أعدّت اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب السوري مسودة أولية لمدونة السلوك النيابية، بعد عدة جلسات عمل، استنادًا إلى الفقرة الرابعة من المادة “35” من النظام الداخلي للمجلس، وسلّمتها إلى رئاسة المجلس لمناقشتها وإقرارها، حسبما أعلن مجلس الشعب، في 5 من تشرين الثاني.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار تنظيم العمل الداخلي للمجلس، بعد إقرار نظامه الداخلي الذي حدد اختصاصاته التشريعية والرقابية وآليات عمله.
ويطرح إعلان المسودة تساؤلات حول حدود الضوابط التي ستفرضها على النواب، ومدى إلزاميتها، والجهة المسؤولة عن مراقبة تطبيقها، فضلًا عن مدى قدرتها على ضبط السلوك النيابي دون التأثير في حرية التعبير والمواقف السياسية للأعضاء.
مدونة السلوك.. تنظيم الممارسة النيابية وتعزيز الثقة بالمجلس
يطرح إعداد مدونة خاصة بأعضاء مجلس الشعب، تساؤلات حول طبيعة هذه القواعد، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والمبادئ التي تستند إليها.
وأوضح نائب رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب، هشام الأفيوني، أن المدونة تمثل إطارًا من القواعد والمبادئ المهنية والأخلاقية التي تنظم سلوك النائب أثناء ممارسة مهامه، وتحدد المعايير التي تحكم علاقته بالمجلس وزملائه والمؤسسات العامة والمواطنين.
وقال الأفيوني، في حديث مع عنب بلدي، أن الهدف منها لا يتمثل في فرض قيود إضافية على النواب، وإنما في تعزيز الثقة بالمؤسسة التشريعية وترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمسؤولية والمساءلة، بما يتناسب مع طبيعة الصفة التمثيلية التي يحملها عضو المجلس.
وتقوم المسودة، بحسب الأفيوني، على مبادئ أساسية تشمل احترام الدستور والقانون، وتغليب المصلحة العامة، والمحافظة على استقلالية القرار النيابي، ومنع استغلال الصفة النيابية، واحترام الاختلاف في الرأي، والالتزام بأصول الحوار والعمل المؤسسي.
واعتبر أن المدونة تشكل جزءًا من عملية بناء تقاليد برلمانية سليمة، تؤسس لممارسة نيابية مسؤولة وتحافظ على مكانة المجلس وهيبته وثقة المواطنين به.
سلوك النائب.. ضوابط داخل المجلس وخارجه
عادة، لا تنفصل ممارسة النائب لمهامه عن طبيعة الموقع التمثيلي الذي يشغله، وما يرتبط به من صلاحيات ومسؤوليات.
وتبرز هنا مسألة الحدود الفاصلة بين استخدام الصفة النيابية في أداء الواجبات العامة، وتوظيفها لتحقيق مصالح شخصية، إلى جانب الضوابط المتعلقة بسلوك الأعضاء داخل المجلس وخارجه، ومنع تضارب المصالح.
وتتناول المسودة، وفق الأفيوني، سلوك النائب في الجانبين، مع وضع ضوابط مختلفة لطبيعة الممارسة داخل المجلس وخارجه.
فعلى مستوى العمل الداخلي، تشمل القواعد احترام النظام الداخلي وأصول النقاش والزملاء، والامتناع عن الإساءة الشخصية أو تعطيل أعمال المجلس، إلى جانب ممارسة المهام التشريعية والرقابية بمسؤولية وموضوعية.
أما خارج المجلس، فتؤكد الضوابط أن الصفة النيابية لا تمنح صاحبها امتيازًا شخصيًا، ولا يجوز استخدامها للحصول على منافع خاصة أو ممارسة ضغوط غير مشروعة على المؤسسات العامة أو التدخل في أعمالها خارج الأطر القانونية.
ويبرز منع تضارب المصالح ضمن المحاور الأساسية للمسودة، إذ لا يجوز للنائب توظيف موقعه لتحقيق منفعة شخصية له أو لغيره، مع ضرورة الإفصاح عن المصالح التي يمكن أن تؤثر في حياده أثناء ممارسة مهامه.
وامتدت الضوابط إلى التصريحات والممارسات الإعلامية، بما فيها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع التمييز بين حرية التعبير والنقد المشروع من جهة، والإساءة أو إفشاء المعلومات المحمية قانونًا أو استغلال الصفة النيابية من جهة أخرى.
الإلزامية والرقابة.. لجنة مختصة لتلقي الشكاوى
لا تتوقف فاعلية مدونات السلوك على صياغة القواعد وتحديد الالتزامات، بل ترتبط بمدى إلزاميتها والجهات المسؤولة عن متابعة تنفيذها.
وأوضح الأفيوني، أن أحكام المدونة ستصبح ملزمة لجميع أعضاء مجلس الشعب بعد إقرارها، استنادًا إلى النظام الداخلي للمجلس، لتكون إطارًا ناظمًا للسلوك النيابي والالتزامات الواجب مراعاتها أثناء ممارسة المهام.
وبحسب الأفيوني، ستتولى لجنة مختصة يجري اختيارها لهذه الغاية مراقبة الالتزام بأحكام المدونة، ومتابعة تطبيق بنودها، وتلقي الشكاوى المتعلقة بالمخالفات السلوكية ودراستها والتحقق منها.
وأشار إلى أن إجراءات التعامل مع المخالفات ستقوم على قواعد تضمن الحياد والموضوعية وعدم الانتقائية، مع مراعاة الضمانات القانونية، وفي مقدمتها حق النائب في الاطلاع على المخالفة المنسوبة إليه وتقديم دفاعه.
وتتم معالجة المخالفات واتخاذ الإجراءات بشأنها وفق الاختصاصات والجزاءات المحددة في النظام الداخلي للمجلس، بحسب الأفيوني، الذي أكد أن الغاية من المدونة ليست تقييد حرية النواب أو محاسبتهم على آرائهم ومواقفهم السياسية، وإنما تنظيم الواجبات المرتبطة بالصفة النيابية وتعزيز النزاهة والمساءلة والثقة بالمؤسسة التشريعية.
العقوبات.. تدرج بحسب طبيعة المخالفة
يشكل تحديد العواقب المترتبة على مخالفة قواعد السلوك جزءًا أساسيًا من تنظيم عمل المؤسسات التشريعية، إذ يقتضي وجود إجراءات تتناسب مع طبيعة المخالفة ودرجة خطورتها.
ويطرح ذلك تساؤلات حول أنواع الإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق النائب، ومدى وجود تدرج في التعامل مع المخالفات، والجهة المخولة بتحديدها وتطبيقها
وتعتمد المسودة، وفق الأفيوني، مبدأ التدرج والتناسب بين طبيعة المخالفة والإجراء المتخذ، مع التمييز بين المخالفات السلوكية البسيطة وتلك الجسيمة أو المتكررة.
وتشمل الإجراءات المطروحة التنبيه والإنذار الخطي، والمطالبة بتصحيح المخالفة أو إزالة آثارها، واللوم، وصولًا إلى إحالة المخالفات الجسيمة إلى الجهة المختصة وفق النظام الداخلي للمجلس.
لكن الأفيوني أوضح أن المدونة لا يمكن أن تنشئ عقوبات أو صلاحيات تأديبية خارج ما يجيزه النظام الداخلي والتشريعات النافذة، مشيرًا إلى ضرورة إخضاع أي مساءلة لضمانات قانونية تبدأ بالتحقق من المخالفة وإبلاغ النائب بما ينسب إليه، وتمكينه من الدفاع عن نفسه.
كما تتطلب الإجراءات صدور قرار معلل عن الجهة المختصة، مع إتاحة وسائل الاعتراض وفق الأصول، بحسب الأفيوني.
وتستهدف هذه الإجراءات، وفق توضيحه، تصحيح السلوك المخالف وحماية العمل المؤسسي، وضمان المساواة بين جميع أعضاء المجلس في تطبيق القواعد، وليس فرض العقوبة بحد ذاتها.
حرية التعبير.. فصل المواقف السياسية عن المخالفات السلوكية
تطرح مدونة السلوك تحديًا يتعلق بحدود تنظيم تصرفات النواب دون المساس باستقلالية مواقفهم، خصوصًا أن العمل النيابي يتضمن ممارسة الرقابة وانتقاد أداء الحكومة والمجلس ومؤسساته، إلى جانب المشاركة في العملية التشريعية.
وأكد الأفيوني أن حرية النائب في التعبير عن آرائه ومواقفه السياسية والتشريعية والرقابية، بما فيها انتقاد الحكومة وأداء المجلس ومؤسساته، من المسائل التي راعتها اللجنة عند إعداد المسودة، انطلاقًا من أن النائب يمثل الشعب ويمارس مهامه باستقلالية.
وأوضح أن المسودة تميز بين الاختلاف في الرأي، باعتباره حقًا أصيلًا للنائب، وبين المخالفة السلوكية المرتبطة بأفعال محددة، مثل الإساءة الشخصية أو التهديد أو استغلال الصفة النيابية أو مخالفة القواعد القانونية.
وشدد على أن المدونة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لفرض رأي الأكثرية على الأقلية، أو تقييد النقد المشروع، أو محاسبة النائب لمجرد اتخاذه موقفًا مخالفًا لرئاسة المجلس أو الحكومة أو زملائه.
وأضاف أن من أهدافها حماية التعددية داخل المجلس واحترام الآراء المختلفة، ومنع استخدام المواقع الإدارية أو التنظيمية للتضييق على أي نائب بسبب مواقفه.
واعتبر الأفيوني أن الاختلاف السياسي لا يشكل مخالفة مسلكية، وأن قوة المؤسسة التشريعية لا تقوم على توحيد آراء أعضائها، وإنما على قدرتها على إدارة الاختلاف بصورة مؤسسية تحترم القانون وحقوق الجميع، مؤكدًا أن المدونة يجب أن تكون ضمانة لحرية العمل النيابي المسؤول لا قيدًا عليه.
إقرار المدونة.. مناقشتها في الجلسة المقبلة
تنتقل المسودة بعد إحالتها إلى رئاسة مجلس الشعب إلى مرحلة المناقشة داخل المجلس، حيث تتاح للأعضاء فرصة إبداء ملاحظاتهم واقتراح التعديلات قبل اعتماد الصيغة النهائية.
وقال الأفيوني إن اللجنة الدستورية والتشريعية أنجزت إعداد المسودة وأحالتها إلى مكتب مجلس الشعب، الذي أدرجها على جدول أعمال الجلسة المقبلة تمهيدًا لمناقشتها وإقرارها.
وستُعرض المدونة على أعضاء المجلس تحت القبة، لمناقشة أحكامها وتقديم الملاحظات والتعديلات اللازمة، وصولًا إلى اعتماد صيغتها النهائية.
وبعد إقرارها وفق الأصول، تصبح أحكامها ملزمة لجميع النواب، وتُطبق وفق الآليات والإجراءات المنصوص عليها فيها وفي النظام الداخلي للمجلس.
ويرى الأفيوني أن إقرار المدونة يشكل خطوة لترسيخ تقاليد العمل البرلماني المؤسسي وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، بما يحفظ استقلالية النائب وحرية مواقفه ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية.
إقرار النظام الداخلي
وأقر مجلس الشعب النظام الداخلي بصيغته النهائية، بعد انتهاء عملية التصويت على مواده، في 30 من تموز الماضي.
وبموجب المواد التي تبلغ 231 مادة، تمتد ولاية المجلس 30 شهرًا، بما يتوافق مع الإعلان الدستوري.
