أعلنت وكالة “هاوار” المقربة من “قسد” المنحلّة، اليوم في 3 تشرين الثاني 2026، مقتل جوان إبراهيم، القائد العام السابق والمؤسّس لقوات الأمن الداخلي “الأسايش” في شمال شرقي سوريا، ضمن قائمة تضم 29 مقاتلًا ومقاتلة قيل إنهم قتلوا في أوقات وأماكن مختلفة، ما أعاد رواية تصفية إبراهيم إلى الواجهة.
وجاء الإعلان بعد نحو تسع سنوات من اختفائه عن المشهد، من دون تحديد تاريخ مقتله أو مكانه أو الظروف التي أحاطت به، ما أعاد فتح ملف مصيره، والذي ارتبط منذ عام 2017 بروايات عن استدعائه إلى جبال قنديل على خلفية خلافات داخلية وتصريحات انتقد فيها الدور الإيراني في سوريا.
ولم تقدم الوكالة، في خبرها الذي تناول مراسم استذكار المقاتلين في مدينة الحسكة، تفاصيل منفصلة عن كل اسم ورد في القائمة، واكتفت بذكر أن المشاركين فيها ينتمون إلى “قوات الدفاع الشعبي ووحدات المرأة الحرة – ستار” (في إشارة إلى الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني)، وأنهم قتلوا في أوقات وأماكن مختلفة ضمن صفوف ما سمته “حركة حرية كردستان”.
وورد اسم “جوان” مقرونًا بالاسم الحقيقي “جوان إبراهيم”، من دون معلومات إضافية عن تاريخ مقتله أو مكانه.
مراسم استذكار في الحسكة لعدد من مقاتلي حزب العمال الكردستاني ومنهم جوان إبراهيم – 3 تشرين الثاني 2026 (هاوار)
اعتمدت عنب بلدي في هذا التحقيق على منهجية البحث في المصادر المفتوحة، فتتبعت ما نُشر عن جوان إبراهيم منذ اختفائه عن المشهد العام عام 2017، ورصدت التسلسل الزمني للروايات التي تناولت مصيره، بدءًا من التقارير التي تحدثت عن إبعاده واستدعائه إلى جبال قنديل، مرورًا بالاتهامات بتصفيته داخل حزب العمال الكردستاني، والحديث عن احتمال مقتله في غارة تركية، وصولًا إلى إعلان وكالة هاوار مقتله في تشرين الثاني 2026.
كما قارنت بين ما نشرته وسائل الإعلام وما ورد في تسجيلات ومواقف أصحاب الروايات، بهدف التمييز بين المعلومات التي أمكن توثيقها والاتهامات والفرضيات التي لم تتوافر أدلة مستقلة تحسمها.
من رأس العين إلى قيادة الأسايش
جوان إبراهيم، المعروف أيضًا باسم جوان عربو، (الاسم الكامل: نوسي جان عبد الرحيم إبراهيم) من مواليد مدينة رأس العين في محافظة الحسكة عام 1983، وتولى قيادة قوات الأمن الداخلي “الأسايش” في شمال شرقي سوريا منذ عام 2013، بحسب ما أوردته شبكة رووداو في تقريرها عن إبعاده من منصبه في أيلول 2017.
وتعود إحدى الشهادات المنشورة عنه إلى مقابلة أجراها موقع “Buyer Press” المقرّب من “قسد” معه في نيسان 2015، بصفته القائد العام لقوات “الأسايش”. وتناول إبراهيم خلالها طبيعة عمل الجهاز ومهامه الأمنية، بما فيها متابعة ملفات الإرهاب والجماعات المسلحة، وآليات عمل مكاتبه وسجونه، كما تحدث عن علاقته بالمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية.
وتقدم المقابلة صورة عن طبيعة الملفات التي كانت تتولاها “الأسايش” في تلك المرحلة، قبل أن يتحول اسم قائدها العام إلى موضوع خلاف سياسي وتنظيمي، ثم يختفي من الظهور العلني.
