المشاريع العقارية تحت رقابة هيئة الاستثمار السورية.. حماية للمدخرات أم قيود على السوق؟

  • 2026/10/31
  • 7:01 م
مشروع ماروتا سيتي في العاصمة السورية دمشق - 22 تموز 2026 (AFP)

مشروع ماروتا سيتي في العاصمة السورية دمشق - 22 تموز 2026 (AFP)

enab_get_authors_shortcode

يقف “أ. ع” المغترب السوري في إحدى دول الخليج، والذي يسعى لإعادة صلته بالوطن الأم سوريا، أمام شاشة هاتفه مذهولًا، بعد أن تبخر ما كان يفكر به في لحظة واحدة.

كان يرسم خططًا لضخ أمواله في مشروع عقاري استثماري يستهدف أبناء الطبقة المتوسطة، مستعينًا بخبرات وشراكات عدد من التجار السوريين عبر إحدى غرف التجارة السورية، فهم الأقدر على قراءة خريطة التمويل والمواقع والمخاطر.

غير أن الإجابة التي جاءته أخيرًا، من صديقه القديم في الغرفة كانت قاطعة ومحبطة: “لا يمكننا تنظيم أي معرض أو نشاط تسويقي للمشروع إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من هيئة الاستثمار السورية، وهناك شروط يجب الالتزام بها”.

تأتي هذه الصدمة، التي روى تفاصيلها “أ، ع” لعنب بلدي، متحفظًا على ذكر اسمه، لتختصر مشهدًا عامًا ألقى بظلاله على القطاع العقاري، إثر إصدار هيئة الاستثمار السورية بداية تشرين الأول الحالي، التعميم رقم “36” الموجه إلى غرف التجارة والصناعة في المحافظات.

وتؤكد الهيئة أن الهدف من التعميم هو تنظيم قطاع الاستثمارات العقارية، والتحقق من استكمال الموافقات القانونية، وحماية حقوق المتعاملين من أي عمليات تضليل، ولكنه يفتح في المقابل بابًا واسعًا من التساؤلات حول حدود الرقابة الحكومية، والتكاليف الإضافية المفروضة على الشركات، ومعاني هذه القيود بالنسبة لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وسط هذه الضبابية، تساءل “أ. ع” بمرارة: “إذا كان مشروعي المصمم لشريحة متوسطة يواجه كل هذه التعقيدات الإدارية، فهل حصل أولئك المستثمرون الكبار أصحاب المشاريع الفارهة، التي تستهدف أصحاب الثراء الفاحش على موافقات هيئة الاستثمار للإعلان عن مشاريعهم؟ ما الشروط التي حققوها؟ وهل راجعوا الهيئة أساسًا أو تقدموا بطلبات إليها؟”.

تعميم صادر عن هيئة الاستثمار السورية بإلزام التجار والصناعيين بالحصول على موافقتها المسبقة على تنظيم المؤتمرات والنشاطات الاستثمارية العقارية – 4 تشرين الأول 2026 (غرفة تجارة حمص)

تعميم صادر عن هيئة الاستثمار السورية بإلزام التجار والصناعيين بالحصول على موافقتها المسبقة على تنظيم المؤتمرات والنشاطات الاستثمارية العقارية – 4 تشرين الأول 2026 (غرفة تجارة حمص)

تعميم صادر عن هيئة الاستثمار السورية بإلزام التجار والصناعيين بالحصول على موافقتها المسبقة على تنظيم المؤتمرات والنشاطات الاستثمارية العقارية – 4 تشرين الأول 2026 (غرفة تجارة حمص)

موافقة مسبقة تشمل المشاريع داخل سوريا وخارجها

ينص التعميم على “عدم جواز تنظيم أو إقامة أو استضافة أي معرض أو مؤتمر أو ملتقى أو لقاء ترويجي أو نشاط تسويقي يتضمن عرض مشاريع أو وحدات عقارية أو الترويج لها، قبل الحصول على موافقة مسبقة من هيئة الاستثمار السورية، وتسديد البدلات المقررة أصولًا”.

ويشمل الإجراء جميع الفعاليات المقامة داخل الأراضي السورية، بصرف النظر عن تسمية النشاط أو شكله، وسواء تعلق بمشاريع عقارية داخل البلاد أم بمشاريع قائمة خارجها.

كما يُلزم المنظمين والجهات والشركات المسوقة بتقديم طلب يتضمن معلومات عن:

  • الجهة المنظمة والجهة المسوقة، والمطور العقاري أو مالك المشروع.
  • اسم المشروع وموقعه والدولة التي يقع فيها.
  • مكان الفعالية وتاريخها وطبيعة النشاط التسويقي.
  • وجود عمليات حجز أو تعاقد أو تحصيل أموال مرتبطة بالنشاط.
  • اسم الوكيل أو الممثل أو الوسيط المحلي، إن وجد.

