لمى قنوت
منذ عام 1974، أدرك مُشرعو قانون الاستملاك رقم “20” أن المشروع العام يصنع فائض قيمة على الأرض، وقرروا ألا يحصل مالكها على شيء منه، فنصت المادة “13” على أن تُقدر اللجنة قيمة العقارات على أساس قيمتها قبل تاريخ مرسوم الاستملاك مباشرة، وأن “تُسقط من الحساب كل ارتفاع طرأ على الأسعار بنتيجة مشروع الاستملاك أو المضاربات التجارية”.
وبعد خمس سنوات صدر قانون التوسع العمراني رقم “60” لعام 1979، الذي اعتبر نص المادة “3” منه أن العقارات داخل مناطق التوسع العمراني زراعية “سواء كانت مستثمرة للزراعة بصورة فعلية أو لم تكن كذلك، وتُقدر قيمتها حين الاستملاك بما لا يتجاوز عشرة أمثال إنتاجها السنوي”، أي تُحتسب قيمة الأرض داخل مخطط عمراني على أساس محصولها لا على أساس موقعها. وبقيت هذه المادة نافذة دون تعديل حتى عام 2000.
وما يجري اليوم من اعتراضات في قدسيا والمعضمية ودمر وغيرها من المناطق يتعلق جزء من أسبابه بمتن هذه النصوص، إذ يروي أصحاب أراضٍ أن تعويضهم بلغ ليرة واحدة للمتر أي 400 ليرة للدونم، بينما تراوح سعر الدنم في مناطق أخرى بين 25,000 و30,000 ليرة، ناهيك بخسارتهم للأرض وحرمانهم من تشييدها. وتتوزع أبرز مطالب المحتجين، بين من يطالب بتعويضات عادلة توازي القيمة الفعلية بالسعر الرائج، وآخر يطالب بأرضه وبإبطال الاستملاك الجائر، لا سيما حين لم يُنفذ المشروع الذي استُملكت الأرض من أجله، أو تغيرت الغاية منه، وطرحته السلطة الانتقالية على مستثمرين لبناء مشاريع تستهدف الأثرياء ورفاهيتهم، ولا تخدم المجتمعات المحلية.
تشريعات وخسائر متراكمة
في القانون رقم “20” لعام 1974، حُصرت مساحة الاقتطاع المجاني بربع مساحة العقارات الخالية التي يتم استملاكها لإلحاقها بالأملاك العامة (المادة 31). ووضعت المادة “25” ثلاثة قيود على الإدارة المُستملِكة: مهلة قصوى لتسديد القيم لأصحاب العلاقة أو إيداعها في المصرف بأسمائهم خلال خمس سنوات من تاريخ المرسوم، وترتيبًا يُلزمها بالدفع قبل أن تضع يدها على العقار، وجزاء يقضي بإعادة تقييم القيمة إن تأخر الدفع عن المهلة. وفي حالات الاستملاك المستعجل كان يجوز إيداع ما لا يقل عن نصف التقدير البدائي باسم المستحق، ويدفع النصف المتبقي خلال سنة من تاريخ وضع اليد (المادة 30). وكانت اللجنة التحكيمية تضم خبيرين يمثلان المعترضين مقابل خبيرين تسميهما الجهة المُستملِكة (المادة 23).
وجاء المرسوم التشريعي “20” لعام 1983 فأبقى المهلة الزمنية ورفع القيدين الآخرين، بمعنى أنه أجاز وضع اليد بمجرد أن يصير التقدير مبرمًا دون اشتراط الدفع، ونص على أنه عند التأخر في الدفع أو الإيداع “لا يُعاد تقدير القيمة” (المادة 25)، وإنما تُدفع فائدة سنوية بسيطة بمعدل 6% عن مدة التأخير، عدّها مانعة من استحقاق أو تعويض آخر ناشئ عن المرسوم أو وضع اليد (المادة 25)، وأسقط معها إيداع النصف ومهلة السنة في الحالات المستعجلة (المادة 30). وقد قال أحد المتضررين في الصبورة بريف دمشق، التي يقّدر أن الاستملاك طال 91% من أراضيها، إن التعويض لا يعادل عمل سنة واحدة في الأرض.
ولم يكتفِ المرسوم بما سبق، فالمادة “4” نصت على سريان أحكام الفائدة على العقارات المُستملَكة قبل صدوره، وجعلتها “محل المطالبة بأي حق في أجر المثل أو طلب إعادة التقدير”. وأضافت المادة “44” أن أحكام القانون تسري على جميع الدعاوى القائمة بتاريخ صدوره، وأن “ترد دعاوى أجر المثل ودعاوى إعادة تقدير القيمة التي لم تقترن بحكم قطعي”، أي أن المرسوم أغلق الباب أمام من سيطالب لاحقًا، ورد دعاوى سابقة كانت منظورة أمام القضاء يوم صدوره.
وأبقى المرسوم ما يعادل ربع مساحة أرض العقار المراد استملاكها على حالها، متى كان القسم المتبقي قابلًا للانتفاع به (المادة 31)، وخُفض ممثلو المالكين من اثنين إلى واحد في لجنة إعادة النظر على التقدير (المادة 23)، وصار تقديرها نهائيًا لا يجوز أن يُعاد لأي سبب (المادتان 24 و25).