تصريحات عن إيران سبقت الإبعاد
في 27 تموز 2017، نشرت شبكة رووداو مقابلة مع إبراهيم، قال فيها إن “المشروع الإيراني أخطر من مشروع تنظيم (الدولة الإسلامية) في سوريا والمنطقة عمومًا”، وتطرق إلى مسألة دخول قوات “بيشمركة روج آفا” الكردية (المناوئة لقسد) إلى المنطقة، معتبرًا أن قرار ذلك يعود إلى “المجلس التشريعي” في “الإدارة الذاتية”، وأن “الأسايش” جهة تنفيذية تلتزم بقرارات المؤسسات المعنية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية عند تتبع التسلسل الزمني لاختفائه، إذ جاءت قبل أقل من شهرين من إبعاده عن قيادة “الأسايش”. ففي 17 أيلول من العام نفسه، نشرت “رووداو” خبرًا نقلت فيه عن مصدر خاص أن إبراهيم أُبعد من منصبه، وأن قيادة جديدة عُيّنت بدلًا منه. ونسب المصدر سبب الإبعاد إلى التصريحات التي أدلى بها ضد إيران.
منذ ذلك الوقت، غاب جوان إبراهيم عن الظهور العام، ولم تتوافر معلومات معلنة وموثوقة توضح مكان وجوده أو مصيره.
نداء والدته.. انقطاعه عن عائلته منذ الطفولة
لا تبدأ رواية عائلة إبراهيم عن غيابه من عام 2017، بل تعود إلى سنوات أسبق، حين كان لا يزال في سن المراهقة. ففي نداء مؤرخ في 14 أيار 2003، اتهمت والدته أنيسة طوبال حزب العمال الكردستاني بخطف ابنها، عندما كان دون 18 عامًا، وطالبت بالكشف عن مصيره.
وبحسب النداء الذي أعاد الصحفي هوشنك أوسي نشر صورة منه على صفحته في فيسبوك قبل يومين من إعلان هاوار الأخير، ونشر رابطه وصورة منه على قناته في “يوتيوب” عام 2022، تحدثت الأم عن أخذ ابنها من محيط أسرته وهو في سن مبكرة، ووجهت تحذيرًا إلى النساء الكرديات من الحزب، في رواية عائلية تتهمه بالمسؤولية عن إبعاد ابنها عنها.
وكان النداء منشورًا على مدونة “منتدى عامودا”، لكن رابطه الأصلي حذف النداء، ولم يعد متاحًا عبر المدونة. لذلك تستند الإشارة إليه هنا إلى صورة أعاد أوسي نشرها، لا إلى نسخة إلكترونية أصلية يمكن التحقق من أرشيفها بصورة مستقلة.
وتتقاطع رواية الأم مع المعلومات المتداولة عن التحاق إبراهيم بالحزب عام 1996، حين كان في نحو الثالثة عشرة من عمره، إذا صحت سنة ميلاده المتداولة، لكنها لا تقدم بمفردها توثيقًا مستقلًا لجميع تفاصيل تلك المرحلة.
هوشنك أوسي: الحزب صفّى جوان إبراهيم
في 5 آب 2022، تناول الصحفي هوشنك أوسي قضية إبراهيم في تسجيل مصور نشره على قناته في يوتيوب “مع هوشنك“، وقدم فيه رواية مباشرة تتهم حزب العمال الكردستاني بتصفية القائد السابق لـ”الأسايش”. وقال إنه نقل هذه المعلومات عن مصادر في جبال قنديل، حيث تتمركز قيادات الحزب.
ولم يقتصر اتهام أوسي على إبراهيم، بل تحدث عن تصفية قيادات أخرى، وذكر من بينهم نور الدين صوفي، ودوزدار حمو، وبوزان تكين، وعلي حيدر قيطان.
وفي السنوات اللاحقة، ظهرت إعلانات أو إقرارات من الحزب بشأن وفاة بعض الأسماء التي ذكرها، بعد سنوات من طرح أوسي روايات عن تصفيتها. ومن الأسماء التي أمكن توثيق إعلان وفاتها نور الدين صوفي وعلي حيدر قيطان.
