إسرائيل وإيران في صدارة التهديدات لأمن سوريا.. كيف يقرأ الخبراء نظرة السوريين؟

  • 2026/11/07
  • 12:54 م
سوريون يحتفلون بمرور عام على سقوط النظام في دمشق - 8 كانون الأول 2025 (AFP)

سوريون يحتفلون بمرور عام على سقوط النظام في دمشق - 8 كانون الأول 2025 (AFP)

enab_get_authors_shortcode

تصدّرت إسرائيل قائمة الدول التي يعتبرها السوريون التهديد الأكبر لأمن بلادهم، بحسب نتائج استطلاع المؤشر العربي في سوريا لعام 2026.

وأظهر الاستطلاع ارتفاع نسبة من اختاروا إسرائيل من 55% في عام 2025 إلى 61% في العام الحالي، بالتزامن مع ارتفاع نسبة اعتبار إيران التهديد الأكبر من 14 إلى 20%، مقابل ثبات نسبة تركيا عند 6%، وارتفاع الولايات المتحدة من 4 إلى 5%.

وتفتح هذه النتائج باب التساؤل حول العوامل التي تحدد نظرة السوريين إلى مصادر التهديد الخارجي، ومدى ارتباطها بالتدخلات العسكرية والسياسات الإقليمية للدول المعنية، فضلًا عن تأثير التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق.

جدول مقارنة بين عامي 2025 و2026 لقائمة الدول التي يعتبرها السوريون التهديد الأكبر لأمن بلادهم (عنب بلدي)

ويرى الكاتب والباحث السياسي حسين عمر أن تصدّر إسرائيل القائمة يعكس، في جانب منه، واقعًا أمنيًا وسياسيًا يتمثل في احتلالها أجزاء من الأراضي السورية، لكنه يشير إلى أن ترتيب مصادر التهديد قد يختلف بين المناطق والمكونات السورية، تبعًا للتجارب والمخاوف التي تعيشها كل منها.

ويقول عمر، لعنب بلدي، إن إسرائيل تمثل تهديدًا لسوريا بسبب احتلالها أراضي سورية، لكنه يلفت إلى أن نظرة السوريين إلى مصادر الخطر لا تنفصل عن الانقسام المجتمعي والسياسي الداخلي، وما يرافقه من مخاوف لدى مكونات مختلفة بشأن مستقبلها وموقعها في الدولة.

ويضيف أن بعض المكونات قد تنظر إلى تركيا باعتبارها التهديد الأبرز، مشيرًا إلى أن ذلك قد يظهر لدى قطاعات من سكان السويداء والكرد والعلويين، وفق تقديره، في ضوء مواقف تركيا وتدخلاتها في الملف السوري.

ويعتبر عمر أن التركيز على ترتيب الدول الخارجية في قائمة التهديدات لا ينبغي أن يحجب، بحسب رؤيته، مصادر الخطر الداخلية، وفي مقدمتها غياب دستور مدني يضمن المساواة بين المواطنين، وانتشار السلاح خارج المؤسسات، وتصاعد الخطاب الطائفي، واتساع فجوة الثقة بين المكونات الاجتماعية والسلطة.

ويربط الباحث بين استمرار الانقسام الداخلي وقدرة الأطراف الخارجية على التأثير في سوريا، معتبرًا أن ضعف الثقة بين مكونات المجتمع وبينها وبين مؤسسات الدولة يتيح للدول الإقليمية استثمار الخلافات القائمة، ويجعل التهديدات الخارجية أكثر قابلية للتحول إلى وقائع على الأرض.

ويشدد عمر على أن بناء الوحدة الوطنية، على أساس العدالة والمساواة والمشاركة المتكافئة في الحقوق والواجبات، يحتاج إلى دستور مدني تعددي، معتبرًا أن معالجة الانقسامات الداخلية تمثل شرطًا لمواجهة مصادر التهديد الخارجية، سواء كانت إسرائيل أو إيران أو تركيا.

إسرائيل وإيران.. تهديدات مختلفة وتراكمات مستمرة

من جهته، يرى الناشط الاجتماعي والباحث السياسي محمد حمادة أن استمرار تصدّر إسرائيل وإيران قائمة التهديدات لأمن سوريا يرتبط بطبيعة مختلفة لمصادر الخطر التي تمثلها كل منهما في الوعي الشعبي.

ويوضح حمادة، لعنب بلدي، أن إسرائيل تمثل، في نظر المستجيبين، خطرًا خارجيًا مباشرًا ومستمرًا على السيادة الوطنية والأراضي السورية، في حين ترتبط صورة إيران بالتدخل الإقليمي الذي ترك آثارًا في البنية الاجتماعية والسياسية والأمنية للبلاد خلال سنوات الصراع.

