فقد طفل حياته وأُصيب 14 آخرون، بينهم أطفال ومعلمة، جراء انفجار جسم حربي يُرجح أنه من مخلفات الحرب داخل مدرسة “المحدثة” في مدينة زركان بريف الحسكة الشمالي الغربي، في حادثة تعيد تسليط الضوء على مخاطر الذخائر غير المنفجرة التي لا تزال تهدد حياة المدنيين في مناطق واسعة من المحافظة، ولا سيما الأطفال.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها عنب بلدي، وقع الانفجار أثناء لعب الأطفال داخل المدرسة، ما أدى إلى وفاة الطفل أحمد سنجار وإصابة 14 آخرين، بينهم طلاب ومعلمة من الكادر التعليمي.
وجرى نقل المصابين إلى مستشفيات الحسكة ومدينة تل تمر بريف المحافظة الغربي لتلقي العلاج، في حين أفادت مصادر طبية مطلعة لعنب بلدي بأن معظم الإصابات خفيفة، دون توفر تفاصيل إضافية عن الحالة الصحية لبقية المصابين أو الظروف الدقيقة التي أدت إلى وقوع الانفجار.
وتتضارب الروايات الأولية بشأن ملابسات الحادثة، إذ لم تتضح بعد طبيعة الجسم الذي انفجر، وما إذا كان موجودًا داخل المدرسة مسبقًا، أم أن أطفالًا جلبوه إلى المكان دون معرفة ماهيته، قبل العبث به وانفجاره.
وتأتي الحادثة في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية عمليات عسكرية وتغيرات في خطوط السيطرة، ما خلّف مخلفات حربية وأجسامًا غير منفجرة في عدد من المواقع والقرى والطرق، وسط استمرار عمليات إزالة الألغام والذخائر، التي لم تمنع وقوع حوادث جديدة.
مدارس خارج الاستخدام المدني
قال المحامي يوسف حسن لعنب بلدي إن الانفجار وما خلفه من ضحايا يسلّط الضوء مجددًا على المخاطر التي تهدد حياة المدنيين، ولا سيما الأطفال والطلاب داخل المؤسسات التعليمية.
وأوضح حسن أن عددًا من المدارس في المنطقة استُخدم خلال السنوات الماضية لأغراض عسكرية من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلّة، وتحولت بعض المنشآت التعليمية إلى مقار ونقاط عسكرية.
وأضاف أن المدارس التي استُخدمت لأغراض عسكرية ومحيطها تعرضت خلال الفترة الماضية لمخاطر القصف والانفجارات، مشيرًا إلى أن وجود المخلفات الحربية المتبقية فيها يجعلها مواقع شديدة الخطورة، خصوصًا مع عودة استخدامها لأغراضها التعليمية واستقبالها الطلاب.
وتطرح الحادثة، وفق هذه المعطيات، تساؤلات بشأن مدى خضوع المدارس والمنشآت العامة التي شهدت استخدامًا عسكريًا سابقًا لعمليات المسح الهندسي والتأكد من خلوها من الألغام والذخائر غير المنفجرة، قبل إعادة استخدامها واستقبال الأطفال فيها.
حوادث متكررة في أرياف الحسكة
ولا تعد إصابة الأطفال في زركان الحادثة الأولى من نوعها في ريف الحسكة، إذ أُصيب خمسة أطفال بجروح متفاوتة في 19 آب الماضي، إثر انفجار لغم أرضي أثناء رعيهم الأغنام في محيط قرية تل حمام غربي مدينة تل تمر.
ونُقل المصابون حينها إلى مستشفى الخابور في تل تمر، قبل تحويل حالتين إلى مستشفيات مدينة الحسكة لاستكمال العلاج، بسبب وضعهما الصحي.
وفي 27 من تشرين الأول الماضي، قتل ثلاثة شبان وأُصيب اثنان آخران، جراء انفجار لغم من مخلفات الحرب في قرية أم زر التابعة لمنطقة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي.
وذكرت مديرية إعلام الحسكة حينها أن الانفجار وقع في أرض زراعية كان الشبان يرعون الأغنام فيها، بينما تولت فرق الدفاع المدني نقل المصابين إلى المستشفى الوطني في الشدادي، بعد استجابة فرق الطوارئ وإدارة الكوارث للبلاغ وانتشال جثامين الضحايا.
عمليات إزالة الألغام مستمرة
في المقابل، تتواصل عمليات إزالة الألغام ومخلفات الحرب في مناطق مختلفة من أرياف الحسكة، خصوصًا على الطرق التي شهدت مواجهات عسكرية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها الطرق الواصلة بين تل تمر ورأس العين والدرباسية ورأس العين.