ويمتد الإجراء إلى الفنادق والمنشآت السياحية وقاعات المؤتمرات والمعارض وسائر الجهات المستضيفة، إذ يتعين عليها التحقق من وجود موافقة الهيئة قبل تثبيت الفعالية أو السماح بمباشرة النشاط التسويقي، والاحتفاظ بنسخة من الموافقة ضمن وثائق الفعالية.

وبالنسبة لـ “أ، ع” يطرح تعميم هيئة الاستثمار السورية، تساؤلات عن حدود الرقابة على المشاريع الاستثماري العقارية، وتكاليفها على الشركات، وانعكاساتها على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

خبير: الهدف تحويل الاستثمارات لمشاريع حقيقية

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان شعبان أن تنظيم التسويق العقاري يرتبط بحماية مدخرات المواطنين وضبط النشاط الاستثماري، لكنه يحذر من أن تتحول الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام المنافسة أو إلى أعباء إضافية على منظمي المعارض والشركات.

وقال الخبير، في حديث إلى عنب بلدي، إن نجاح التعميم لن يُقاس بعدد الفعاليات التي تخضع للموافقة، بل بمدى مساهمته في تعزيز الثقة بالسوق وتحويل الاستثمارات المعلن عنها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

ويمكن أن تشكل هذه المتطلبات مدخلًا لضبط المعلومات المتداولة عن المشاريع العقارية، لكن أثرها يتوقف على كيفية تطبيقها، ومدى وضوح الإجراءات والمعايير التي تستند إليها الموافقات.

وبالمقارنة مع آليات إقامة الاستثمارات العقارية في السعودية والإمارات، يرى المغترب السوري الذي تحدث إلى عنب بلدي أن السوقين السعودي والإماراتي، لا يفرضان قيودًا معرقلة أو حظرًا للاستثمار العقاري، بل يمارسان عملية تنظيم وضبط أمني وقانوني لصالح المستثمر والسوق معًا، مع إتاحة حوافز ضخمة وجاذبة للغاية.

حماية مدخرات المواطنين من الوعود العقارية

قال الخبير سليمان شعبان إن أهمية التعميم ترتبط بالظروف الاقتصادية التي تدفع كثيرًا من المواطنين إلى النظر إلى العقارات باعتبارها وسيلة للحفاظ على مدخراتهم أو تحقيق عوائد مستقبلية، ما يزيد أهمية التحقق من المعلومات التي تقدمها الشركات المسوقة.

وأضاف أن الحملات التسويقية قد تعرض مشاريع جذابة من دون أن تتوافر للمشترين معلومات كافية عن:

  • ملكية الأرض.
  • الوضع القانوني للمشروع.
  • التراخيص.
  • القدرة المالية للمطور.
  • المدة اللازمة للتنفيذ.

وتظهر المخاطر، حسب الخبير، عندما يدفع المواطن مبلغًا لحجز وحدة سكنية أو الاكتتاب في مشروع لم يستكمل موافقاته، أو لا يمتلك مطوره مصادر تمويل تتيح له الوفاء بالتزاماته.

وفي هذه الحالة، لا تقتصر الخسائر المحتملة على الأفراد، بل يمكن أن تمتد إلى الثقة بالسوق العقارية وتؤثر في قرارات المستثمرين الجادين.

لكن الخبير الاقتصادي يميز بين تنظيم السوق واحتكار النشاط التسويقي، معتبرًا أن من حق الدولة التحقق من استيفاء المشاريع الشروط القانونية، من دون أن يؤدي ذلك إلى إقصاء شركات التسويق والمعارض والمؤتمرات المؤهلة للعمل وفق القانون.

ويرى شعبان أن تحقيق هذا التوازن يتطلب:

  • التحقق من الوضع القانوني للمشاريع.
  • إعلان معايير الموافقة ومددها.
  • تطبيق القواعد نفسها على الشركات المحلية والأجنبية.

وكل ذلك يجعل حماية مدخرات المواطنين الهدف الأساسي من التنظيم.

البدلات الإدارية.. تنظيم أم تكلفة إضافية؟

إلى جانب اشتراط الموافقة المسبقة، يتضمن تعميم هيئة الاستثمار السورية، تسديد البدلات المقررة أصولًا، وهو ما يفتح باب التساؤل عن أثرها في تكلفة تنظيم المعارض والفعاليات العقارية.

ويعتقد شعبان أن البدلات ينبغي أن تُعامل أساسًا باعتبارها مقابلًا إداريًا للخدمات المقدمة، لا وسيلة لزيادة الإيرادات على حساب النشاط الاستثماري.

