قبل سنوات طويلة، كانت المقايضة جزءًا من التعاملات اليومية في الأرياف السورية، إذ يتبادل الناس الحبوب والزيتون ومنتجات المواشي وغيرها من السلع لتأمين احتياجات أخرى من دون الاعتماد الكامل على النقود.
واليوم، تعود الفكرة إلى الظهور في مجموعات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي في السويداء، حيث يعرض بعض السكان محاصيلهم ومنتجاتهم مقابل سلع يحتاجون إليها، في ظل صعوبات تسويق الإنتاج الزراعي وتراجع القدرة الشرائية.
في أحد المنشورات ضمن مجموعة محلية على فيسبوك، دعا أحد الأعضاء أصحاب الفائض من القمح والحمص واللوز والزيتون وزيت الزيتون والعنب والتفاح والزبيب والمواشي إلى عرض ما لديهم وما يحتاجون إليه، آملًا في أن تتيح المبادلة تأمين بعض الاحتياجات اليومية، في وقت بات فيه بيع المحاصيل وتغطية تكاليف المعيشة تحديًا أمام كثيرين.
ولقي المنشور تفاعلًا من أعضاء المجموعة، إذ عرض أحدهم نحو ثلاثة أطنان ونصف من القمح مقابل الماعز أو الأغنام، فيما كتب آخر أنه يريد مبادلة القمح بزيت الزيتون، وعرض أحدهم الدبس مقابل الزيت.
في المقابل، تعامل بعض المعلقين مع الفكرة بسخرية، عارضين القمح مقابل سلع مرتفعة الثمن، مثل السيارات والشقق والأراضي.
مبادلات لتأمين الاحتياجات
لم تقتصر المقايضة على العروض المنشورة في مجموعات التواصل الاجتماعي، بل لجأ بعض السكان إليها لتأمين احتياجاتهم، مستفيدين من منتجات متوفرة لديهم مقابل الحصول على سلع أخرى، من دون الحاجة إلى دفع ثمنها أو دفع جزء منها.
صفاء، وهي سيدة مهجّرة، قالت لعنب بلدي، إنه لم يكن لديها المبلغ الكافي لشراء تنكة زيت زيتون (16 كيلوغرامًا)، فاختارت مبادلة زيت نباتي (ثمانية ليترات) حصلت عليه ضمن مساعدة قدمتها الكنيسة قُدّر ثمنها بـ2500 مع دفع مبلغ 5000 لاستكمال قيمة تنكة زيت الزيتون.
وبادل “أبو أشرف” زيت الزيتون بدبس العنب، إذ أراد الحصول على الدبس، فاختار مبادلته بكمية من الزيت، وقال “أبو أشرف” لعنب بلدي، إنه أراد من خلال المبادلة الحصول على ما يحتاج إليه، وفي الوقت نفسه تسهيل الأمر على الطرف الآخر.
وفي قرية مياماس بريف السويداء، لجأ الستيني “أبو فهد” إلى مبادلة كمية من العنب الصالح لصناعة الدبس بحطب للتدفئة.
وقال “أبو فهد” لعنب بلدي، إن الكمية التي أراد مبادلتها كانت كبيرة، وإن بيعها كاملة كان سيضطره إلى خفض سعرها، لذلك اختار مبادلتها بالحطب، ما أتاح له إنجاز العملية بصورة أسرع.
المقايضة لتصريف المحاصيل
تأتي هذه المحاولات في وقت يواجه فيه معظم مزارعي السويداء صعوبات في تسويق محاصيلهم، رغم تحسن إنتاج بعض المحاصيل، كالقمح والعنب والتفاح.
وكانت عنب بلدي قد تناولت في تقارير سابقة التحديات التي تواجه المزارعين في تصريف الإنتاج الزراعي، إلى جانب تكاليف الزراعة والنقل، وهي عوامل تؤثر في قدرة المنتجين على تحقيق عائد مناسب من محاصيلهم.
وفي مثل هذه الظروف، قد تتيح المقايضة للمزارع الاستفادة من محصوله للحصول على احتياجات أخرى، من دون الاضطرار إلى بيعه نقدًا ثم استخدام المبلغ لشراء سلع يحتاج إليها.
إلى جانب العروض الفردية، طُرحت مقترحات لتوسيع نطاق تبادل المنتجات بين سكان المحافظة، من بينها إنشاء سوق شعبية متنقلة تجوب قرى السويداء، بحيث تعرض المنتجات المختلفة في قرية كل يوم كما في السابق.
في المقابل، يرى أهالٍ أنها لا يمكن أن تكون حلًا شاملًا لمشكلات التسويق، لأن المنتجات التي يملكها المزارعون قد تتشابه، في حين تختلف احتياجاتهم، كما أن بعض السلع والخدمات لا يمكن الحصول عليها بسهولة عن طريق المبادلة.
رغم العروض المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي والتجارب الفردية، لا يمكننا القول إن المقايضة عادت لتصبح ظاهرة واسعة في السويداء، لكنها تقدم أمثلة على لجوء بعض السكان إليها لتأمين احتياجاتهم والاستفادة من المنتجات المتوفرة.
فبين المقايضة التي عُرفت في الماضي، والمحاولات التي تظهر اليوم عبر مجموعات التواصل الاجتماعي والتجارب الفردية، تتغير الوسائل، لكن التحدي يبقى في كيفية الاستفادة مما يملكه السكان لتأمين ما يحتاجون إليه.
في حين قد توفر المقايضة لبعضهم حلًا جزئيًا لتصريف المحاصيل وتأمين الاحتياجات، لكنها لا تغني عن معالجة مشكلات التسويق الزراعي وتكاليف الإنتاج والنقل، ولا تضمن أن يجد كل منتج من يبادله محصوله بما يحتاج إليه.