ووسع المرسوم تعريف مشاريع النفع العام في المادة “3” فشمل إنشاء منشآت لحزب “البعث العربي الاشتراكي” والمنظمات الشعبية (المادة 3)، وأجاز لوزارة الدفاع استملاك عقارات لإقامة تجمعات عسكرية، أو لبناء مساكن تُباع للعسكريين ولأسر الشهداء والعاملين في الوزارة (المادة 4)، وبذلك تنتزع الدولة ملكية خاصة يصونها الدستور والمواثيق الدولية لتمنح امتيازات لحزب حاكم ولفئات بعينها، فينتفي بموجبها النفع العام، وتُعلي قيم العسكرة قانونيًا.
وبين النصين السابقين صدر تشريع ثالث، وهو قانون التوسع العمراني رقم “60” لعام 1979، المعدل بالقانون “26” لعام 2000، وقد ألغيا لاحقًا في القانون “23” لعام 2015، غير أن المادة “57” استثنت الأراضي التي صدر فيها صك باستملاكها وفق أحكام القانون وتعديله، ونصت على تطبيق القانون الجديد “دون المساس بالمراكز القانونية المكتسبة في ظل القوانين الملغاة”، أي أن القانون أُلغي ولم يلغَ أثره على الأراضي التي اسُتملكت في السبعينيات والثمانينيات، وبقيت محكومة بالنص الذي استُملكت بموجبه.
بحسب الأسباب الموجبة لقانون التوسع العمراني رقم “60”، والنسخة المعدلة منه، كان بهدف استملاك أراضٍ زراعية تتولى بموجبها الوحدات الإدارية والبلديات تخطيطها وتقسيمها إلى مقاسم جاهزة للبناء وبيعها للراغبين بسعر التكلفة، ولكن أفضت النتيجة إلى ارتفاع أسعار الأراضي، بسبب الاستملاك الواسع النطاق لأراضٍ زراعية خصبة، وهو ما أخرجها من دائرة التداول العمراني، في ظل غياب وجهل عن الأذى البيئي الذي سببه ذلك وأدى إلى تسريع وتيرة التصحر وتدهور الغطاء النباتي. وبعد التسعير بعشرة أمثال الإنتاج الوارد في المادة “3” من القانون، منحت المادة “4” الجهات المُستملِكة خمس سنوات لدفع البدل اعتبارًا من تاريخ المرسوم، بينما طالبت المادة “5” من المالك الذي استُملكت أرضه دفع كامل تكاليف ما خصص له بسعر التكلفة، إضافة إلى نسبة 5% من نفقات الإدارة، وبضمنها الإخلاء وبدلات الاستملاك وإتلاف المزروعات ونفقات الدراسة والمرافق العامة وغيرها (المادة 8). وأُلزم المشتري أن ينجز البناء خلال ثلاث أو أربع سنوات بحسب عدد الطوابق (المادة 9)، ومن لا يفعل ضمن المهل المحددة يُكلف برسم سنوي قدره 20% من قيمة المقسم (المادة 12) واعتبر جزء السنة كالسنة.
ثم جاء القانون “23” لعام 2015 الخاص بتنفيذ التخطيط وعمران المدن، فرفع نسبة الاقتطاع المجاني إلى 40% خارج مراكز المحافظات و50% داخلها، مقابل ما سيحصل عليه مالك العقار من منفعة مادية ومعنوية نتيجة دخول عقاره منطقة التنظيم أو التقسيم (المادة 4)، وأدرج ضمن ما يُقتطع مجانًا من المالك ما سمّاه بـ”مقاسم الخدمات الخاصة”، وعرّفه بأنه مقاسم للمباني الخدمية “تُباع للقطاع الخاص ويُشيدها بنفسه” (المادة 1)، ويغيب عن بعض اللجان الإجرائية المعنية بتنفيذ القانون ممثلو مالكي العقارات.
بانتظار التشاركية والتشريعات المنصفة
لا تستوفي هذه القوانين ملف نزع الملكيات في سوريا، فإلى جانبها ترسانة تشريعية كالمرسوم “66” لعام 2012 والمرسوم “10” لعام 2018، وقد ركزت عليها الدراسات المتعلقة بحقوق السكن والملكية والأراضي، لكن الأقدم والأقل تداولًا هو ما أسّس الإطار العام للاستملاك ونزع الملكية والتنظيم العمراني، وهو ما تُدار به اليوم ملفات تعود إلى السبعينيات والثمانينيات.
لم تُفضِ الاحتجاجات المتواصلة ضد التصرف بالأراضي المستملَكة وإقامة مشاريع استثمارية عليها قبل حسم حقوق أصحابها إلى مسار تشاركي ولا إلى مراجعة تشريعية. وأمام المحتجين أبواب مغلقة: مراسيم بُنيت لنزع الملكيات لم يُحسم مصيرها، وتشريعات تُنصف أصحاب الأراضي لم تصدر، وعدالة انتقالية لم يصدر قانونها بعد، فملف الملكية والأراضي يعتبر جزءًا أساسيًا من جبر الضرر في مسار العدالة الانتقالية.
