تفتح هاتفك لتقرأ خبرًا واحدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى المواقع الإلكترونية، ثم تكتشف أن نصف ساعة اختفت بين حرب وكارثة وتحذير جديد. تواصل البحث عن معلومة تطمئنك، لكن الشاشة تمنحك سببًا آخر للقلق.
هذه الحلقة المفرغة تُعرف باسم “التصفح السوداوي” (Doomscrolling)، أي الاستغراق المتكرر في متابعة الأخبار السلبية، حتى عندما يصبح التوقف أكثر راحة.
يوضح خبير علوم “الويب” والمدرب المعتمد لدى أكاديمية “أكسفورد” بشار سعد، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذا المصطلح لا يعني كل تصفح طويل، فالتمرير اللانهائي تصميم يُحمّل منشورات جديدة باستمرار، بينما يصف “Doomscrolling” سلوكًا يرتبط بالمحتوى المقلق.
مفارقة الانتباه والانزعاج
تجمع المنصات بين تصميم الواجهة وأنظمة التوصية، وفقًا لسعد، فالصفحة التي لا تنتهي تقلل فرص التوقف الطبيعي، والتشغيل التلقائي ينقل المستخدم إلى محتوى جديد دون اختيار متعمد في كل مرة.
أما الخوارزميات فتستدل على اهتمامك من سلوكك. تفاعلات المستخدم في “تيك توك” مثلًا، ومنها وقت المشاهدة والإعجاب والمشاركة وتجاوز المقاطع، تدخل في ترتيب المحتوى المقترح أكثر من عوامل أخرى.
وهنا قد تنشأ مفارقة: مشاهدة مقطع مزعج حتى نهايته بدافع القلق قد تُقرأ بوصفها اهتمامًا بالمحتوى، لا رغبة في تجنّبه، فالانتباه الذي تقيسه المنصة لا يساوي بالضرورة الراحة التي يشعر بها المستخدم.
ولا يكفي ذلك للقول إن كل منصة تتعمد نشر الخوف، لكنه يفسر كيف يمكن أن تتكرر الموضوعات التي تستبقي انتباهنا، حتى عندما نستمر في متابعتها بدافع الانزعاج.
متى يصبح الأمر مشكلة؟
يشير موقع “هارفارد هيلث” إلى أن الإفراط في متابعة الأخبار المقلقة قد يرتبط بالتوتر واضطراب النوم، ومع ذلك، فإن وصف العادة بالإدمان في الحديث اليومي لا يشكل وحده تشخيصًا طبيًا.
المؤشر العملي هو أثرها: هل تؤخر نومك؟ هل تقطع عملك مرارًا؟ وهل تنتهي من التصفح أكثر توترًا، ثم تعود إليه بلا هدف واضح؟
مواجهة “التصفح القهري”
يوصي سعد بوضع خارطة طريق عملية للحد من الاستنزاف الرقمي، تبدأ بفرض حدود صارمة مع الشاشات، إذ ينصح بتخصيص فترتين قصيرتين فقط يوميًا لمتابعة الأخبار عبر مؤقت زمني ومصادر محددة، مع إيقاف الإشعارات وميزات التشغيل التلقائي.
ولتحسين جودة المحتوى، يشدد الخبير التقني على أهمية تفعيل خيار “غير مهتم”، وكتم الحسابات المزعجة لتجنب الجدالات، إلى جانب مراجعة أدوات إدارة الوقت داخل التطبيقات.
وتتضمن الاستراتيجية أيضًا خطوة تحليلية برصد مدة الاستخدام والشعور المصاحب لها ليوم كامل لتحديد الفترات غير الفعالة، فضلًا عن إبعاد الهاتف عن السرير عند النوم واستبداله بأنشطة هادئة.
كما يطرح تساؤلًا حاسمًا يوجهه المستخدم لنفسه: “ما المعلومة التي أبحث عنها الآن؟”، معتبرًا غياب الإجابة مؤشرًا لضرورة التوقف.
ورغم أن الهدف هو البقاء على اطلاع دون استنزاف نفسي وجسدي، يشدد سعد على أن تحول التصفح إلى سلوك قهري يعطّل الحياة والنوم يستدعي فورًا استشارة مختص في الصحة النفسية.