أعمال إزالة الألغام تتركز على طريق الدرباسية- رأس العين، والطريق الواصل بين تل تمر ورأس العين، إضافة إلى المناطق المحيطة بخطوط التماس السابقة والقرى الواقعة في ريفي زركان وتل تمر.
وكانت وزارة الدفاع، بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي وعدد من المنظمات، نفذت عمليات إزالة الألغام من الساتر الترابي الممتد من قرية الأسدية شرق رأس العين وصولًا إلى ناحية تل تمر، بهدف تأمين المنطقة وفتح الطرق أمام حركة المدنيين.
كما عملت منظمة “الوصال” (Reacho) في ريف زركان على إزالة الألغام من طريق الدرباسية- رأس العين، وأعلن مدير العمليات في المنظمة حينها أن أعمال التنظيف شملت نحو 80% من الطريق، ضمن خطة تتضمن إزالة المخلفات الحربية من مسافة تقدر بنحو كيلومترين.
في السياق؛ عملت فرق إزالة الألغام على تأمين الطرق المؤدية من تل تمر والدرباسية إلى رأس العين باعتبار ذلك مرحلة أولى، قبل الانتقال إلى تنظيف المناطق السكنية والزراعية.
وشملت العمليات، جهودًا تبذلها منظمة “ماك” (MAG) بالتعاون مع الفرق الهندسية التابعة للفرقة 60 في الجيش السوري، باستخدام الكاسحات الهندسية لتمشيط الطريق الواصل بين تل تمر ورأس العين وتأمين القرى المحيطة به.
مختصون أشاروا لعنب بلدي في حينها، إلى أن تأمين الطرق الرئيسية لا يعني انتهاء الخطر في المناطق المحيطة بها، إذ لا تزال الأراضي الزراعية والمراعي والطرق الفرعية بحاجة إلى عمليات مسح وإزالة، خصوصًا أن السكان يضطرون إلى سلوك مسارات مختلفة للوصول إلى أراضيهم وأعمالهم اليومية.
وتتصل عمليات إزالة الألغام أيضًا بملف عودة النازحين إلى مناطقهم، إذ كشف التحضير التي سبقت عودة سكان رأس العين المقيمين في الحسكة عن انتشار حقول ألغام في المنطقة الممتدة بين تل تمر ورأس العين.
وكانت فرق إزالة الألغام تعمل بدعم من كاسحات الألغام التابعة للجيش السوري، فيما تتولى قوى الأمن الداخلي تأمين المناطق الخطرة ومنع وصول المدنيين إليها حتى انتهاء عمليات التطهير.
التوعية وحماية المؤسسات التعليمية
من جهته، قال محمد خلف، العامل في مجال الاستجابة الأولية، لعنب بلدي إن الحادثة الأخيرة تعيد التأكيد على ضرورة اتخاذ خطوات جدية لحماية المدنيين وصون المؤسسات التعليمية، في وقت تتواصل فيه المطالبات بتنفيذ اتفاق الاندماج المعلن منذ بداية العام.
وأضاف أن من الضروري إخلاء المدارس من جميع المظاهر العسكرية، وإزالة مخلفات الحرب والمقذوفات غير المنفجرة منها ومن محيطها، بما يضمن عودة المؤسسات التعليمية إلى دورها المدني والتربوي، بعيدًا عن أي استخدامات عسكرية.
وشدد خلف على أهمية نشر الوعي بين الطلاب في المناطق التي شهدت نزاعات عسكرية، ولا سيما تلك التي يُحتمل وجود مخلفات حربية فيها، وتعريفهم بمخاطر الأجسام الغريبة وآليات التعامل معها، من خلال عدم الاقتراب منها أو لمسها أو محاولة نقلها، والإبلاغ عنها فورًا للجهات المعنية.
وتأتي هذه المطالب في ظل استمرار عمليات إعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في محافظة الحسكة، بعد التغيرات الميدانية التي شهدتها المحافظة مطلع عام 2026، عندما سيطر الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، مقابل انكفاء “قوات سوريا الديمقراطية” إلى المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 كانون الثاني الماضي، اتفقت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن هياكل الدولة، وبدأ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا خلال شباط.
وفي 25 آب الماضي، أعلن مظلوم عبدي حل “قوات سوريا الديمقراطية” والتشكيلات التابعة لها، قبل أن يصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، في 27 من الشهر نفسه، مرسومًا بتعيين عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية.
وبينما تتواصل عمليات إزالة الألغام وإعادة المؤسسات إلى العمل، تكشف الحوادث المتكررة عن استمرار المخاطر التي خلفتها سنوات المواجهات العسكرية، والحاجة إلى توسيع عمليات المسح الهندسي لتشمل المدارس والمنشآت العامة والمناطق السكنية والزراعية، وعدم الاقتصار على الطرق الرئيسية.