ويعزو ارتفاع نسبة اعتبار إسرائيل التهديد الأكبر لأمن سوريا إلى استمرار التوغلات والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية واحتلال الأراضي السورية، معتبرًا أن هذه الوقائع الميدانية تجعل التهديد حاضرًا في إدراك المواطنين، حتى مع التغيرات السياسية والدبلوماسية التي شهدتها البلاد.

ويشير حمادة إلى أن المواقف الرافضة للاحتلال والصراع العربي الإسرائيلي تشكل أيضًا جزءًا من الوعي الجمعي السوري والعربي، وهي تصورات يرى أنها أكثر ثباتًا من التحولات المرحلية في السياسة الخارجية للدول.

وفيما يتعلق بإيران، يربط الباحث ارتفاع نسبة اعتبارها التهديد الأكبر لأمن سوريا من 14 إلى 20% باستمرار آثار تدخلها السابق، رغم تراجع وجودها العسكري المباشر في البلاد بعد سقوط النظام.

ويقول إن سنوات التدخل الإيراني تركت آثارًا في المجتمع السوري، من خلال ما وصفه بالتجريف المجتمعي والاستقطاب الطائفي وتدمير المؤسسات، مضيفًا أن تراجع الحضور الميداني لدولة ما لا يعني بالضرورة اختفاء صورتها بوصفها مصدر تهديد لدى السكان الذين تأثروا بسياساتها.

ويضيف حمادة أن تصورات التهديد لا تتشكل بالاستناد إلى الوجود العسكري المباشر وحده، بل تتأثر أيضًا بما يرتبط بالدولة من نوايا محتملة وقدرات وأيديولوجيا، فضلًا عن المخاوف من عودة نفوذها بأشكال غير مباشرة.

نتائج استطلاع المؤشر العربي في سوريا لعام 2026 – 2 تشرين الثاني 2026 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

التجربة المباشرة والخطاب الإعلامي في تشكيل التصورات

وعن العوامل التي تؤثر في إجابات المستطلعين، يرى حمادة أن تصورات المواطنين تتشكل من تداخل التجارب المباشرة مع الخطاب السياسي والإعلامي، موضحًا أن الغارات والقصف والتهجير وفقدان السيادة تجعل التهديد ملموسًا في حياة السكان، بينما يؤدي الخطاب الإعلامي والسياسي دورًا في تفسير هذه التجارب وتحديد الجهات التي ينظر إليها باعتبارها مصدرًا للخطر.

وبحسب حمادة، فإن نتائج الاستطلاع تعكس استجابة الرأي العام للتطورات الميدانية والسياسية، لكنها لا تكفي وحدها للجزم بحدوث تحول استراتيجي مستقر في اتجاهات السوريين، إذ إن فترة عام واحد قد لا تكون كافية لتحديد طبيعة التحولات طويلة الأمد، ولا سيما في مرحلة انتقالية تتسم بالحساسية تجاه الأحداث المتسارعة.

ويشير إلى أن استمرار إسرائيل في المرتبة الأولى وإيران في المرتبة الثانية خلال الاستطلاعيْن يعكس اتجاهًا عامًا مستقرًا نسبيًا في ترتيب مصادر التهديد الخارجية، رغم تغير نسب اختيار الدولتين.

في المقابل، يلفت حسين عمر إلى ضرورة التعامل بحذر مع تعميم نتائج الاستطلاع على جميع السوريين، مشيرًا إلى أن اختلاف المناطق والمكونات قد ينعكس على ترتيب مصادر التهديد، وأن الانقسامات الاجتماعية والسياسية تؤثر في تصورات المواطنين.

ويطرح عمر تساؤلات بشأن مدى تمثيل العينة لمختلف المناطق والفئات السورية، معتبرًا أن النتائج لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تعبيرًا شاملًا عن مواقف جميع السوريين.

نتائج استطلاع المؤشر العربي في سوريا لعام 2026 – 2 تشرين الثاني 2026 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)

السيادة ومستقبل الدولة في قراءة التهديدات الخارجية

من جانبه، يرى الباحث القانوني والسياسي ماهر التمران أن نتائج المؤشر العربي لعام 2026 تكشف عن تحول في طبيعة الوعي الأمني السوري، من التركيز على مصادر الخطر المرتبطة ببقاء النظام السابق وصراعات المحاور، إلى التركيز على مستقبل الدولة السورية وسيادتها ووحدة أراضيها.

ويقول التمران إن تصدّر إسرائيل قائمة مصادر التهديد بنسبة 61%، مقابل ارتفاع نسبة إيران من 14 إلى 20%، يعكس تجربتين مختلفتين مع التدخل الخارجي. فإسرائيل تمثل تهديدًا يتجدد بفعل التوغلات العسكرية والاعتداءات ومحاولات فرض ترتيبات أمنية تتجاوز إرادة الدولة السورية، بينما ترتبط إيران في الذاكرة السياسية السورية بتجربة اختراق بنية الدولة، وبناء شبكات عسكرية وأمنية موازية، وتوظيف الانقسامات المحلية ضمن مشروع نفوذ إقليمي.