ففي 11 آب 2025، أعلنت “قوات الدفاع الشعبي” سجل القيادي نور الدين صوفي، وقالت إنه قتل في استهداف جوي تركي في 6 نيسان 2021 بمنطقة كاري. ونشرت وكالة “هاوار” في اليوم نفسه تقريرًا عن مراسم العزاء التي أقيمت له في كوباني، ثم تناولت في اليوم التالي تشييع جثمانه إلى مدينة القامشلي.
ويظهر هذا الإعلان أن الحزب كشف عن مقتله بعد أكثر من أربع سنوات على تاريخ الوفاة الذي حدده.
أما علي حيدر قيطان، المعروف بالاسم الحركي “فؤاد”، فأقر حزب العمال الكردستاني بوفاته في بيان نتائج مؤتمره الثاني عشر، الذي أعلن عنه في أيار 2025، وحدد تاريخ وفاته في 3 تموز 2018. ورد ذلك في بيان الحزب ونقلته وسائل إعلام تناولت إقراره بوفاة أحد مؤسسيه.
وفي روايته عن إبراهيم، ربط أوسي الخلافات التي سبقت اختفاءه بعلاقته السيئة بالقيادي في حزب العمال الكردستاني باهوز أردال. واتهم أردال بالإشراف على عمليات تصفية داخل الحزب، كما تحدث عن مزارع للحشيش في مناطق سيطرة الحزب داخل سوريا، قال إن عائداتها كانت تذهب إليه، ووصفه بأنه مسؤول عن “السلوكيات القذرة” للحزب.
وبحسب أوسي، فإن إبراهيم كان قد عمد إلى مداهمة تلك المزارع وإحراقها، وهو ما ساهم، وفق روايته، في تدهور علاقته بقيادات الحزب. هذه الاتهامات تظل منسوبة إلى أوسي، ولا يقدم التسجيل وحده وثائق أو أدلة مستقلة تثبت وجود المزارع أو ملكيتها أو دور القيادات التي ذكرها فيها.
كما تحدث أوسي عن تدهور العلاقة بين إبراهيم ومظلوم عبدي قبل اختفائه، وقال إن عبدي كان يرفع بحقه “تقارير كيدية” إلى قيادة الحزب في قنديل. وربط ذلك بالخلافات التي أحاطت بإبراهيم قبل إبعاده، من دون أن يقدم في التسجيل وثائق أو مراسلات يمكن من خلالها التحقق بصورة مستقلة من مضمون تلك التقارير أو طبيعة العلاقة بين الرجلين.
ووضع أوسي تصريحات إبراهيم عن إيران في صلب روايته لأسباب تصفيته، معتبرًا أن حديثه عن خطورة المشروع الإيراني، وقوله إنه لا يمانع دخول “بيشمركة روج آفا”، شكّل تجاوزًا للخطوط الحمراء لدى الحزب. وقال إن إيران كانت حليفًا وداعمًا للحزب، وإن انتقادها بهذه الصيغة لم يكن مقبولًا لدى قيادته، وإن إبراهيم استُدعي إلى قنديل ثم صُفّي.
وتكتسب رواية أوسي أهمية لكونها اتهامًا معلنًا ومباشرًا صدر في تسجيله الأصلي عام 2022، لا مجرد تداول لاحق لاتهام منسوب إليه. لكنها تبقى رواية مصدر واحد، حتى مع قوله إنه يستند إلى مصادر داخل قنديل، إذ لم تُنشر معها أسماء تلك المصادر أو وثائق تؤكد تفاصيل عملية الاستدعاء أو التصفية، كما لم يصدر رد موثق من الحزب على هذه الاتهامات ضمن المواد التي يتناولها هذا التحقيق.
