تسببت “حراقات” نفط بدائية نُصبت قرب المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة في انتشار روائح النفط المحترق والأدخنة الكثيفة في المناطق المحيطة بها، ما أثار مخاوف الأهالي من انعكاساتها الصحية والبيئية، ولا سيما على الأطفال والنساء وكبار السن، وسط مطالبات بإزالة هذه “الحراقات” بشكل كامل ومنع إعادة تشغيلها.
وجاء انتشار “الحراقات” بعد إعلان وزارة الطاقة السورية اعتماد ثلاثة أسعار لمادة المازوت، وفق فئات الاستخدام والمواصفات، بينها مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة سورية جديدة لليتر، مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، إلى جانب مازوت بسعر 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، ومازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر.
وكان وزير الطاقة، محمد البشير، أعلن، في مؤتمر صحفي عقده في 17 من أيلول الماضي، التوجه إلى إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية، بينها مصافٍ كهربائية في شمال شرقي سوريا، بطاقة مستهدفة تصل إلى 35,000 برميل من النفط الخام يوميًا، على أن يخصص كامل إنتاجها من المازوت لتأمين الفئة المدعومة.
وأثار الحديث عن إعادة تشغيل المصافي المحلية مخاوف مرتبطة بعودة أساليب تكرير النفط البدائية، في ظل التجارب السابقة التي شهدتها محافظة الحسكة، وما رافقها من تلوث بيئي وأضرار صحية طالت سكان المناطق القريبة من مواقع “الحراقات”.
أدخنة تصل إلى الأحياء السكنية
مع بدء تشغيل “الحراقات” الجديدة قرب المدخل الجنوبي للحسكة، بدأت روائح حرق النفط الخام تنتشر في القرى والمناطق السكنية المحيطة، بالتزامن مع تصاعد أدخنة كثيفة، قال سكان إنها أصبحت تصل إلى منازلهم وتؤثر في حياتهم اليومية، خصوصًا خلال ساعات الليل والصباح.
وتتركز مخاوف الأهالي في الأحياء الجنوبية من المدينة، إضافة إلى القرى الواقعة جنوب الحسكة القريبة من المدينة، نتيجة قرب مواقع “الحراقات” من التجمعات السكانية، وما يرافق عمليات حرق النفط الخام من انبعاثات وروائح يصعب تجنبها، حتى مع إغلاق النوافذ والأبواب.
وقال أحمد العبيد، من قرية سبع سكور القريبة من المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن عودة “الحراقات” إلى المنطقة أعادت إلى الأهالي مخاوف عاشوها خلال سنوات سابقة، عندما كانت عمليات تكرير النفط بطرق بدائية منتشرة في محيط القرى.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على الرائحة المزعجة، بل تمتد إلى الدخان الذي يصل إلى المنازل، ويجعل الجلوس في الساحات أو فتح النوافذ أمرًا صعبًا، مشيرًا إلى أن أفراد أسرته، ولا سيما الأطفال وكبار السن، يتأثرون بصورة أكبر بهذه الأجواء.
وأوضح أن الأطفال يضطرون إلى البقاء داخل المنزل خلال فترات انتشار الدخان، في حين تعاني النساء من صعوبة تهوية الغرف والقيام بالأعمال المنزلية بصورة طبيعية، بينما يجد كبار السن صعوبة في تحمل الروائح القوية والأجواء الملوثة.
وطالب العبيد بإزالة “الحراقات” من محيط القرية بشكل كامل، وليس الاكتفاء بإيقاف تشغيلها مؤقتًا، معتبرًا أن وجودها بالقرب من التجمعات السكانية يعني استمرار احتمال عودتها للعمل وما يرافق ذلك من أضرار على السكان.
من جهته، قال عبد الله العيسى، من حي الزهور في مدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن انتشار رائحة النفط المحترق أصبح مصدر إزعاج يوميًا للعائلات، خصوصًا عندما تتجه الأدخنة نحو الأحياء السكنية، مضيفًا أن السكان لا يملكون وسيلة لتجنب استنشاقها سوى إغلاق النوافذ والبقاء داخل المنازل.
