لمى قنوت
كشفت الغارات الأردنية التي شنها سلاح الجو الملكي على ريف درعا، في 26 من تشرين الأول الماضي، والتي أطلق عليها اسم “الردع الأردني- حمود”، وأسفرت عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، عن ضعف التنسيق الأمني بين البلدين، وقابلية اهتزاز العلاقة بينهما، وإن حرصا لاحقًا على تدارك الأمر خلال 24 ساعة. وكشفت أيضًا عن استسهال خرق السيادة السورية، الذي بدأ منذ عقود، ويتجذر الآن بشكل خطير في ظل الاحتلال الإسرائيلي المتوسع في الجنوب منذ كانون الأول 2024.
تناقضت الرواية الأردنية مع الوقائع الموثقة، ولم تثبت صحتها حتى الآن، فقد أعلن الجيش الأردني أن العملية تمت بالتعاون مع الحكومة السورية، وأعلن المتحدث باسم الحكومة الأردنية عن مقتل أكثر من 20 عنصرًا من “داعش”، وتدمير مستودع أسلحة ضخم تابع للتنظيم، لكن الجهات السورية وثقت سقوط ضحايا مدنيين في منازل ومزارع وخيمة عائلية، ونفت دمشق التنسيق أو الإخطار قبل العملية. وفي اليوم التالي اتفق وزيرا خارجية البلدين على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة.
تتجاوز العملية العسكرية حدود أسف الحكومة الأردنية على مقتل المدنيين، فالانتهاك الأول يمس السيادة، وميثاق الأمم المتحدة يمنع الدول الأعضاء من التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أي دولة (المادة 2- 4)، وتربط المادة “51” حق الدفاع عن النفس بحالة “إذا اعتدت قوة مسلحة” على أحد الأعضاء، وتوجب إبلاغ مجلس الأمن فورًا بالتدابير المتخذة، ولم يصدر عن سوريا اعتداء مسلح على الأردن. وحتى لو أثبتت التحقيقات وجود “تهديدات مؤكدة وعمليات وشيكة” ضد الأردن، كما صرحت الحكومة الأردنية، فإن ذلك لا يمنحها تفويضًا تلقائيًا بالعمل العسكري داخل دولة أخرى من دون موافقتها.
ووفقًا لإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، على الدول عدم التدخل المسلح و”الامتناع عن أعمال الانتقام التي تنطوي على استعمال القوة”. وقد وصف الجيش الأردني عمليته بأنها جاءت ردًا على جريمة استهداف جنازة في كنيسة بمحافظة الكرك، أسفرت عن مقتل تسعة أردنيين، وبالتالي فإن هذه العملية، في تقديري، انتهاك للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ولمبدأ السيادة المتساوية للدول.
حين يحل القصف محل القضاء
أخطر ما كشفته الغارات هو التطبيع مع القتل بوصفه ردًا ثأريًا بديهيًا، فخطاب مكافحة الإرهاب يختزل مسارًا قانونيًا كاملًا، من التحقيق إلى الاتهام والمحاكمة والعقوبة، في قرار استخباري أحادي ينفذ من الجو.
وتكمن المفارقة في اختلاف السلوك الأردني داخل أراضيه وخارجها، ففي الداخل، أوقفت السلطات ثلاثة مشتبه بهم أحياء بعد الهجوم، ويفترض خضوعهم للقضاء، أما خارج الحدود، فقد قُتل مدنيون دون أدلة تربطهم بالهجوم. وهذا النقد لا يقلل من فداحة جريمة الكرك ولا من خطر “داعش”، فضحايا الكنيسة يستحقون العدالة، كما الضحايا السوريين، والعدالة تتطلب في المقام الأول إثبات مسؤولية الجناة أو المشتبه بهم ومحاسبتهم، لا الاكتفاء بالثأر وإعلان عدد القتلى، ثم الأسف لمقتل المدنيين.