روايتان حول مصيره.. التصفية أم الغارة؟
لم تكن رواية التصفية الداخلية الوحيدة التي طُرحت خلال سنوات اختفاء إبراهيم. ففي حزيران 2020، نشر موقع “داركا مازي” (وهو موقع كردي مناوئ لحزب العمال الكردستاني) تقريرًا تناول احتمال مقتله في غارة تركية استهدفت مواقع في جبال قنديل خلال خريف 2018، إلى جانب احتمال تصفيته داخل الحزب.
ولم يحسم التقرير بين الروايتين، مشيرًا إلى عدم توافر معلومات قاطعة تسمح بتحديد ما حدث له.
وتوثق بيانات تركية وتقارير إخبارية وقوع غارات جوية على مواقع لحزب العمال الكردستاني في شمالي العراق، بما فيها مناطق قريبة من قنديل وغارا، خلال تشرين الأول 2018. لكن توثيق وقوع الغارات لا يثبت أن إبراهيم كان موجودًا في المواقع المستهدفة، أو أنه قُتل في إحداها، إذ لم يظهر في المواد المتاحة إعلان تركي يذكر اسمه ضمن القتلى.
وفي تقرير آخر نشره الموقع نفسه في شباط 2021، اتخذت رواية التصفية الداخلية مساحة أكبر، مع اتهام قيادة الحزب بالوقوف وراء اختفاء إبراهيم ومقتله. غير أن هذا الطرح لم يترافق مع أدلة مادية منشورة تحسم ملابسات الوفاة أو تحدد مكانها وتاريخها.
وبذلك ظلت فرضيتا الغارة والتصفية حاضرتين في التغطيات التي تناولت مصيره، من دون أن تتوافر أدلة مستقلة كافية لترجيح إحداهما بصورة قاطعة. وجاء تسجيل أوسي في آب 2022 ليقدم اتهامًا أكثر مباشرة، لكنه لم ينهِ فجوة المعلومات المتعلقة بمكان إبراهيم في السنوات التي تلت اختفاءه.
إعلان بعد سنوات من الغياب.. وأسئلة بلا إجابات
في 3 تشرين الثاني 2026، أدرجت وكالة هاوار اسم جوان إبراهيم ضمن قائمة المقاتلين الذين قالت إنهم قتلوا في أوقات وأماكن مختلفة.
ولم يحدد الإعلان ما إذا كان مقتله قد وقع في قنديل أو في منطقة أخرى، كما لم يذكر سنة الوفاة أو ظروفها، ولم يوضح إن كان قد قُتل في غارة جوية أو معركة أو في ظروف مختلفة.
ويعيد الإعلان طرح أسئلة بقيت بلا إجابة منذ إبعاده عن قيادة الأسايش في أيلول 2017: أين كان إبراهيم طوال سنوات اختفائه؟ ومتى توفي؟ وأين قُتل؟ وهل كان استدعاؤه إلى قنديل مرتبطًا فعلًا بتصريحاته عن إيران، كما قال أوسي؟ وهل كانت هناك خلافات تنظيمية أخرى تتعلق بعلاقاته مع قيادات الحزب، كما ورد في روايته؟
كما يثير النداء القديم لوالدته سؤالًا آخر يتعلق بمصير العائلة التي ظلت تطالب بمعرفة مكان ابنها، منذ انقطاعه عنها في سن مبكرة، ثم بعد اختفائه عن المشهد العام. فإعلان مقتله لا يقدم، بحد ذاته، إجابة عن السنوات التي غاب فيها أو عن الظروف التي انتهت بها حياته.
وبين رواية الأم التي اتهمت الحزب بأخذ ابنها في طفولته، ورواية أوسي التي اتهمت الحزب بتصفيته بعد خلافات داخلية، والإعلان الأخير الذي اكتفى بإدراج اسمه ضمن قائمة قتلى، يبقى مصير جوان إبراهيم محاطًا بفجوات توثيقية لم يسدها إعلان مقتله.
ولا تتوافر، حتى الآن، معلومات منشورة تكفي لتحديد تاريخ الوفاة ومكانها وملابساتها بصورة مستقلة.