وأشار إلى أن هذا الإجراء لا يحل المشكلة، إذ تتسرب الروائح إلى المنازل، بينما يؤدي إغلاق النوافذ لفترات طويلة إلى صعوبة تهوية الغرف، خصوصًا في المنازل التي تضم أطفالًا وأفرادًا من كبار السن.
وأضاف أن أفراد أسرته باتوا يشعرون بالقلق مع كل موجة دخان، وأن الأطفال يتأثرون بصورة أكبر بسبب حاجتهم إلى اللعب والحركة في الهواء الطلق، في حين تضطر النساء إلى تقليل الخروج من المنزل، حتى عند الحاجة إلى إنجاز الأعمال اليومية.
وطالب العيسى الجهات المعنية بإبعاد أي نشاط نفطي ملوث عن المناطق السكنية، وإزالة “الحراقات” نهائيًا، مع مراقبة المواقع التي يمكن أن تعود إليها هذه الأنشطة، لضمان عدم تكرار المشكلة بعد انتهاء حملات الإزالة.
معاناة صحية ومطالبات بمنع عودة “الحراقات”
وفي حي غويران بمدينة الحسكة، قال جلال العلي، لعنب بلدي، إن انتشار روائح “الحراقات”، وخاصة في ساعات المساء، بات يؤثر في حياة العائلات، ولا سيما في المناطق الجنوبية من الحي والقريبة من مواقع تشغيلها، موضحًا أن أفراد أسرته يشعرون بالانزعاج من الدخان والرائحة القوية التي تصل إلى المنزل.
وأضاف أن الأطفال والنساء وكبار السن هم الفئات الأكثر تضررًا، لأنهم يقضون أوقاتًا طويلة داخل المنازل أو في محيطها، ولا يستطيعون دائمًا الابتعاد عن المناطق التي تصل إليها الأدخنة.
ولفت إلى أن بعض أفراد الأسرة يضطرون إلى إغلاق النوافذ والأبواب عند اشتداد الرائحة، فيما يصبح الخروج إلى الشوارع أو الجلوس أمام المنزل أمرًا غير مريح، بسبب انتشار الروائح في الأجواء.
وأكد العلي أن الأهالي لا يريدون حلولًا مؤقتة تقتصر على إطفاء “الحراقات” لفترة قصيرة، بل يطالبون بإزالتها من المنطقة بصورة نهائية، ومنع إقامة أي حراقات جديدة بالقرب من الأحياء والقرى المأهولة بالسكان.
وتأتي هذه المخاوف في ظل تاريخ طويل لانتشار “الحراقات” البدائية في محافظة الحسكة، إذ ارتبط ظهورها بتراجع قدرة المنشآت النفطية على تأمين المشتقات النفطية بعد عام 2011، وخروج مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا عن سيطرة النظام السابق.
ومع تزايد الحاجة إلى الوقود، انتشرت “الحراقات” في محيط حقول النفط والقرى الريفية، واعتمدت على تسخين النفط الخام داخل خزانات وأوعية معدنية بوسائل بدائية لفصل مشتقاته، دون الالتزام بالمعايير الفنية والبيئية المتبعة في المصافي النظامية.
وتوسعت هذه الظاهرة خلال سنوات الأزمة، وتحولت إلى نشاط اقتصادي ارتبط بعمليات استخراج النفط ونقله وتكريره وبيعه، لكنها تسببت في الوقت نفسه بمخاوف صحية وبيئية نتيجة الأدخنة والانبعاثات الناتجة عن عمليات الحرق والتكرير.
خلال عام 2015، اتسع نشاطها في محيط القرى ومناطق حقول النفط، مع وجود تجمعات كبيرة منها في محيط سد الحسكة الجنوبي، ووصول بعض الحراقات إلى طاقات إنتاجية كبيرة.
