عنب بلدي – وسيم العدوي
تُلقي التبعات الثقيلة لسنوات الحرب والانهيار المالي بظلال قاتمة على واقع الاقتصاد السوري ومستقبله، ما أفرز أزمة بنيوية وهيكلية تعد الأشد قسوة وتعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث.
ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، تقف التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار عند رقم مركزي يبلغ نحو 215.6 مليار دولار أمريكي، ضمن نطاق تقديري واسع يتراوح بين 140 مليار دولار في حده الأدنى و345 مليار دولار في حده الأقصى.
وأمام هذه الاحتياجات الضخمة والملحّة، انتظر الشارع السوري والأوساط التنموية تبني الحكومة السورية الجديدة استراتيجية تنموية إنتاجية تضمن ترميم القاعدة الاقتصادية المحلية وتصحيح الاختلالات الهيكلية المتراكمة.
وفي قراءة متأنية وشاملة يقدمها الباحث والخبير الاقتصادي السوري الدكتور جوزيف ضاهر، لعنب بلدي، تتكشف أبعاد النهج الذي اعتمدته الحكومة في المضي باتجاه مغاير تمامًا، يرتكز على مبادئ السوق الحرة المطلقة، وتحرير التجارة، وتقليص إنفاق الدولة، والمراهنة شبه الكاملة على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بجميع الوسائل والأثمان.
يرى الدكتور ضاهر أن هذا المسار ينطوي على عيوب جوهرية، إذ ينتهي به المطاف إلى تحويل رؤوس الأموال الشحيحة بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية الحيوية كالصناعة والزراعة، متسببًا في تعميق ارتهان الاقتصاد الوطني للجهات الفاعلة الأجنبية ودينامياتها الخارجية، بدلًا من بناء اقتصاد دائم ومتجذر في القدرات الذاتية للمجتمع، ما جعلها تقع في فخ تجربة “النهج النيوليبرالي الاقتصادي” (الاقتصاد الحر الجديد)، بحسب وصفه.
تهاوي الليرة وخداع الحلول النقدية
تكشف قراءة المؤشرات النقدية عن عمق الاختلال البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد السوري، إذ فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها الأصلية منذ عام 2011، حين كان سعر الصرف مستقرًا عند حدود 50 ليرة مقابل الدولار الأمريكي الواحد، ليبلغ السعر الرسمي في أيار الماضي نحو 11,300 ليرة (قديمة) للدولار.
وعلى الرغم من حالة الاستقرار النسبي أو التحسن الطفيف الذي شهدته العملة المحلية خلال عام 2025، فإنها عادت لتواجه انتكاسة شديدة مع تراجع قيمتها بنسبة تجاوزت 30% بدءًا من آذار الماضي.
وأوضح الدكتور جوزيف ضاهر أن هذا الهبوط المتواصل لا يمثل مجرد تقلبات عابرة، بل يعود إلى عدة أسباب رئيسة هي:
- غياب التحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلّية، وجفاف تدفقات النقد الأجنبي، وشلل التعاملات المالية داخل المصارف السورية بسبب اختلالات تنظيمية شديدة.
- تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي مع اتساع العجز التجاري المزمن، ما يفرض ضغطًا مستمرًا على الطلب على العملات الأجنبية.
- الارتباط المباشر بين السوقين السورية واللبنانية منذ تفاقم أزمة المصارف اللبنانية عام 2019، ما جعل الاقتصاد السوري يتأثر فورًا بالاضطرابات المالية لدى الجار اللبناني، مع إدراج ودائع المصارف السورية في البنوك اللبنانية ضمن بند الخسائر في تقاريرها السنوية.
- نمو المستوردات، وتراجع الصادرات، وانخفاض عائدات قطاعي السياحة والنفط، ما دفع الأسواق والمواطنين لشراء الدولار للحفاظ على قدرتهم الشرائية، ورفَع التضخم وأدى حتى إلى تقييم بعض الخدمات بالدولار من قبل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، نبه الدكتور ضاهر إلى أن إعادة تقييم العملة عبر حذف صفرين وإصدار أوراق نقدية جديدة لن تحل المشكلة، إذ تفتقر هذه الخطوة إلى العلاج البنيوي، ولن تعدو كونها إجراء شكليًا يتسبب في إرباك شرائح واسعة من المواطنين وإطلاق ديناميات تضخمية جديدة، لأن استقرار العملة الوطنية وتعزيز قيمتها الحقيقية يتطلبان سياسات اقتصادية تهيئ الظروف الفعلية لتعافي الإنتاج المحلي، ولا يمكن أن ينشأ لمجرد طباعة فئات نقدية جديدة.
