكاتب وشركات صرافة أمام مبنى فرع "مصرف سورية المركزي" بدير الزور احتجاجًا على إغلاق محال صرافة - 23 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

تشهد سوق الصرافة والحوالات المالية في سوريا مرحلة إعادة هيكلة وتنظيم شاملة يقودها “مصرف سورية المركزي” بالتنسيق مع وزارة الداخلية السورية، بهدف الحد من التعاملات غير النظامية والسيطرة على سعر الصرف.

ونفذ المركزي، مؤخرًا، بالتعاون مع وزارة الداخلية والضابطة العدلية حملات تفتيش واسعة شملت معظم المحافظات (دمشق، ريف دمشق، حلب، حمص، حماة، اللاذقية، طرطوس، درعا، دير الزور، الرقة، إدلب)، ووجه 755 إنذارًا لمنشآت ومحال تمارس أعمال الصرافة أو تحويل الأموال دون ترخيص أو تتجاوز تراخيصها المحددة، بموجب أحكام المادة “25” من القانون رقم “24” لعام 2006 وتعديلاته.

ومن جملة الإجراءات الجديدة للمركزي، بحسب رصد عنب بلدي، فرض عقوبات مالية وإنذارات بحق شركات ومكاتب الصرافة التي تعمل بعد نهاية الدوام المحدد لها في الخامسة مساء، الأمر الذي يسهم، بحسب ما أفاد به أحد مديري شركات الصرافة بدمشق لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه)، في:

  • اتساع نشاط السوق الموازية بعد ساعات الإغلاق، وهو سبب رئيس لتذبذب سعر الصرف.
  • الازدحام والتراكم من قبل العملاء في ساعات الدوام الرسمي، مما يؤخر حركة السيولة النقدية وتأمين المشتريات اليومية للأسواق.
  • نشوء حالة من الضبابية لدى التجار في تسعير البضائع والسلع الأساسية، نتيجة وجود سعرين للصرف قبل نهاية الدوام وبعده.

ويبلغ عدد مؤسسات الصرافة المرخصة رسميًا المسجلة لدى البنك المركزي نحو 40 شركة ومكتب صرافة، منها نحو 11 إلى 14 شركة مساهمة رئيسة كبرى وعدد من المكاتب التضامنية.

ويرتبط التركيز المكثف الحالي لـ”مصرف سورية المركزي” على تنظيم سوق الصرافة وحظر الأنشطة غير المرخصة، أو المرخصة والممتنعة في الوقت نفسه عن تسوية أوضاعها (26 شركة ومكتبًا قادمة من الشمال السوري)، بمزيج متكامل من الضغوط والشروط الدولية والضرورات الاقتصادية المحلية الراغبة في إعادة دمج سوريا بالنظام المالي العالمي.

وبحسب مسار جولات وتصريحات ولقاءات مسؤولي المالية السورية والمركزي السوري الخارجية، يتضح أن:

  • المؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدوليين) أو البنك الفيدرالي الأمريكي لا تمنح موافقات لفك العزلة المالية على سوريا، أو تفعيل علاقات البنوك المراسلة، دون تطبيق صارم لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
  • لإعادة ربط المصارف السورية بشبكة “SWIFT” والمنظومة المصرفية الدولية بحرية وسلاسة، تشترط وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) والفيدرالي الأمريكي التأكد من أن سوق الصرافة والتحويلات الخارجية في سوريا لا يضم مسارات مالية موازية أو شبكات ظل غير خاضعة للرقابة.
  • توصيات صندوق النقد الدولي من خلال مشاورات واستشارات التقييم الفني للمالية والنقد السوري تركز دائمًا على ضرورة القضاء على السوق الموازية غير النظامية في سوريا، وحصر التعامل بالمنظومة المصرفية الرسمية المعتمدة.

“المركزي” وشركات الصرافة شرقي سوريا

ألزم المصرف المركزي جميع شركات ومكاتب الصرافة والحوالات العاملة في محافظة الرقة والمناطق الشرقية والشمالية الشرقية، بمهل محددة لتوفيق أوضاعها وأسماء شركائها ونشاطها المالي لربطها بالمنظومة الوطنية المعتمدة.

وعقب وقفة احتجاجية لأصحاب هذه الشركات والمكاتب، جرى الاتفاق مع المركزي ومحافظة الرقة (انفردت عنب بلدي بالكشف عنه)، على:

  • حصر عمليات تحويل الأموال وصرف العملات الأجنبية في المنطقة بالمكاتب والشركات التي تحصل على موافقات أصولية من المركزي.
  • إغلاق المحال والمكاتب العشوائية غير المرخصة لتفادي غسل الأموال ومخاطر الاحتيال.
  • الاشتراط على الراغبين بتسوية أوضاعهم تقديم وثائق الإفصاح عن مصدر الأموال وإيداع الوديعة القانونية المحددة بالقطع الأجنبي لدى “مصرف سورية المركزي” لضمان سير التعاملات.

ويمتلك أصحاب الشركات والمكاتب في الرقة تراخيص رسمية وايداعات مالية سابقة مدفوعة لدى الإدارة المالية السابقة التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة، وفقًا لشهاداتهم لمراسل عنب بلدي، فيما يبلغ عدد شركات الصرافة العاملة في هذه المحافظة وحدها 26 شركة وعدد المكاتب نحو 40 مكتبًا.

وينص قرار المركزي السوري رقم “199 ل أ” المتعلق بشروط ترخيص الشركات (القادمة من الشمال السوري)، الذي حصلت عنب بلدي سابقًا على نسخة منه، إلى جانب الوثائق والثبوتيات، على عدة بنود أهمها تقديم الشركة ما يُشعر بإيداع مبلغ 1.25 مليون دولار أمريكي على الأقل في الحساب المفتوح باسم المؤسسة لدى المركزي.

وبحسب القرار، يعتبر هذا المبلغ جزءًا من رأسمال الشركة المدفوع.

تنظيم الفاعلين لا إدارة سعر الصرف

تتجه إدارة السوق النقدية في سوريا نحو مرحلة مفصلية، وفقًا لما قاله الخبير الاقتصادي والمالي السوري الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، إذ إن “تنظيم قطاع الصرافة والحوالات يعني ضبط الأطراف الفاعلة، وليس فرض السعر”، وهذا التمييز ليس مجرد ترف شكلي، بل هو المفتاح لفك تشفير أهداف الرقابة النقدية المرتقبة من قبل “مصرف سورية المركزي”.

ولا تستهدف الغاية من التنظيم والتأطير الإداري التدخل المباشر لتحديد وتوجيه أسعار الصرف، ففرض السعر شأن يخص أدوات السياسة النقدية الاقتصادية الكلّية وحدها، أما التنظيم فيقتصر على إرساء إطار رقابي مالي لضمان بيئة عمل آمنة وسليمة، بغض النظر عن الجهة المنفذة للعملية، سواء كانت مصرفًا أو شركة صرافة أو مكتبًا أو وسيطًا.

وتستهدف المرحلة الجديدة إحكام الرقابة الفعالة والمباشرة على كل من يمارس أنشطة التصريف وتحويل الأموال داخل البلاد وخارجها، ويشمل ذلك:

  • المؤسسات والشركات المرخصة المخالفة لقواعد الامتثال والتعليمات الرقابية.
  • الجهات والأفراد غير المرخصين العاملين خارج مظلة القانون.
  • شبكات الحوالات العشوائية وغير الرسمية التي ترفد السوق الموازية.
  • الوساطات المالية غير الموثقة والمفتقرة إلى أدنى درجات الرقابة.

ولا يرتبط الهدف الأساسي للمركزي في رقابته على سوق الصرافة بمحاولات تعزيز قيمة الليرة بمواجهة الدولار، بل بتنقية البيئة النقدية، ولكن ذلك لا يمثل أداة سحرية لتغيير أو إدارة السعر بشكل مباشر، بحسب قوشجي.

ويمثل تنظيم سوق صرافة العملات في سوريا، بحسب الخبير السوري، عملية إعادة تأسيس ترتكز على:

  • ترسيخ الالتزام بالقوانين الناظمة.
  • حماية التعاملات من التشوهات والشفافية في توثيق العمليات.
  • تحجيم الأنشطة غير النظامية للحد من السوق السوداء.
  • توطيد علاقة منضبطة وواضحة بين السوق والمصرف المركزي.