وفي عام 2016، ازدادت الشكاوى من ارتفاع الحالات المرضية في ريف الحسكة، وربطت شهادات طبية آنذاك بين بعض الأعراض التنفسية وانتشار الدخان والغازات الناتجة عن عمليات تكرير النفط البدائية.
وفيما يتعلق بالانعكاسات الصحية، قال الممرض أحمد سليمان، الذي يعمل في أحد مستشفيات مدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن الفترة الأخيرة شهدت زيادة في عدد الحالات التي تراجع المستشفى وتعاني من مشكلات تنفسية، مشيرًا إلى أن نسبة من هذه الحالات تأتي من الأحياء الجنوبية للمدينة والمناطق القريبة منها.
وأوضح أن الحالات التي تراجع المستشفى تشمل أشخاصًا يعانون من السعال وضيق التنفس وتهيج المجاري التنفسية، وأن الأطفال وكبار السن يحتاجون إلى اهتمام أكبر عند ظهور مثل هذه الأعراض، بسبب تأثرهم بصورة أسرع بالعوامل المحيطة.
وأضاف أن انتشار روائح حرق النفط والأدخنة في المناطق السكنية يستدعي التعامل مع المسألة باعتبارها مصدر قلق صحي، خصوصًا مع استمرار تعرض السكان لهذه الانبعاثات خلال فترات متقاربة.
وأشار سليمان إلى أهمية إبعاد مصادر التلوث عن التجمعات السكانية، وعدم الاكتفاء بمعالجة الحالات المرضية بعد ظهور الأعراض، بل العمل على الحد من أسباب التعرض للدخان والانبعاثات، بالتوازي مع توعية الأهالي بضرورة مراجعة المراكز الصحية عند الشعور بضيق التنفس أو استمرار السعال.
ولفت إلى أن استمرار تشغيل “الحراقات” بالقرب من الأحياء السكنية قد يزيد من تعرض السكان للملوثات، داعيًا الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات تضمن عدم عودة هذه الأنشطة إلى المناطق المحيطة بالمدينة.
إزالة “حراقات” في محيط الحسكة
في المقابل، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة إزالة عدد من “الحراقات” النفطية العشوائية التي كانت تعمل بصورة غير قانونية في مناطق الداوودية وسبع سكور والبانوراما.
وقالت إن قوى الأمن الداخلي، ممثلة بفرع أمن المنشآت الحيوية، نفذت العملية بالتنسيق مع الجهات الحكومية ذات الصلة، وعملت على تفكيك “الحراقات” وإتلافها بالكامل، بهدف إنهاء الأضرار المباشرة التي كانت تلحقها بسكان القرى المحيطة.
وتأتي هذه الخطوة استجابة للمخاوف المتعلقة بالأضرار التي يمكن أن تنتج عن تشغيل “الحراقات” البدائية بالقرب من المناطق السكنية، ولا سيما مع تكرار الشكاوى من انتشار الأدخنة والروائح الناتجة عن حرق النفط الخام.
وكانت مديرية خدمات الطاقة في الحسكة أكدت، في تصريحات سابقة لعنب بلدي، عدم السماح باستمرار إنتاج المشتقات النفطية الناتجة عن الحراقات، مشددة على ضرورة الالتزام بالمواصفات القياسية المعتمدة، وعدم وجود مشتقات نفطية نظامية وأخرى منتجة عبر “الحراقات”.
وتبقى إزالة “الحراقات” ومنع إعادة تشغيلها مطلبًا للأهالي في المناطق المتضررة، في ظل مخاوف من عودة مشكلات التلوث التي عانت منها محافظة الحسكة خلال سنوات سابقة، وما رافقها من شكاوى صحية وبيئية.
ويطالب السكان الذين تحدثوا لعنب بلدي بأن تشمل الإجراءات جميع مواقع “الحراقات” القريبة من التجمعات السكانية، وألا تقتصر على المواقع التي جرى التعامل معها مؤخرًا، مع متابعة المناطق المحيطة بالمدينة لمنع إقامة حراقات جديدة.
