من مدينة معرة مصرين في محافظة إدلب، بدأ محمود عبد الخالق بري رحلته الرياضية عام 2001، متنقلًا بين رياضة “التايكواندو” و”الكيك بوكسينغ”، ومراكمًا سنوات من التدريب والمنافسة والعمل على إعداد أجيال جديدة من الرياضيين، قبل أن يتوج مسيرته بإحراز المركز الأول والميدالية الذهبية في كأس العالم “للكيك بوكسينغ”، التي أقيمت في العاصمة الأوزبكية طشقند خلال تشرين الأول 2026.
لم يكن الوصول إلى منصة التتويج العالمية طريقًا سهلًا بالنسبة لبري، المولود عام 1988، إذ واجه خلال مسيرته صعوبات مادية ومحدودية فرص المشاركة الخارجية، إلى جانب تحديات تتعلق بتأمين مستلزمات التدريب والتطور الفني.
لكنه اتجه، إلى جانب المنافسة، نحو تأسيس الأكاديمية السورية الدولية للفنون القتالية واللياقة البدنية في معرة مصرين، بهدف تدريب المواهب الشابة وإعداد أبطال قادرين على تمثيل سوريا في البطولات المحلية والدولية.
يقول بري، في حديث إلى عنب بلدي، إن تتويجه العالمي يمثل ثمرة سنوات طويلة من العمل والتضحيات، وليس مجرد نتيجة بطولة واحدة، معتبرًا أن مسؤوليته اليوم لا تقف عند حدود الإنجاز الشخصي، بل تمتد إلى فتح الطريق أمام جيل جديد من الرياضيين السوريين.
من “التايكواندو” إلى “الكيك بوكسينغ”
بدأت مسيرة بري الرياضية عام 2001 من بوابة التايكواندو، وتمكن خلال سنوات ممارسته للعبة من إحراز بطولة الجمهورية السورية ست سنوات متتالية، وهو ما أهّله للانضمام إلى المنتخب الوطني والاستعداد للمشاركات العربية والدولية.
وفي عام 2011، انتقل إلى مرحلة جديدة بعد اختياره ضمن منتخب “الكيك بوكسينغ” للمشاركة في بطولة العالم التي أقيمت في مقدونيا، لكن مواقفه الثورية والظروف التي فرضها النظام آنذاك حالت دون تمكنه من السفر والمشاركة، بحسب روايته.
وعاد بري إلى محافظة إدلب، متمسكًا بمسيرته الرياضية، ومواصلًا العمل رغم التحديات التي واجهته، قبل أن يتجه إلى مجال التدريب وتأسيس مشروع رياضي خاص به.
من تحقيق البطولات إلى صناعة الأبطال
لم يحصر بري طموحه في تحقيق الإنجازات الفردية، بل عمل على نقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، فأسس الأكاديمية السورية الدولية للفنون القتالية واللياقة البدنية في مدينة معرة مصرين، واضعًا التدريب وإعداد المواهب في صلب مشروعه الرياضي.
كما تولى منصب أمين سر اتحاد “الكيك بوكسينغ” في محافظة إدلب قبل سقوط نظام الأسد، وأسهم في تطوير العمل الرياضي ودعم المواهب الشابة.
وحققت الفرق التابعة لناديه المركز الأول على مستوى الأندية لعدة سنوات متتالية.
وبعد سقوط نظام الأسد، واصل مشاركاته مع فريقه في بطولات الجمهورية للـ”كيك بوكسينغ” وبطولات الأندية، وتمكن من تحقيق المركز الأول على مستوى الجمهورية.
وعلى مستوى إعداد اللاعبين، يقول بري إن جهوده أسهمت في تخريج نحو 15 بطلًا للجمهورية، اختير خمسة منهم للانضمام إلى المنتخب الوطني، معتبرًا أن صناعة الأبطال تمثل جزءًا أساسيًا من رسالته الرياضية، ولا تقل أهمية عن تحقيق البطولات الشخصية.
وإلى جانب عمله الرياضي، يمتلك بري خبرة تقارب عشر سنوات في المجال الإنساني مع المنظمات، وهو ما يراه امتدادًا لاهتمامه بخدمة المجتمع ودعم الشباب والفئات الأكثر احتياجًا.
ذهبية العالم.. تتويج سنوات من العمل
محافظ إدلب يكرّم محمود عبد الخالق بري بعد نيله المركز الأول والميدالية الذهبية في بطولة كأس العالم للـ”كيك بوكسينغ” التي أقيمت في أوزبكستان ـ 25 تشرين الأول 2026 (مديرية الرياضة والشباب في إدلب)
شكّلت المشاركة في كأس العالم للـ”كيك بوكسينغ”، التي استضافتها العاصمة الأوزبكية طشقند بين 13 و18 تشرين الأول 2026، محطة بارزة في مسيرة بري، بعدما تمكن من إحراز المركز الأول والميدالية الذهبية في الوزن المفتوح لفئة الرجال (+94 كغ).
