شهدت مدينة الحسكة، اليوم الأربعاء 4 من تشرين الثاني، توترًا أمنيًا أعقب خروج احتجاجات متقابلة، على خلفية مطالب تتعلق بتدريس اللغة الكردية في المدارس، واعتراضات على تعطيل العملية التعليمية وإخراج الطلاب من مدارسهم، وسط تدخل قوى الأمن الداخلي لمنع وقوع صدام بين الطرفين.
وتجمّع محتجون مؤيدون لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلّة أمام مبنى محافظة الحسكة، مطالبين بزيادة حصص اللغة الكردية في المناهج الدراسية، ورفعوا الأعلام الكردية خلال الاحتجاج، وذلك بعد يوم من اقتحام محتجين مبنى مديرية التربية في المدينة، احتجاجًا على المناهج التعليمية المعتمدة.
في المقابل، خرج محتجون من عدد من أحياء المدينة، معترضين على تعطيل العملية التعليمية وإخراج الطلاب من المدارس، ومطالبين بفرض الأمن ومنع استخدام المؤسسات التعليمية في الاحتجاجات السياسية.
وشهد محيط مبنى المحافظة تراشقًا بالحجارة بين الجانبين، قبل تدخل قوى الأمن الداخلي وفض الاحتجاجين ومنع تطور المواجهة، وأسفر التراشق عن إصابة عنصر من قوى الأمن الداخلي، بحسب المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي.
وتأتي هذه التطورات في ظل خلافات بشأن المناهج التعليمية واللغة الكردية، بالتزامن مع استمرار عملية دمج المؤسسات الحكومية والخدمية والأمنية في محافظة الحسكة، بعد الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد” في كانون الثاني الماضي.
اتهامات بإخراج الطلاب من المدارس
قال الناشط أحمد ظاهر إن “الشبيبة الثورية” تنفذ منذ عدة أيام تحركات في مدارس مدن الحسكة والقامشلي والدرباسية ومعبدة، تتضمن إخراج الطلاب من صفوفهم بالقوة وتنظيم احتجاجات، معتبرًا أن هذه الممارسات أدت إلى تعطيل العملية التعليمية في عدد من المناطق.
وأضاف ظاهر، لعنب بلدي، أن عناصر من “الشبيبة الثورية” اقتحموا، الثلاثاء 3 من تشرين الثاني، مبنى مديرية التربية في الحسكة، وأوقفوا الدوام وسير معاملات المراجعين لعدة ساعات، مشيرًا إلى أنهم حاولوا تكرار الأمر ذاته، الأربعاء، في مبنى المحافظة.
وأوضح أن مدينة الدرباسية شهدت اقتحام مدارس من قبل عناصر قال إنهم كانوا يحملون أسلحة، الأمر الذي حال، بحسب قوله، دون اعتراض الكوادر التعليمية على إخراج الطلاب، خشية تعرضهم للاعتداء.
وأشار ظاهر إلى أن التحركات في الدرباسية تخللتها أعمال شغب، شملت تمزيق كتب اللغة العربية والدهس عليها وإهانتها، بحسب وصفه.
وفي مدينة معبدة، اتهم ظاهر عناصر من “الشبيبة الثورية” بقطع الطريق العام الواصل باتجاه المالكية، والاعتداء على عدد من المحال التجارية، إلى جانب تنفيذ أعمال شغب في المنطقة.
وانتقد الناشط ما وصفه بعدم تدخل قوات “الأسايش” المندمجة ضمن قوى الأمن الداخلي، لإيقاف إخراج الطلاب من المدارس بالقوة، رغم تكرار هذه الممارسات خلال الأيام الماضية.
ولم تتضمن المعلومات المتاحة لعنب بلدي ردًا من الجهات التابعة لـ”قسد” على الاتهامات المتعلقة بإخراج الطلاب من المدارس والاعتداء على الممتلكات وتمزيق الكتب المدرسية.
مطالب بعدم تعطيل التعليم
من جهته، قال عبد الرحمن الحسن، وهو من سكان مدينة الحسكة، إن الاعتراض على تعطيل العملية التعليمية لا يعني رفض المطالب المتعلقة بتدريس اللغة الكردية، مضيفًا أن المطالب السلمية التي لا تؤثر في عمل المؤسسات ولا توقف التعليم لا تشكل موضع اعتراض بالنسبة إليه.
وأضاف لعنب بلدي أن الاعتراض ينصب على محاولات تعطيل المدارس وإيقاف عمل المؤسسات، وإجبار الطلاب على المشاركة في الاحتجاجات، معتبرًا أن الزج بالطلاب في هذه التحركات ينعكس على استقرار العملية التعليمية.
ووصف الحسن ما جرى قرب مبنى المحافظة بأنه مشهد استفزازي ينذر بتصاعد التوتر بين السكان، محذرًا من أن تتحول الاحتجاجات إلى مواجهات في الشارع أو أن تؤدي إلى ردود فعل تزيد من حدة الانقسام.