ولا يمكن، وفق رأيه، الحكم على أهميتها المالية للخزينة من دون معرفة “قيمتها وأساس فرضها والجهة التي تؤول إليها وحجم الإيرادات المتوقعة منها”.

ولكنه يحذر، في الوقت ذاته، من أن البدلات المرتفعة أو غير الواضحة قد تؤدي إلى زيادة تكاليف مشاركة الشركات السورية في المعارض الخارجية، وإحجام الشركات الصغيرة والمتوسطة عن تنظيم الفعاليات، فضلًا عن احتمال انعكاس جزء من التكاليف على أسعار الوحدات العقارية.

كما أن زيادة تكلفة الترويج خارج سوريا لا تعني بالضرورة انتقال النشاط إلى السوق المحلية، إذ يمكن أن تؤدي بدلًا من ذلك إلى تراجع النشاط التسويقي عمومًا أو انتقال بعضه إلى قنوات يصعب إخضاعها للرقابة.

ويقترح الدكتور سليمان شعبان:

  • اعتماد بدلات معلنة ومتناسبة مع الخدمة المقدمة.
  • تحديد مدة زمنية للبت في الطلبات.
  • تبسيط الإجراءات، مع التمييز بين تكاليف تنظيم الفعاليات والرسوم المفروضة على الاستثمار نفسه.

بيانات المشاريع لا تكفي من دون تحقق فعلي

يعتبر الخبير شعبان أن إلزام الجهات المنظمة بتقديم معلومات تفصيلية عن المشاريع خطوة مهمة لتعزيز الشفافية، لكنه يشدد على ضرورة ألا تتحول هذه المعلومات إلى مجرد أوراق تُستكمل للحصول على الموافقة.

ولا يثبت ورود “اشتراطات الإفصاح” في التعميم، بحد ذاته، وجود حالات احتيال محددة، بل يمكن قراءته باعتباره إجراءً وقائيًا يتيح للجهات المختصة التعرف على طبيعة المشاريع والأنشطة التي يجري الترويج لها.

وهنا يحدد الخبير أربعة جوانب ينبغي أن يشملها التحقق:

  • الوضع القانوني: التأكد من استيفاء الموافقات المطلوبة، وسلامة الوضع القانوني للأرض، وتوافق المشروع مع التراخيص والمخططات المعتمدة.
  • القدرة على التنفيذ: التحقق من الملاءة المالية للمطور ومصادر التمويل ومدى تناسب حجم المشروع مع إمكاناته.
  • تحصيل الأموال: توضيح الأساس القانوني للحجز أو الاكتتاب، وشروط استرداد الأموال، ومواعيد التسليم والضمانات المتاحة للمشترين.
  • إتاحة المعلومات: نشر بيانات موثوقة عن المشاريع وحالتها القانونية ومرحلة تنفيذها والموافقات المتاحة بشأنها.

ويقترح شعبان إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية رسمية تتيح للمواطنين التحقق من المعلومات الأساسية قبل دفع أي مبالغ، وتحد من استغلال الإعلانات المضللة.

ويشدد على أن وجود شركة مسجلة أو اسم تجاري معروف لا يعني بالضرورة أن المشروع قابل للتنفيذ، فالحصول على الأرض والتراخيص لا يضمن وحده توافر التمويل اللازم لاستكمال البناء وتسليم الوحدات.

ومنذ سقوط النظام السوري السابق نهاية 2024، تنتظر دمشق وريفها تنفيذ حزمة المشاريع الاستثمارية العقارية المعلن عنها، ولكن هذا السوق يعاني من عدم التنظيم، إذ شهد إطلاق مشاريع عقارية لا تتلاءم أسعار الشقق السكنية فيها سوى مع أصحاب الثروات، وهي تتطلب قدرات مالية تفوق بكثير إمكانات المواطن السوري العادي.

وبينما تبدأ أسعار الشقق في مشروع “يعفور 963” الذي أطلقته مجموعة الاستثمار لما وراء البحار (IGO)، لصاحبها رجل الأعمال السوري الإماراتي موفق القداح، من 300 ألف دولار، يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعاني 65% منهم من الفقر المدقع، حسبما أورده تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 2025.

مقالات متعلقة

  1. الإمارات: خطوات تنفيذية لمشاريع استثمارية في سوريا خلال شهرين
  2. الإمارات تستكشف فرص الاستثمار في سوريا
  3. مستقبل ضبابي للاستثمارات الخليجية في سوريا
  4. ليشمل "العمراني" و"العقاري".. الأسد يعدّل قانون الاستثمار

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية