في الجنوب السوري، تكشف مدينة السويداء القديمة عن مراحل متعاقبة من تاريخها العمراني، توثقها بقايا أسوار ومعابد ومنشآت ضخمة شُيّدت من الحجر البازلتي الأسود.
وتعكس هذه الآثار تحولات المدينة من مستوطنة محصّنة إلى مركز عمراني شهد نهضة معمارية خلال العهد الروماني.
تقع المدينة على بعد نحو 90 كيلومترًا جنوب دمشق، وعلى ارتفاع يقارب 900 متر عن سطح البحر، وتعود تسميتها إلى اسمها القديم “سؤادة”، الذي يشير إلى السواد، نسبة إلى لون البازلت المستخدم في بناء منشآتها، قبل أن تُعرف في العصر الروماني باسم “ديونيسيا”، نسبة إلى الإله ديونيسوس.
حظيت المدينة باهتمام الرحالة والباحثين منذ مطلع القرن الـ19، إذ وثّقوا مبانيها ونقوشها وعناصرها الزخرفية، لكن التوسع العمراني الذي شهدته منذ منتصف القرن الماضي أدى إلى اختفاء عدد من معالمها الأثرية أو اندماجها في النسيج العمراني الحديث.
من مستوطنة محصّنة إلى مدينة
تعود أقدم مراحل تطور السويداء القديمة إلى العصر الفارسي- الهلنستي، حين أُقيمت مستوطنة صغيرة في الجزء الشمالي الغربي من المدينة الحالية، أُحيطت بسورين متحدَي المركز من الحجارة البازلتية الضخمة غير المشذبة.
وبلغ ارتفاع كل سور أكثر من ستة أمتار، وتجاوزت سماكته مترين.
وضمت المستوطنة قلعة مرتفعة وباحة ومخازن وأبراجًا، إلى جانب بناء فخم يعود إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد.
كما احتوت على بركة مياه كبيرة عُرفت باسم “البركة الصورية”، وهي مطمورة حاليًا، ويقع مكانها ضمن ساحة سمارة.
وبعد نحو قرن، قرابة عام 50 قبل الميلاد، هُجرت المستوطنة، وكان “مدفن حمرات” من أبرز الشواهد المرتبطة بنهاية هذه المرحلة.
معبد “ذو الشرى”.. شاهد على مرحلة انتقالية
تمتد المرحلة الثانية من منتصف القرن الأول قبل الميلاد حتى نهاية القرن الأول الميلادي، ولم يبقَ من أبنيتها المعروفة سوى معبد “ذو الشرى”، الذي يعود تاريخ بنائه، وفق عناصره الزخرفية، إلى نحو نهاية القرن الأول قبل الميلاد.
ولا تزال ثلاثة من أعمدته قائمة حتى اليوم في شارع البلاطة وسط المدينة، لتشكل شاهدًا على تاريخها الديني والمعماري.
المرحلة الثالثة.. نهضة معمارية ومنشآت ضخمة
بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي، شهدت مدينة السويداء القديمة تحولًا عمرانيًا واسعًا، تمثّل في تشييد مجموعة من المباني الضخمة في الجهتين الجنوبية والغربية من المدينة الحالية، وفق مخطط هندسي منتظم وُزّعت المنشآت على أساسه.
وضمّت هذه المنطقة مسرحًا كبيرًا يبلغ قطره 69 مترًا ويتسع لنحو 10,000 متفرج، وإلى الشمال منه، وعلى نقطة المركز نفسها، يقع المسرح الصغير، الذي يبلغ قطره 24 مترًا ويتسع لـ140 مقعدًا.
كما يحدّ المسرح الكبير من الغرب شارع معمد، واتصل من الشرق، عبر ممر عرضه ثلاثة أمتار، ببناء ضخم ذي أعمدة، تحوّل لاحقًا إلى كنيسة تعود إلى القرن الخامس الميلادي.