وطالب الحكومة السورية بفرض سيطرتها على عموم المحافظة، وتشغيل الدوائر الحكومية، ومنع تعطيلها من أي جهة كانت، مؤكدًا ضرورة استمرار المؤسسات في تقديم خدماتها للسكان.
بدوره، قال جمعة العبيد، وهو من سكان المدينة، إن منصات ونشطاء قال إنهم يتبعون لـ”قسد” ينفذون منذ عدة أسابيع حملات تحريض، ويحاولون وضع الطلاب في واجهة المطالب المتعلقة بالمناهج التعليمية.
وأضاف العبيد لعنب بلدي أن عناصر من “الشبيبة الثورية” يخرجون الطلاب يوميًا من المدارس بالقوة ويدفعون بهم إلى الشارع، مشيرًا إلى أنه لاحظ خلال الاحتجاجات وجود أشخاص ملثمين يرتدون ملابس سوداء، قال إنهم يتولون إدارة المظاهرات وتوجيه الهتافات المناوئة للمناهج الرسمية المعتمدة.
وأكد أن مطلبه يتمثل في تمكين الأطفال من متابعة تعليمهم دون تهديدات أو انقطاعات متكررة، معتبرًا أن استخدام المدارس والطلاب في التحركات السياسية، تحت غطاء المطالب التعليمية، ينعكس على انتظام الدراسة.
وطالب العبيد قوى الأمن الداخلي في الحسكة ببسط الأمن والاستقرار، ومنع الاقتراب من المدارس، مشددًا على ضرورة إبقاء المؤسسات التعليمية بعيدة عن التجاذبات والاحتجاجات التي تعطل عملها.
اللغة الكردية في المناهج الحكومية
تتزامن الاحتجاجات مع بدء تطبيق القرارات المتعلقة بتدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة، إذ سبق أن أصدر وزير التربية والتعليم، محمد عبد الرحمن تركو، في 27 آب الماضي، قرارًا بتعديل التعليمات التنفيذية الخاصة بتطبيق المرسوم رقم 13 لعام 2026، بما يتيح تدريس اللغة الكردية كلغة وطنية في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكرد نسبة ملحوظة من السكان.
وبحسب القرار الصادر عن وزارة التربية والتعليم، تُدرّس اللغة الكردية في جميع المراحل التعليمية، وتُدرج ضمن المناهج المعتمدة، من خلال مقرر اللغة الكردية بواقع ثلاث حصص أسبوعيًا، إلى جانب اللغة العربية والإنجليزية، على أن تدخل درجتها في المجموع النهائي للطالب.
كما نص القرار على تخصيص حصة أسبوعية لمادة الأنشطة باللغة الكردية، في إطار إدراجها ضمن العملية التعليمية في المدارس المشمولة بالقرار.
وأتاح القرار، تيسيرًا للمرحلة الانتقالية، للطلاب خلال العام الدراسي الأول التالي لنفاذه، دراسة مواد الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة باللغة العربية أو الكردية، وفق المناهج المعتمدة، على أن يقتصر هذا الخيار على عام دراسي واحد.
وكلّف القرار المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد المناهج الخاصة بمادة اللغة الكردية لجميع المراحل التعليمية، “وفق الأسس العلمية والتربوية المعتمدة، وبما يتوافق مع الإطار الوطني للمناهج”، إضافة إلى ترجمة مادة الأنشطة بما ينسجم مع دليل الأنشطة المعتمد.
ويأتي القرار في سياق معالجة ملف اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية الحكومية، بعد سنوات من اعتماد “الإدارة الذاتية” مناهج تعليمية خاصة بها في مناطق سيطرتها شمال شرقي سوريا، مقابل استمرار اعتماد المناهج الحكومية في مناطق أخرى.
خلافات التعليم في ظل مرحلة الدمج
وشهدت محافظة الحسكة خلال عام 2026 تغيرات ميدانية وإدارية، عقب سيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، بينما انكفأت “قسد” إلى المدن الرئيسية في المحافظة، وفي مقدمتها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 كانون الثاني الماضي، توصلت الحكومة السورية و”قسد” إلى اتفاق يقضي بالبدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن الهياكل الحكومية، وبدأ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا خلال شباط الماضي.
وفي 25 آب الماضي، أعلن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، حل القوات والتشكيلات التابعة لها، وبعد يومين أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومًا بتعيين عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية.
وتأتي الاحتجاجات الأخيرة في وقت لا تزال فيه ملفات الإدارة والتعليم والأمن في محافظة الحسكة تواجه تحديات مرتبطة بمرحلة الانتقال والدمج، وسط مطالب متباينة بشأن المناهج واللغة ودور المؤسسات الحكومية في إدارة شؤون المحافظة.