كما أن وصف أي شخص بالإرهابي لا يحوله تلقائيًا إلى هدف تُستخدم ضده القوة القاتلة، بل يبقى مشتبهًا به له حق الحياة، وحق الدفاع عن نفسه، وإثبات التهمة أو نفيها أمام محكمة عادلة.
وفي عينة من التغطيات العربية والدولية التي تناولت الغارات الجوية الأردنية وتداعياتها على العلاقة السورية– الأردنية، تمركزت النقاشات على التنسيق والسيادة وهوية القتلى، هل كانوا مدنيين أم عناصر من “داعش”، وكأن قتل من يوصف بالإرهابي لا يحتاج إلى إثبات وتحقق.
وقد أصبح استخدام القوة القاتلة خارج النزاعات المسلحة، الذي توسعت فيه الولايات المتحدة بعد الحادي عشر من أيلول 2001، نهجًا يعفي من واجبي التحقق والمساءلة، وألحق ضررًا جسيمًا بالقواعد المصممة لحماية الحق في الحياة، فالقانون الدولي لا يجيز استخدام القوة القاتلة إلا بوصفها ملاذًا أخيرًا لحماية الأرواح، وبما يتناسب مع التهديد، وعند انعدام البدائل كالقبض على المتهم أو الوسائل غير القاتلة، ويمنع عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء.
ارتباك في إدارة الأزمة
كان ارتباك السلطات السورية واضحًا بين غضب الشارع والرأي العام واحتواء توتر العلاقة مع الأردن، فلم تمتلك خطابًا متماسكًا موحدًا ولا خطة معلنة. وقد تجلى الارتباك بأربع وقائع، فقد بدأت الخارجية بـ”التحفظ الكامل على تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية دون التنسيق المسبق”، والأسف على الضحايا، ثم انتقلت إلى الاستنكار بأقصى العبارات. واتفقت، في 27 من تشرين الأول، على اللجنة المشتركة مع الأردن، ثم استدعت السفير باليوم التالي، وأغلقت معبر “نصيب” صباح اليوم نفسه، ثم أعادت فتحه في اليوم التالي، وأكد الشيباني في درعا غياب أي إخطار قبل العملية، ووصف “العلاقات السورية- الأردنية بأنها في أفضل حالاتها منذ نحو قرن”.
وقد يكون جزء من تفسير هذا الارتباك توازنًا بين غضب الشارع والمصلحة الاستراتيجية، لكنه لا يعفي السلطة بأي حال من الأحوال من مسؤولية الوضوح والشفافية تجاه أسر الضحايا وعموم السوريين والسوريات.
ويعكس هذا الارتباك، سواء في مواجهة الأزمات أو التسبب بها، حالة عامة في مؤسسات الدولة، وبضمنها وزارة الخارجية، حيث تتقدم الثقة السياسية على الخبرة والجدارة، وتعامل المناصب والتعيينات كمكافأة على الولاء، وخاصة من الدائرة التي عملت في مرحلة إدلب، وبحسب مصادر دبلوماسية، تعثرت بعض التعيينات الدبلوماسية جراء الخلفيات الجهادية لبعض المرشحين.
إن قيمة تشكيل لجنة أمنية مشتركة، مهمتها الوقوف على تفاصيل العملية العسكرية “ومتابعة تداعياتها”، وتطوير آلية التنسيق الميداني والاستخباري بما يصون السيادة السورية ويحمي أرواح المدنيين، مرهونة بنشر نتائج عمل اللجنة وجبر ضرر أسر الضحايا.
ولا ينبغي أن يكون التنسيق الأمني بين البلدين على حساب العدالة والكرامة، ولا أن يكون إخطار دمشق المسبق رخصة قتل تلقائية، ولا تستقيم العلاقة بين البلدين إلا على قاعدة السيادة المتبادلة، إذ إن تكرار انتهاكها يؤسس لتكراره، والتوتر بين البلدين لا يخدم إلا الاحتلال الذي يوسع وجوده في الجنوب السوري.