ويضيف أن الدلالة الأهم تتمثل في أن السوريين لم يعودوا يقيسون التهديد بحجم الوجود العسكري الأجنبي فحسب، وإنما بمدى تأثير سياسات الدول في استقلال القرار السوري وقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها.

ويعتبر التمران أن ارتفاع نسبة اعتبار إسرائيل التهديد الأكبر يكشف مفارقة سياسية، إذ أتاح سقوط نظام الأسد فرصة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية، لكن السلوك الإسرائيلي اتجه نحو توسيع التدخلات وفرض وقائع ميدانية جديدة. وهذا، بحسب الباحث، يعزز إدراكًا شعبيًا بأن المشكلة لا تتعلق فقط بطبيعة النظام الحاكم في دمشق، وإنما أيضًا بالتصور الإسرائيلي لموقع سوريا ودورها الإقليمي.

ويرى أن التهديد الاستراتيجي لا يقتصر على الاحتلال أو الاعتداء العسكري المباشر، بل يشمل أيضًا منع الدولة السورية من استعادة قدرتها على ممارسة سيادتها. ومن هنا، فإن انفتاح دمشق على التفاوض والتهدئة لا يعني بالضرورة قبول المجتمع السوري بتنازلات سيادية.

ويستند التمران في ذلك إلى نتائج أخرى من الاستطلاع، إذ يرى 96% أن إسرائيل تعمل على تهديد الاستقرار في سوريا، ويرفض 80% الاعتراف بها، فيما يعارض 74% أي اتفاق لا يتضمن استعادة الجولان.

أما ارتفاع نسبة اعتبار إيران تهديدًا رغم انحسار وجودها العسكري، فيكشف، وفق التمران، استمرار أثر الذاكرة السياسية. فالتدخل الإيراني لم يكن عسكريًا فقط، بل امتد إلى بنية الدولة والمجتمع، ولذلك فإن زوال الوجود العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء شبكات النفوذ وآثارها.

ومع ذلك، يشدد الباحث على ضرورة التمييز بين رفض السياسات الإيرانية وبين تبني موقف عدائي دائم من إيران كدولة، معتبرًا أن العلاقات المستقبلية ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.

ومن الناحية المنهجية، يحذر التمران من أن مقارنة استطلاعي 2025 و2026 لا تكفي للجزم بحدوث تحول مستقر في الرأي العام، ما لم يتم التأكد من تماثل العينات وأدوات القياس والتوزيع الجغرافي. كما يلفت إلى أن السؤال عن التهديد الأكبر يقيس ترتيب المخاوف، وليس مستوى التحفظ تجاه كل دولة على حدة.

ويبرز الباحث أهمية التمييز بين إدراك التهديد والموقف من التواصل السياسي، موضحًا أن اعتبار 41% أن اللقاءات السورية الإسرائيلية تصب في مصلحة سوريا، مقابل 49% لا يرون ذلك، يكشف أن رفض السياسات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة رفض التفاوض معها.

وتظهر المقارنة بين استطلاعي 2025 و2026 ارتفاعًا متساويًا بست نقاط مئوية في نسبة اختيار إسرائيل وإيران بوصفهما التهديد الأكبر لأمن سوريا، مقابل استقرار نسبة تركيا وارتفاع محدود في نسبة الولايات المتحدة، وهي تغيرات تتيح قراءة اتجاهات المستجيبين خلال عام، لكنها لا تكفي بمفردها لتحديد أسبابها أو تعميمها على مختلف المكونات والمناطق السورية.

تنفيذ الاستطلاع

وكان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أعلن 2 تشرين الثاني 2026، النتائجَ الرئيسة والأولية لاستطلاع الرأي العام في سورية. وقال المركز إنه نفذ الاستطلاع بالتعاون مع المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، وهو جزء من استطلاعات المؤشر العربي لعام 2026.

وأُجري الاستطلاع، وفق المركز، على عيّنة طبقية عنقودية متعددة المراحل، بلغ حجمها 3600 مستجيب ومستجيبة، كما أشار إلى أن العيّنة تمثّل المجتمع السوري في محافظاته كافةً وبمختلف تكويناته الاجتماعية والاقتصادية.

وأردف أن مستوى الثقة فيها بلغ 98%، بهامش خطأ يراوح بين ±2 و3%. مشيرًا إلى أن العمل الميداني جرى على مدى 17 يومًا، من 28 أيلول إلى 15 تشرين الأول 2026، وشارك في تنفيذه أكثر من 100 مشارك ومشاركة.

مقالات متعلقة

  1. ما موقف السوريين من اتفاق سلام مع إسرائيل
  2. هل تغيّر الحرب على أوكرانيا قواعد الاشتباك في سوريا
  3. أبعاد حرب سوريا الإقليمية
  4. أدوار الصين الجديدة بالشرق الأوسط ترسم متغيرات في سوريا

سوريا

المزيد من سوريا