وشق بري طريقه نحو اللقب بالفوز على الهندي سينغ يادفيندر، قبل أن يواجه الأوزبكي ميرفايرز بارنوييف في النهائي، ويتمكن من التغلب عليه وحصد الميدالية الذهبية، رافعًا العلم السوري وممثلًا مدينته معرة مصرين ومحافظة إدلب في البطولة.
وجاء تتويج بري ضمن مشاركة سورية ضمت 11 لاعبًا، حققوا خلالها ست ميداليات، توزعت بين ذهبية واحدة وفضية وأربع برونزيات، في حصيلة عكست حضور المنتخب السوري في المنافسات.
يصف بري هذا التتويج بأنه حصيلة سنوات من العمل والتضحيات، خصوصًا في ظل الصعوبات التي رافقت مسيرته، مشيرًا إلى أن الوصول إلى المنافسات الدولية لم يكن متاحًا بسهولة بسبب ضعف الإمكانيات المادية وصعوبة تأمين مستلزمات التدريب والمشاركة في البطولات.
يشرح بطل العالم، التحديات التي واجهته، وهي محدودية فرص الاحتكاك الخارجي، وصعوبة الوصول إلى المدارس التدريبية الحديثة والتطورات الفنية والتحكيمية، مضيفًا أن الرياضيين اضطروا في مراحل كثيرة إلى تأمين احتياجاتهم بأنفسهم وتحمل تكاليف التدريب والسفر والتحضير، دون وجود دعم يتناسب مع حجم الجهد المبذول.
يضيف بري، أن أصعب ما واجهه لم يكن داخل الحلبة بقدر ما كان خارجها، لكنه حاول تحويل هذه الظروف إلى خبرة، والاستفادة من كل فرصة متاحة للتطور، حتى تمكن من الوصول إلى كأس العالم وتحقيق المركز الأول.
وبالنسبة له، فإن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الإنجازات، إذ تحتاج إلى الاستمرارية والانضباط وبيئة داعمة وفرص حقيقية تسمح للرياضي بالتطور والمنافسة.
ما الذي تحتاج إليه الرياضة السورية؟
يربط الرياضي بين تحقيق الإنجازات الرياضية وتوفير بيئة قادرة على احتضان المواهب، معتبرًا أن الرياضة السورية تمتلك قدرات تستحق الوصول إلى منصات التتويج العالمية، لكنها تحتاج إلى اكتشاف هذه المواهب وتوفير الإمكانيات اللازمة لتطويرها.
ويؤكد أن الوصول إلى البطولات الدولية يتطلب اهتمامًا بالتعلم والتطور المستمر، ومتابعة المستجدات الفنية والعلمية، والاستفادة من خبرات المدربين والرياضيين أصحاب التجربة، إلى جانب تأمين فرص الاحتكاك الخارجي والدعم والرعاية.
“التتويج العالمي ليست نهاية لمسيرتي، بل مسؤولية إضافية تجاه اللاعبين الذين أعمل على إعدادهم، حتى تتاح لهم ظروف أفضل من تلك التي واجهتها خلال سنواتي الرياضية”، يقول بري.
رسالة إلى الشباب السوري
يوجه بري رسالة إلى الشباب الراغبين في دخول المجال الرياضي، داعيًا إياهم إلى التعامل مع الرياضة باعتبارها مشروع حياة، لا مجرد هواية أو رغبة مؤقتة في تحقيق بطولة.
ويشدد على أهمية الصبر وعدم استعجال النتائج، معتبرًا أن البطولات تُبنى عبر سنوات من الالتزام والعمل اليومي، كما يدعو الرياضيين إلى الاهتمام بالتعلم والتطوير، والمحافظة على الأخلاق والتواضع واحترام المنافس وتقبل الخسارة كما يحتفلون بالفوز.
وبحسب بري، فإن الإرادة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها، إذ ينبغي على الرياضي أن يطلب العلم ويبحث عن الفرص، وأن يحصل على التدريب الجيد والدعم والرعاية التي تساعده على المنافسة.
ويختصر بطل العالم طموحه في أن يكون إنجازه بداية لطريق جديد أمام الرياضيين السوريين.
“أنا فخور بما حققته، لكن طموحي الحقيقي ليس أن أكون آخر بطل سوري يصل إلى منصة التتويج العالمية، بل أن أكون واحدًا من الذين يفتحون الطريق أمام عشرات الأبطال السوريين القادمين”.
محمود عبد الخالق بري
بطل العالم في “الكيك بوكسينغ”
