الحسكة أمام اختبار الأمطار.. بنية تحتية متهالكة وحلول مؤقتة

  • 2026/11/05
  • 12:05 م
بركة مياه واسعة في أحد شوارع حي العزيزية بمدينة الحسكة – 4 تشرين الثاني 2026 (عنب بلدي)

بركة مياه واسعة في أحد شوارع حي العزيزية بمدينة الحسكة – 4 تشرين الثاني 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

مع كل هطول مطري، تتحول شوارع في مدينة الحسكة إلى برك مائية تعوق حركة المارة والمركبات، وتدفع بعض السكان إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى منازلهم وأماكن عملهم، فيما يجد أهالي الأحياء التي تقع منازلهم في مستويات منخفضة أنفسهم أمام خطر تسرب المياه إلى بيوتهم.

ومع بدء موسم الأمطار هذا العام، عادت المشكلة إلى الواجهة، وسط شكاوى من انسداد شبكات الصرف الصحي وغياب حلول جذرية لمشكلة تتكرر مع كل شتاء.

في بعض شوارع المدينة، لا يقتصر تأثير تجمع مياه الأمطار على صعوبة عبور السيارات، بل يمتد إلى حركة المشاة الذين يضطرون إلى خوض المياه للوصول إلى وجهاتهم، وبينهم طلاب المدارس الذين يواجهون صعوبة في التنقل خلال ساعات الصباح، ولا سيما عندما تتزامن الأمطار مع مواعيد توجههم إلى المدارس وعودتهم منها.

ويزداد القلق لدى السكان مع توقعات باستمرار الهطولات المطرية خلال الأيام المقبلة، إذ يخشون أن تؤدي كميات إضافية من الأمطار إلى ارتفاع منسوب المياه في الشوارع، وتفاقم مشكلة التصريف، وصولًا إلى دخول المياه إلى المنازل أو ارتداد مياه الصرف الصحي عبر التمديدات المنزلية.

وتعيد هذه المشاهد تسليط الضوء على واقع البنية التحتية في المدينة، ولا سيما شبكات الصرف الصحي التي يقول سكان وناشطون إنها تعاني من التقادم والانسدادات، في وقت لم تشهد فيه بعض أجزائها عمليات تجديد شاملة منذ عقود.

مياه تعطل حركة السكان

قال أحمد الخليف، من حي العزيزية في مدينة الحسكة، لعنب بلدي، إن تجمع مياه الأمطار في الشوارع يسبب صعوبات يومية للسكان، خصوصًا عند اشتداد الهطولات المطرية، إذ تصبح بعض الطرق غير مناسبة لعبور المشاة، ويضطر الأهالي إلى البحث عن مسارات أخرى لتجنب المياه المتراكمة.

وأضاف أن المشكلة لا تتوقف عند صعوبة تنقل البالغين، بل تنعكس بصورة أكبر على الأطفال، وخصوصًا طلاب المدارس الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى المرور في شوارع غمرتها المياه، ما يعرض ملابسهم وأحذيتهم للبلل، ويجعل وصولهم إلى مدارسهم وعودتهم إلى منازلهم أكثر مشقة.

وأشار إلى أن بعض المنازل في الحي تقع أرضياتها بمستوى أدنى من الشارع، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة لدخول مياه الأمطار إليها عند ارتفاع منسوب المياه، ولا سيما في المواقع التي لا تستطيع شبكات التصريف استيعاب الكميات الهاطلة.

ويخشى أن تتفاقم المشكلة مع المنخفضات الجوية المقبلة، في ظل عدم وجود معالجة واضحة لأسباب تجمع المياه، مطالبًا الجهات المعنية بالعمل على صيانة شبكات الصرف الصحي وتجديد الأجزاء المتضررة منها، بدل الاكتفاء بالتدخلات المؤقتة التي لا تمنع تكرار المشكلة.

وفي حي غويران، وصف علي سرحان لعنب بلدي معاناة السكان مع تجمع المياه في الشوارع بأنها مشكلة تتكرر مع الأمطار، وتؤثر في تفاصيل حياتهم اليومية، من الخروج إلى العمل وتأمين الاحتياجات المنزلية، إلى حركة الأطفال الذين يتوجهون إلى مدارسهم في أجواء تصبح فيها الطرق صعبة العبور.

وقال علي إن المياه المتراكمة تجعل التنقل في بعض الشوارع محفوفًا بالمشقة، إذ لا يستطيع المشاة دائمًا معرفة عمق المياه أو طبيعة الطريق تحتها، ما يضطرهم إلى السير بحذر أو الالتفاف عبر شوارع أخرى، بينما تواجه السيارات صعوبة في المرور عندما ترتفع المياه.

