حين تأتي الضربة من صديق

  • 2026/11/01
  • 1:56 م
أحمد عسيلي

أحمد عسيلي

enab_get_authors_shortcode

أحمد عسيلي

تعرضت مناطق في الجنوب السوري، الأسبوع الماضي، لغارات جوية نفذها سلاح الجو الأردني، قالت القيادة الأردنية إنها استهدفت مجموعات إرهابية مرتبطة بالهجوم الذي تعرضت له كنيسة في محافظة الكرك. وقد أسفرت الغارات على ريف درعا والسويداء عن سقوط سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال. وأثارت الحادثة ردود فعل غاضبة في سوريا، فيما جرت اتصالات بين قيادات البلدين لمعالجة تداعياتها.

هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها الأراضي السورية للقصف، فقد اعتاد السوريون منذ أيام النظام السابق على الغارات الجوية التي تنفذها جيوش دول إقليمية ودولية عديدة، حتى بات انتهاك السيادة السورية واقعًا مألوفًا، وأصبحت عبارة “نحتفظ بحق الرد” أقرب إلى مادة للسخرية منها إلى تهديد عسكري. لكن الضربة الأخيرة حملت وقعًا مختلفًا، لأنها أولًا جاءت بعد التحرير وسقوط الأسد، وثانيًا لأنها جاءت من الأردن، البلد الذي يحتل مكانة خاصة في وجدان السوريين، وخصوصًا أبناء حوران، حيث تبدو الحدود السياسية فاصلًا بين امتدادين اجتماعيين وثقافيين لمنطقة واحدة.

اسمحوا لي أن أعترف بداية، وبكل صراحة، بأنني ترددت كثيرًا قبل الكتابة عن هذا الموضوع، فأنا في النهاية سوري، ومشاعري جزء من مشاعر السوريين، وقد أمضيت أيامًا صعبة منذ الإعلان عن سقوط الضحايا، أيامًا اختلط فيها الحزن بالغضب والخذلان، حتى إنني تساءلت عن قدرتي على تناول هذه المشاعر بالحياد والمسافة النفسية اللذين يفترض أن أحافظ عليهما بصفتي طبيبًا نفسيًا، بل وجدت نفسي أحيانًا أمام أفكار وانفعالات لا تنسجم مع قناعاتي، وأدرك حين أستعيد هدوئي أنها بعيدة عن المنطق.

لهذا أيضًا، ناقشت الموضوع مع زملائي من الأطباء والمعالجين النفسيين هنا في فرنسا، لأن المسافة العاطفية التي تفصلهم عن الحدث ستمنحهم هذه الحيادية الضرورية لفهم الموضوع بالشكل الكافي، وقد شبهها بعضهم  بحادثة اجتياح الجيش السوفييتي لمدينة براغ 1968، مع التأكيد هنا أننا لا نتحدث عن المعطيات السياسية والعسكرية للحادثتين، لكن عن تشابه رد الفعل العاطفي لدى الناس، أي الخذلان، فقد كان يُنظر أيضًا للجيش السوفييتي لدى فئة من الناس بأنه الجيش الحليف المحرر من النازية، فإذا بهم يرونه يدخل عاصمتهم ليقضي على ربيع بلادهم.

في تاريخنا القريب أيضًا أمثلة على صدمات مشابهة من هذه الناحية النفسية، ففي عام 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان، رغم أن النظام السوري كان يقدم نفسه بوصفه جزءًا من معسكر المقاومة والقوى التقدمية، ثم وجد نفسه يقاتل قوى لبنانية وفلسطينية تنتمي رمزيًا إلى المعسكر نفسه. مثال آخر في حرب الإلغاء عام 1990، التي وقعت بين القوى المسيحية نفسها في لبنان، ويمكن تصور حجم الخذلان الذي شعر به بعض أنصار هذه القوى في الحالتين، عندما تعرضوا للقصف من مجموعات حليفة.

وهنا نصل إلى السؤال النفسي الأساسي: لماذا يصعب علينا تقبل الأذى عندما يأتي ممن نحب؟

تحدثت في مقالات سابقة عن مفهوم الانشطار في التحليل النفسي كما شرحته ميلاني كلاين، أي الفصل بين الموضوع الجيد والموضوع السيئ، وكأن من نحب لا يمكن أن يؤذينا، ومن يؤذينا لا يمكن أن نحتفظ تجاهه بالمحبة. تبدأ هذه المعضلة النفسية منذ لحظة فطام الطفل، عندما يكره والدته التي تحرمه، لكنه يبقى محافظًا على حبها في الوقت نفسه لأنها مصدر الحنان، فيعيش تجربة “الموقف الاكتئابي”، من خلال القدرة على إدراك أن الموضوع نفسه قد يكون مصدرًا للحب والغضب معًا، دون الحاجة إلى تقسيمه إلى خير مطلق وشر مطلق، وهذا من أهم علامات النضج النفسي.

وإذا استعرنا هذا التصور لفهم مشاعرنا تجاه الأردن، مع اختلاف الحالة الرمزية هنا، فإننا لسنا مضطرين إلى الاختيار بين إنكار الألم حفاظًا على المحبة، أو إنكار المحبة استجابة للألم. نستطيع أن نحزن ونغضب ونطالب بمعرفة ما جرى، دون أن نمحو تاريخًا طويلًا من العلاقات الإنسانية، بل إن الخذلان قد يدفعنا إلى مراجعة صورة مثالية احتفظنا بها عن الآخر، وهذه المراجعة ليست خسارة للعلاقة، بل هي فرصة لجعلها أكثر واقعية، فالعلاقة الناضجة لا تقوم على افتراض أن الطرف الآخر لن يخطئ أبدًا، فالخطأ موجود دومًا في أي علاقة، سواء بين فردين أو عائلتين أو حتى دولتين، والامتحان الحقيقي يكمن هنا في القدرة على تحمل الخلاف والاعتراف بالأذى ومحاولة إصلاحه.

لقد عبّر الأردن عن أسفه لسقوط المدنيين، واتفق البلدان على تشكيل لجنة مشتركة لبحث ما جرى، وهي خطوات يمكن أن تفتح المجال لمعالجة الحادثة، دون أن تلغي الحاجة إلى معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا.

نقطة أخيرة، علينا نحن السوريين، الذين اختبرنا مرارة تحميل الشعوب مسؤولية أفعال أنظمتها، ولدينا تجربة أليمة في تحميلنا كشعب جرائم ميليشيا الأسد، علينا أن نتذكر هذا الدرس ونحن نواجه مشاعرنا تجاه الأردن، فليس المطلوب أن ننكر غضبنا، بل أن نحول دون انتقال مسؤولية قرار عسكري خاطئ، وتحميلها لمن لا علاقة له بهذه الضربة، ويشعر بالتعاطف مع ضحاياها ربما أكثر من بقية السوريين، لخصوصية العلاقة التي تربط الشعب الأردني والجنوب السوري خاصة.

مقالات متعلقة

  1. "الردع الأردني" في سوريا.. من الحدود إلى العمق
  2. ضربات إسرائيل واشتباكات الجنوب تستدعي إدانات دولية
  3. أحداث إدلب والمزة 86.. العدالة وحدها ليست كافية
  4. القصف الأردني.. أزمة ثقة أم تصدير أزمة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي