علي عيد
حتى نعرف حجم المأزق الذي نعيشه اليوم إعلاميًا، أسأل كل من يقرأ هذا المقال: كم مرة سمحت لنفسك تصديق فيديو مسرب أو معلومات، حتى وإن كانت مغلوطة، لأنها تريح توجهاتك؟ وكم مرة خدرت ضميرك وأنت على يقين بأن ما شاهدته أو قرأته يتطلب التحقق.
إذا وقعت في الفخ السابق، وأنت على وعي تام بأنه فخ، فإن هناك من لا يميزون بين الحقيقة والتزييف لأسباب متعددة، قد يكون منها خضوعهم التام لرغبة سياسية جامحة أو أيديولوجيا أو انتماء، وربما لأسباب تتعلق بالوعي الإعلامي، أو أحادية الرواية في بيئات تفتقد لإعلام مسؤول أو منظمات تلاحق التزييف وتكشف التضليل.
بالمقابل، هناك “مفارقة الوعي” التي تتسبب بها التوعية العشوائية بمخاطر التزييف العميق، فكلما زادت توعية الجمهور بوجود التزييف، زاد شكهم بالإعلام والصحافة التي تبذل جهدًا لتوثيق الحقيقة. والسبب هو “الإنهاك المعرفي”، لأن الجمهور لا يملك الأدوات التقنية لفحص كل فيديو، ما يدفعه إلى الحل الأسهل، وهو رفض كل شيء.
وإذا وقعت في الفخ السابق، فاعلم أيضًا أنك وقعت ضحية “توزيع الشك” التي تهدف إلى زرع عدم اليقين، والشك في كل شيء، وهذا سيوصلك إلى مرحلة من عدم الثقة في كل ما يحيط بك من حولك، وهو إحدى نتائج وأهداف “التزييف العميق” (Deepfake).
تطرقت لهذا الأثر دراسة صدرت عام 2020، بعنوان “التزييف العميق والتضليل الإعلامي: استكشاف آثار الفيديو السياسي الاصطناعي على ثقة المواطنين في المعلومات”، إذ يرى الباحثان كريستيان فاكاري وأندرو تشادويك، أن الخطر الحقيقي للتزييف ليس في جعل الناس “يصدقون الأكاذيب”، بل في “تدمير قدرة الناس على تصديق الحقيقة”.
تكفي مرة واحدة من ضرب مصداقية رواية بعد أن أخذت مكانها في قناعات الجمهور، عبر تصنيع معلومات ثم نفيها بإثارة الشك كل مرة.
عندما تنظر اليوم مثلًا إلى شاشة قناة “الجزيرة” وهي تغطي أخبار اليمن، مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، الأول لصور يبثها إعلام الحكومة الشرعية، والثاني إعلام التحالف الداعم للشرعية، والثالث للإعلام الحربي لجماعات الحوثي، وكل جزء من هذه الأجزاء يبث صورًا لاستهداف مواقع أو تدمير آليات، ستكون خاضعًا، كجمهور، بالدرجة الأولى لمستوى تأييدك لطرف معيّن، وستبحث عن مساحات الشك بصور وروايات الطرف الآخر، وهذا تمامًا ما يصاب به أي شخص يتبنى موقفًا معاكسًا لموقفك.
المثال السابق في المقال لا يعني تأييدًا أو دعمًا لرواية، وليس موقفًا سياسيًا، بل أداة علمية لشرح الموقف.
يحصل مثل هذا في ليبيا والسودان وسوريا وإيران وحتى إسرائيل والولايات المتحدة، وبطرق مختلفة، لأن الانفجار التكنولوجي، واستخدام هذه الألاعيب بات جزءًا أساسيًا في المعارك قبل القنابل والصواريخ، وقبل حتى السجالات على المنابر وفي أروقة الأمم المتحدة.
وفي كثير من النزاعات والحروب الإقليمية الأخيرة، تم استخدام “توزيع الشك” لإسقاط مصداقية توثيق المجازر أو الفيديوهات العسكرية الصادمة، ما وضع الإعلام في موقف صعب من جهة، وحمّله عبء التركيز على التحقّق على حساب مهمته الأساسية في نقل الأحداث.
الدراسة التي تحدثت عنها آنفًا، ذكرت أن المشاركين (المستجيبين) عندما واجهوا فيديوهات سياسية مزيفة، لم يقعوا بالضرورة ضحية خدعة ولم يصدقوا المحتوى المفبرك بنسبة 100%، لكن تولدت لديهم حالة من عدم اليقين الشديد.
وعندما يعجز الجمهور العادي عن التمييز بين الحقيقة والتزييف، يلجأ إلى استراتيجية دفاعية هي “الشك في كل شيء”، ما يتسبب في انخفاض حاد في الثقة بوسائل التواصل الاجتماعي كمنصات للأخبار، بل وفي وسائل الإعلام التقليدية أحيانًا.
يجري استغلال “توزيع الشك” في الصراعات العسكرية والسياسية والإعلامية، أو من قبل سياسيين أو رجال فاسدين، عبر تكتيكين هما “مظلة النفي” (The Liar’s Dividend)، فعندما يعتاد الجمهور مثلًا فكرة أن كل شيء يمكن تزييفه بالذكاء الاصطناعي، يجد السياسيون الفاسدون وإعلام الحروب مهربًا لنفي أي تسجيل حقيقي يدينهم، سواء كان رشوة، أو اعترافًا بجريمة، ويكفي اليوم أن يخرج المتحدث ويقول إن ما تسرب أو نشر هو مجرّد مقطع مفبرك بالذكاء الاصطناعي، وهذا سيتكفل بزرع الشك لدى الجمهور. وبعدها تبدأ مرحلة “اللامبالاة السياسية” (Political Cynicism)، إذ يشعر المجتمع أن كل طرف يزيف للآخر، ويبدأ الجمهور بالانسحاب من النقاش العام ووقف المساءلة.
وأظهرت أبحاث أمنية حديثة أن الحركات الاحتجاجية الشعبية والمجموعات الفرعية أصبحت تستخدم تكتيك التشكيك بالوقائع، لنفي أعمال تخريب أو اعتداءات حقيقية.
وربما الأخطر، من وجهة نظري، أن يفكر الناس بأخذ حقوقهم بأيديهم، أو نشر الفوضى، بسبب استراتيجية “توزيع الشك”.. وللحديث بقية.