ولفت إلى أن المشكلة قد تتجاوز تجمع مياه الأمطار في الشوارع، إذ تتسبب الانسدادات في بعض الأحيان بانتقال المشكلة إلى داخل المنازل، سواء من خلال تسرب المياه أو تأثر تمديدات الصرف الصحي المنزلية، خصوصًا خلال فترات المطر الغزير.

وأضاف أن العائلات التي تضم أطفالًا وكبارًا في السن تكون أكثر تأثرًا بهذه الظروف، بسبب صعوبة خروج أفرادها من المنازل أو الوصول إلى الخدمات الأساسية عندما تغمر المياه الطرق المحيطة بها.

وطالب الجهات المسؤولة بوضع خطة لمعالجة المشكلة قبل اشتداد الموسم المطري، وعدم انتظار وقوع أضرار في المنازل أو تعطل الطرق حتى تبدأ أعمال الصيانة، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل تأثير الهطولات المقبلة أكبر على السكان.

أما محمد اليونس، من حي المعيشية، فقال لعنب بلدي إن تجمع مياه الأمطار يضع سكان الحي أمام صعوبات تتكرر مع كل هطول غزير، وخصوصًا في الشوارع التي تعاني من ضعف التصريف أو انسداد المجاري.

وأضاف أن الأطفال وطلاب المدارس من أكثر الفئات تأثرًا، إذ يجدون صعوبة في عبور الشوارع المغمورة بالمياه، بينما تضطر بعض العائلات إلى مرافقتهم أو البحث عن طرق أكثر أمانًا لإيصالهم إلى مدارسهم.

ويمثل دخول المياه إلى بعض المنازل مصدر قلق للسكان، بحسب محمد، ولا سيما البيوت التي تقع أرضياتها دون مستوى الشارع، إذ يمكن أن تتجمع المياه أمام مداخلها وتتسرب إلى داخلها مع استمرار الهطولات، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بارتداد مياه الصرف الصحي عند انسداد الشبكات.

ويخشى أن تتكرر الأضرار خلال المنخفضات الجوية المقبلة، إذا لم تتخذ إجراءات سريعة لمعالجة الانسدادات ورفع كفاءة شبكات التصريف، مؤكدًا أن الحل لا ينبغي أن يقتصر على سحب المياه بعد تجمعها، بل يجب أن يبدأ من إصلاح الشبكات التي يفترض أن تستوعب مياه الأمطار وتصرفها.

ويرى أن تجديد شبكات الصرف الصحي بات ضرورة، خصوصًا أن أجزاء منها قديمة ولم تخضع للصيانة والتحديث اللازمين، مطالبًا الجهات المعنية بتحديد الأحياء الأكثر تضررًا والبدء بمعالجة مشكلاتها بصورة جدية.

شبكات قديمة وحلول مؤقتة

في قراءة لأسباب المشكلة، قال الناشط أحمد محمد لعنب بلدي، إن شبكات الصرف الصحي في مدينة الحسكة تعاني من مشكلات مستعصية، تراكمت على مدى سنوات، وأصبحت تظهر بصورة أوضح مع بداية موسم الأمطار، نتيجة تقادم الشبكات ووجود مقاطع متضررة أو متوقفة عن العمل.

وأضاف أن البلديات التي كانت تتبع لـ”الإدارة الذاتية” اعتمدت خلال السنوات الماضية على حلول “ترقيعية”، ولم تطلق مشاريع واسعة النطاق لتحديث شبكات الصرف الصحي داخل المدينة، إذ اقتصرت أعمالها غالبًا على معالجة مقاطع محددة عندما كانت تحدث فيها انسدادات تؤثر بصورة واضحة في بقية الشبكة.

وأشار محمد إلى أن بعض مقاطع شبكات الصرف الصحي توقفت عن العمل بشكل كامل منذ عدة سنوات، نتيجة أخطاء ارتُكبت خلال عمليات التجديد أو بسبب انسدادات حدثت في أثناء أعمال التزفيت، معتبرًا أن تنفيذ بعض الأعمال جرى بعشوائية واضحة، في ظل نقص الخبرات لدى البلديات التي كانت تتولى هذه المهام.

ولفت إلى أن تقادم الشبكات يشكل عاملًا أساسيًا في تفاقم المشكلة، إذ إن أجزاء منها أُنشئت منذ عقود ولم تخضع للتجديد المطلوب، ما جعل قدرتها على استيعاب مياه الأمطار وتصريفها تتراجع، بالتزامن مع اتساع المشكلات عامًا بعد آخر.

وقال إن البلديات كانت تعمل قبل دخول فصل الشتاء على تعزيل فتحات تصريف مياه الأمطار، وهو إجراء كان يساعد جزئيًا في تصريف كميات من المياه ويخفف من تجمعها في الشوارع، إلا أن هذا العام شهد تراجعًا في هذه الأعمال، بحسب تقديره.

ويربط الناشط ذلك بإشكالات عملية دمج المؤسسات الخدمية في محافظة الحسكة، إذ بقي هيكل بلدية الحسكة التابعة لـ”الإدارة الذاتية” خارج التفعيل الرسمي حتى الآن، ولم يكتمل دمجه مع البلدية الحكومية، ما انعكس على مستوى الجاهزية والاستجابة للمشكلات الخدمية.

وأضاف أن عدم وضوح الميزانيات المخصصة لأعمال الصيانة والتأهيل لدى الهيكلين القائمين حتى الآن أسهم بدوره في تفاقم المشكلة، في ظل غياب خطة عمل مشتركة واضحة للتعامل مع احتياجات المدينة قبل موسم الأمطار.

وبحسب محمد، فإن معالجة المشكلة تتطلب الانتقال من التدخلات المحدودة إلى مشاريع فعلية لتأهيل الشبكات، تبدأ بتحديد المقاطع المتوقفة أو المتضررة، وإجراء تقييم فني شامل لحالتها، ثم العمل على استبدال الأجزاء التي لم تعد صالحة للاستخدام، بدل الاكتفاء بفتح الانسدادات عند وقوعها.

منخفض جوي يزيد المخاوف

تأتي شكاوى سكان الحسكة بالتزامن مع توقعات بهطولات مطرية خلال الأيام المقبلة، إذ أفاد المركز الوطني للأرصاد الجوية بأن منخفضًا جويًا مصحوبًا بكتلة هوائية باردة نسبيًا يبدأ تأثيره على المنطقة اعتبارًا من اليوم، الخميس 5 من تشرين الثاني، ويستمر حتى الأحد المقبل، بفعالية جوية تتراوح بين المتوسطة والعالية.

ووفقًا للمركز، تصاحب المنخفض هطولات مطرية غزيرة وعواصف رعدية، إلى جانب انخفاض ملموس في درجات الحرارة ونشاط لافت في سرعة الرياح، مع توقع وصول المنخفض إلى ذروته يومي الجمعة والسبت، ولا سيما في أقصى شمال شرق الجزيرة والمناطق الساحلية والشمالية الغربية.

تحديات دمج المؤسسات الخدمية

تتصل مشكلات الخدمات والبنية التحتية في الحسكة بواقع إداري شهد تغيرات خلال العام الحالي، عقب التطورات الميدانية التي شهدتها المحافظة مطلع عام 2026، عندما سيطر الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وقسم من الأرياف الغربية، في حين انكفأت “قوات سوريا الديمقراطية” إلى المدن الرئيسية، ومنها الحسكة والقامشلي.

وأدى ذلك إلى حالة من الانقسام في الإدارة والسيطرة على مناطق المحافظة، قبل أن تتوصل الحكومة السورية و”قسد” في 29 من كانون الثاني إلى اتفاق يقضي بالبدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الوزارية الحكومية، وهي عملية بدأت تدريجيًا خلال شباط الماضي.

وفي 25 من آب، أعلن قائد “قسد”، مظلوم عبدي، حل القوات والتشكيلات التابعة لها، فيما أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، بعد يومين، مرسومًا بتعيين عبدي مستشارًا في رئاسة الجمهورية.

لكن عملية دمج المؤسسات الخدمية لم تنتهِ بصورة كاملة، وفق ما يطرحه الناشط أحمد محمد بشأن واقع بلدية الحسكة، وهو ما يثير تساؤلات حول آليات توزيع المسؤوليات والميزانيات بين الجهات القائمة، وقدرتها على الاستجابة للاحتياجات الخدمية المتراكمة في المدينة.

مقالات متعلقة

  1. داريا.. الأمطار تعيد أزمة الصرف الصحي إلى واجهة معاناة الأهالي
  2. حلب.. الأمطار تفاقم أزمة شوارع صلاح الدين  
  3. شوارع دمشق تطوف بالمياه رغم قلة الأمطار.. ما السبب؟ (فيديو)
  4. أنفاق عسكرية تعيق صيانة شبكات الصرف في رأس العين

خدمات محلية

المزيد من خدمات محلية