12 مليون دولار في دمشق وستة ملايين في حلب يوميًا

وفقًا لمعطيات النشاط التجاري وحجم السيولة والحوالات المتداولة، يقدّر الدكتور قوشجي حجم التداول اليومي للقطع الأجنبي في المدن الكبرى كالتالي:

  • العاصمة دمشق: يتراوح حجم التداول اليومي بين ثمانية ملايين و12 مليون دولار أمريكي، وقد يرتفع ليلامس 15 مليون دولار أمريكي في فترات ذروة النشاط التجاري والمواسم.
  • مدينة حلب: يتراوح حجم التداول اليومي بين أربعة ملايين وستة ملايين دولار أمريكي، تتبع حركة المنشآت الصناعية والتجارية.

وتغطي هذه الأرقام إجمالي التعاملات في السوقين النظامية وغير النظامية، بما فيها شركات الصرافة المرخصة المسجلة بالمركزي السوري، البالغ عددها نحو 40 شركة ومكتبًا، إضافة إلى المنشآت غير المرخصة وشبكات الحوالات غير الرسمية.

ورغم أن السوق غير المشروعة لا تطغى كليًا على السوق النظامية، فإنها تشكل منافسًا قويًا لها يعتمد على السرعة وغياب الضوابط، ما يجعل ضرورة ضبط الفاعلين في سوق صرافة العملات الأجنبية أمرًا حتميًا لإعادة التوازن.

أسباب خروج سعر صرف الليرة عن مظلة التنظيم

حول العلاقة بين سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق السوداء، مع تنظيم واقع شركات ومكاتب الصرافة، أوضح الخبير الاقتصادي السوري أن سعر الصرف يعد انعكاسًا لتوازنات واختلالات الاقتصاد الكلي البحتة بمعزل عن هوية المنفذ للعمليات، وتتحدد هذه التوازنات بالاستناد إلى جملة مؤشرات، أبرزها:

  • حجم الاحتياطيات الأجنبية المتاحة لدى المصرف المركزي.
  • مستويات الإنتاج المحلي وحجم التجارة الخارجية (الصادرات والمستوردات).
  • معدلات التضخم ومستوى الثقة العامة بالاقتصاد وتوقعات السوق.

وبناء عليه، يمثل تنظيم الأطراف المصرفية العاملة في السوق السورية شرطًا مسبقًا وبنيويًا لنجاح أي سياسة نقدية، ولكنه لا يعتبر أداة لتغيير السعر أو إدارته بشكل مباشر.

ولا تعبّر الإجراءات الرقابية عن حملة أمنية أو إدارية مؤقتة، بل هي عملية إعادة تأسيس شاملة للقطاع المالي ترتكز، بحسب قوشجي، على:

  • ترسيخ الالتزام التام بالقوانين والنصوص التشريعية الناظمة.
  • حماية التعاملات التجارية من التشويه وتكريس الشفافية في توثيق العمليات.
  • تحجيم الأنشطة غير النظامية والحد من اتساع السوق السوداء.
  • توطيد علاقة منضبطة وشفافة بين الفاعلين في السوق والمركزي.

وتشكل خطوات المركزي بمجملها، سواء كانت بدافع توصيات دولية أمريكية، أو في إطار ضبط سعر صرف الليرة، خطوة هيكلية تستلزم تأهيل البنية المالية والنقدية في سوريا، بهدف جعل السوق أكثر استقرارًا وأقل عرضة للمضاربة، وتمهيد الطريق مستقبلًا أمام تطبيق سياسات نقدية أكثر كفاءة متى اكتملت ظروفها الاقتصادية.

مقالات متعلقة

  1. "المركزي" يعلن بدء ملاحقة مخالفي مزاولة الصرافة
  2. "المركزي السوري" يتحرك: 755 إنذارًا لمحال صرافة مخالفة
  3. التراخيص الجديدة ترفع المنافسة في سوق الصرافة
  4. مصرف سوريا المركزي يرفع سعر الحوالات المالية 550 ليرة

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية