أنابيب في مرمى النيران.. من يترصد خطوط الطاقة في سوريا؟

  • 2026/11/08
  • 11:24 ص
محطة تشرين الحرارية بريف دمشق بعد استهداف محطة تخفيض الضغط فيها - 30 أيلول 2026 (الشركة السورية للبترول)

محطة تشرين الحرارية بريف دمشق بعد استهداف محطة تخفيض الضغط فيها - 30 أيلول 2026 (الشركة السورية للبترول)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

في وقت تسعى فيه الدولة السورية لاستعادة دورها الإقليمي كـ”ممر حيوي وبديل” لشبكات الطاقة، وتفعيل مشاريع الربط الإقليمي في مرحلة ما بعد سقوط النظام في 8 من كانون الأول 2024، تبدو خطوط نقل النفط والغاز ومحطات التوليد هدفًا أساسيًا لهجمات متكررة منذ أيلول الماضي.

وبين أطماع شبكات التخريب والسرقة المحلية، ورسائل الردع السياسية العابرة للحدود، سجلت السلطات الرسمية السورية ووزارة الطاقة نحو 22 حادثة واعتداء استهدفت البنية التحتية للطاقة مؤخرًا، وهي اعتداءات تتراوح بين سرقة النفط الخام وتفجيرات تطال الخطوط الرئيسة، وصولًا إلى مخططات تخريبية احترافية أحبطتها الأجهزة الأمنية قبل ساعات من تنفيذها.

تركز عنب بلدي في هذا التقرير التحليلي على خلفيات الاستهدافات وسياقاتها الأمنية، وترصد تقاطع مصالح التنظيمات المسلحة والقوى الإقليمية والرسائل التي تحملها هذه الهجمات، كما تناقش التحديات التي تواجه حماية المنشآت الحيوية والسيناريوهات المحتملة لمستقبلها على المدى القريب.

تنظيم “الدولة” وإيران و”حزب الله”.. مَن المستفيد؟

باتت البنية التحتية النفطية السورية جزءًا محوريًا من حرب اقتصادية ممنهجة، وفقًا لما قاله الخبير الأمني ضياء قدور، في حديث إلى عنب، حيث يحاول تنظيم “الدولة” استغلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام السابق لضرب الدولة في مفاصلها الاقتصادية والأمنية.

وأضاف أن التنظيم يسعى من خلال هذه الحرب المتصاعدة إلى “جعل دمشق تجثو على ركبتيها دون أن يطلق رصاصة واحدة”، وهو ما يتسق مع نمط عملياته التاريخية، إذ وثقت تقارير عدة خلال العام الحالي هجمات وخلايا نشطة للتنظيم طالت خطوط نفط وغاز وحراس منشآت في مناطق متفرقة.

ورغم ترجيح فرضية تورط التنظيم، فإن قدور لا يستبعد احتمالات أخرى، من بينها أطراف محلية متضررة من الترتيبات الجديدة أو جهات تسعى إلى عرقلة مشروعات الطاقة الإقليمية.

وتتعزز هذه الفرضية مع إعلان قوى الأمن الداخلي وجهاز الاستخبارات العامة في سوريا، بداية تشرين الثاني الحالي، عن إحباط مخطط “إرهابي” استهدف مصفاة حمص النفطية، وضبط خلية مسلحة وتوقيف أفرادها، مع مصادرة عبوات ناسفة متطورة ومعدّات للتفجير عن بُعد.

الاتهام السوري الرسمي للخلية بالانتماء لـ “حزب الله” اللبناني، قابله بيان صادر عن الحزب نفى فيه أي علاقة بالحادثة أو وجود أي نشاط لعناصره داخل الأراضي السورية.

إلا أن الخبير الأمني قدور قلل من إمكانية الحسم بالجهة المنفذة في ظل شح المعطيات الرسمية، موضحًا أن مجرد الكشف عن “مخطط إرهابي ما” لا يحسم هوية العقول المدبرة، وإن كانت الشواهد الميدانية المتاحة تمنح ترجيحًا أكبر لفاعل إرهابي، سواء كان “أداة” لدولة مثل إيران أو تنظيمًا عابرًا للحدود ينشط في الداخل السوري.

المضبوطات الاحترافية بين تنظيم “الدولة” و”حزب الله”

لتقصي جذور الأزمة الحالية ينبغي العودة بالذاكرة إلى السنوات التي تلت اندلاع الحرب في سوريا، حين تحولت شبكات الطاقة ومحطات التوليد إلى غنائم حرب، ومجال حيوي للجماعات المسلحة وتنظيم “الدولة”، فضلًا عن الميليشيات الإيرانية التي تمركزت قرب طرق الإمداد بالبادية ودير الزور.

ورغم سقوط النظام، فإن آثار الحرب ظلت حاضرة في هيكلية التهديدات، إذ أظهرت الصور التي عرضتها وزارة الداخلية بحوزة خلية “حزب الله” المتهمة باستهداف مصفاة حمص وجود جهاز إلكتروني لاسلكي يبدو أنه وحدة تحكم أو جهاز استقبال لاسلكي أو جزء من منظومة تفجير عن بُعد.

ويرى الباحث العسكري رشيد حوراني، في حديث إلى عنب بلدي، أن العبوات الناسفة الاحترافية بالإضافة إلى جهاز التحكم عن بُعد تظهر مدى احترافية الجهة المسؤولة عن التفجير الفاشل.

وردًا على سؤال حول المستفيدين محليًا وعربيًا ودوليًا من استهداف خطوط الطاقة، يرى حوراني أن المسؤولية متساوية بين تنظيم “الدولة” والشبكات الإيرانية وإسرائيل، لأن أي دور لسوريا في بدء مد خطوط نقل الطاقة يعزز دورها على المستوى الإقليمي والدولي، وهذا من شأنه أن يؤذي تلك الأطراف.

بينما يرى الخبير الأمني ضياء قدور أن طهران لا ترغب في وجود بدائل فعالة لمضيق هرمز تقلل من نفوذها في التحكم بمسارات الطاقة، مؤكدًا أن أي مشروع يجعل سوريا والعراق أقل اعتمادًا على المضيق قد يُنظر إليه كتهديد لمصالحها الإقليمية.

ونبّه قدور إلى أن تداعيات التهديد لا تتوقف عند الخسائر المباشرة التي قد تلحق بالمنشآت، بل تمتد لتشمل احتمالات منها:

  • اضطراب إمدادات الوقود وزيادة تكاليف النقل والإنتاج.
  • زيادة الضغوط على المالية العامة إذا اضطرت الدولة إلى تعويض النقص عبر الاستيراد.
  • إضعاف ثقة المستثمرين بقدرة السلطات على حماية المنشآت الحيوية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات لإعادة تأهيل قطاع الطاقة.

شلل الطاقة جنوبًا وتدشين “الغاز العربي”

طالت أحدث الاستهدافات الحيوية، بداية تشرين الأول الماضي، خط الغاز الرئيس المغذي للمنظومة الجنوبية في ريف دمشق، وأعلنت حينها الشركة السورية لكهرباء ريف دمشق خروج محطة توليد “الناصرية” إلى جانب محطتي “دير علي” و”تشرين” عن الخدمة بشكل كامل، نتيجة الانفجار الذي أدى إلى توقف ضخ الغاز اللازم لتشغيل العنفات.

وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من تدشين رسمي لاستئناف العمل مجددًا في مشروع “خط الغاز العربي” بطول يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر لربط مصر والأردن وسوريا ولبنان مع تركيا، بهدف إعادة دمشق إلى مركز المشهد الإقليمي للطاقة.

وهنا أشار الباحث العسكري حوراني إلى أن توقيت استهداف هذه الأنابيب والمحطات مثل “الناصرية” يتجاوز مجرد العمل التخريبي العابر، مؤكدًا أن من الطبيعي أن يتم استهداف خطوط الطاقة أو المنشآت الحيوية بشكل عام كمحطات الكهرباء والمصافي النفطية نظرًا إلى عدم انتهاء دور المهددات الأمنية للدولة السورية على الرغم من تراجع عمليات تنظيم “الدولة” وأذرع إيران التي تحاول استمرار التواصل معها في سوريا، بحسب قوله.

وتنطلق هذه الاستهدافات، بحسب حوراني، من عدم رضا هؤلاء عن النجاح الذي حققته الدولة السورية، وبروزها بعد إغلاق مضيق هرمز كممر رئيس لأنابيب الطاقة في المنطقة، ليتحول استهداف خطوط الإمداد إلى وسيلة لضرب سوريا اقتصاديًا وسياسيًا.

الثغرة العسكرية وتحديات تأمين البادية

يمثل استهداف خطوط نقل الطاقة، بحسب رشيد حوراني، وجود ثغرة عسكرية لدى سوريا في تغطية كامل الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، “نظرًا إلى حداثة تشكيل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وخروج البلاد من حرب طاحنة دمرت خلالها البنى التحتية”.

فالمنشآت الحيوية كالطرق الدولية والسدود ومحطات المياه في مختلف البلدان تخضع لمراقبة وتأمين خاص عبر منظومات دفاع جوي أو رادارات، وهذا الأمر على الأرجح ما ستعمل الدولة السورية على تأمينه في المدى القريب، وهو يحتاج إلى جهود ضخمة، بحسب الخبير العسكري ذاته.

وعلى سبيل المثال، يبلغ عدد محطات التحويل الكهربائي وحدها 75 محطة موزعة على المحافظات جميعها، منها 64 محطة قيد العمل، بينما لا تزال ثماني محطات خارج الخدمة، وتوجد ثلاث محطات تحت إعادة التأهيل.

ولا يرى الباحث حوراني أن هناك تحديات كبيرة (انتشار الألغام، مخلفات الحرب، التنسيق الخارجي) في ضوء براعة الجيش السوري، بحسب وصفه، مثل نجاحه في قضية مراقبة الحدود السورية- اللبنانية بالمسيّرات والتي حصل من خلالها على نتائج “ممتازة”.

ولكن الأمر، من وجهة نظره، يعود إلى أن استهداف خطوط الطاقة لم يكن بالحسبان لدى سوريا، وبعد تلك العمليات يمكن العمل على مراقبتها من خلال:

  • غرف عمليات للطيران المسيّر تراقب مناطق انتشار تلك الخطوط.
  • الدعم بوحدات للتدخل السريع لإبطال الأعمال التخريبية.

تداعيات التعافي واستشراف المآلات المستقبلية

أوضح الباحث السوري انعكاسات عملية إعادة بناء قطاع الطاقة وتأمين خطوط الإمداد على الأمن الداخلي السوري وقال إن إعادة بناء قطاع الطاقة من شأنها:

  • دعم الاقتصاد بشكل عام.
  • تحسين الحالة المعيشية للمواطن السوري.
  • قطع الطريق على استقطاب أي جهة لتوظيف سوريين في أعمالها.

ووصف حوراني تحقيق الأمن بأنه “مجموعة متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية”.

وبناء على المعطيات الميدانية والتحركات الأمنية الأخيرة، تتجه بوصلة التوقعات نحو انحسار الاعتداءات في الفترة المقبلة، وفقًا لحوراني.

وأضاف أن الاستهدافات بشكل عام “هي إلى اضمحلال، والدولة السورية التي لم تكن متنبهة للاحتياجات الأمنية لهذه المرافق، وهو أمر معروف في كل دول العالم، ستقوم بتأمين نظام حماية لها”.

وختم حوراني بأن الجيش السوري ينتشر بفيالقه الستة على كامل الجغرافيا السورية، وهذا من شأنه أن يعني تقليل الاستهدافات لجميع المنشآت الحيوية بما فيها خطوط الطاقة.

وبين شلل منظومة الطاقة الجنوبية (مؤقتًا) بعتمة مفاجئة وتدشين الأنابيب العابرة للحدود كـ”خط الغاز العربي”، تخوض سوريا سباقًا محمومًا بين إرادة التعافي ومخاطر الانتكاس الأمني، ولهذا لم يعد السؤال اليوم حول من يسيطر على الأرض ميدانيًا، بل حول من يملك القدرة على حماية شرايين الطاقة الممتدة في تضاريس أمنية وعرة بالمنطقتين الوسطى والجنوبية من سوريا.

مقالات متعلقة

  1. النظام السوري يقول إن خط الغاز العربي جاهز داخل سوريا
  2. كهرباء دمشق.. ثلاثة أيام لـ"وجبة غسيل" وانخفاض حصة الفرد 85%
  3. انقطاع الكهرباء في سوريا يبرَّر باعتداء على خط الغاز
  4. فريق سوري- لبناني مشترك يبدأ بفحص خط الغاز العربي

سوريا

المزيد من سوريا