تتأكد هذه الحقيقة، بحسب الخبير ذاته، بالنظر إلى قطاع الطاقة، الذي كان قبل عام 2011 ينتج نحو 380,000 برميل من النفط الخام يوميًا، بينما انخفض الإنتاج بفعل الدمار وتدهور البنية التحتية ليبلغ نحو 82,000 برميل يوميًا فقط بحلول عام 2026، بحجم إنتاج إجمالي بلغ 14 مليون برميل نفط و1.429 مليار متر مكعب غاز خلال النصف الأول من العام ذاته، معتبرًا أن إعادة تأهيل قطاع النفط والغاز وحدهما تتطلب استثمارات ضخمة تُقدّر بنحو 30 مليار دولار، وهو ما يبقي الضغوط النقدية قائمة على المدى المنظور، بحسب ما أوضحه ضاهر.
مليارات معلّقة رغم تهافت العقود
أمام هذا المشهد المعقد، اتجهت الحكومة السورية الجديدة نحو إبرام عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، مركزة وجهتها الاستثمارية نحو قطاع الطاقة والمشاريع العقارية السياحية الفاخرة.
وتُظهر الأرقام أن الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 شهدت توقيع 56 مذكرة تفاهم وعقدًا جديدًا، ولم يقتصر الاندفاع الاستثماري على الطاقة، بل امتد إلى قطاع العقارات والبناء الفاخر عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو نماذج البناء والتشغيل والنقل (BOT).
ويرى ضاهر أن مبادرة الحكومة السورية إلى طرح الاستثمارات العقارية على دول العالم تعيد إلى الأذهان الأنماط التي كانت سائدة قبل عام 2011، حين اجتذبت الاستثمارات السياحية والعقارية الفاخرة نحو 20 مليار دولار، معظمها من أصول خليجية (حيث بلغت استثمارات السعودية وقطر والإمارات 2.5 مليار وستة مليارات و20 مليار دولار على التوالي).
وأشار إلى أنه رغم نجاح الحكومة السورية في جذب وعود استثمارية بقيمة تقارب 56 مليار دولار في عام 2025، فإن أغلبية هذه التعهدات تبقى معلّقة بانتظار التنفيذ، بالنظر إلى غياب الاستقرار السياسي والتحديات الهيكلية العميقة.
تآكل الإنتاج المحلي وتفاقم العجز مع تركيا
على الجانب التجاري، اندفعت دمشق نحو تطبيق سياسات تحرير التجارة وإعادة الدمج التدريجي في الأسواق العالمية، ما أدى إلى ارتفاع القيمة الإجمالية للتجارة من 5.4 مليار دولار إلى نحو 6.6 مليار دولار، بنسبة نمو بلغت 22.2% في عام واحد.
وأوضح ضاهر أن هذا التحرير المتسارع انعكس سلبًا على القطاعات الإنتاجية المحلية التي أصبحت مكشوفة أمام منافسة غير متكافئة مع البضائع المستوردة.
وتتجلى خطورة هذا النهج (على سبيل المثال) في العلاقات التجارية مع تركيا، ويمكن تلخيص ملامح الأزمة في النقاط التالية:
- تخفيض الرسوم الجمركية في أواخر كانون الثاني 2025 على أكثر من 260 منتجًا تركيًا.
- أدى هذا التخفيض، بحسب بيانات معهد الإحصاء التركي، إلى قفز العجز التجاري السوري مع تركيا إلى 3.26 مليار دولار عام 2025 (مع وصول الصادرات التركية لسوريا إلى 3.5 مليار دولار)، مسجلًا زيادة حادة بنسبة 86.5% مقارنة بعام 2024 الذي بلغ فيه العجز 1.74 مليار دولار.
- تهديد الصناعة الوطنية، حيث حذر ضاهر من المساعي الجارية لإحياء “اتفاقية التجارة الحرة” بين سوريا وتركيا الموقعة عام 2005، إذ سيتسبب التدفق الهائل للبضائع التركية المدعومة في إغلاق المنشآت الصناعية السورية المحلية وتشريد عمالتها في ضواحي المدن الكبرى لعدم قدرتها على المنافسة.
نظام ضريبي يحمي رأس المال الكبير
تكتمل صورة التوجهات الاقتصادية السورية الجديدة عبر مراجعة المنظومة الضريبية المقترحة، ففي أيلول 2025، أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، عن إنجاز مشروع قانون ضريبة الدخل المزمع تطبيقه عام 2027، وعلى الرغم من أن القانون يحدد معدلًا ضريبيًا أقصى قدره 15% لقطاع الأعمال، فإنه يعود ليمنح إعفاءات وخصومات تهبط بهذه النسبة إلى نحو 9% للصناعيين، وتصل إلى الصفر في حالات أخرى.
ويكشف هذا النظام، بحسب الدكتور ضاهر، عن تفضيل واضح لرأس المال الفردي والشركات الكبرى، من خلال المعطيات التالية:
- الإيرادات الضريبية الإجمالية هشة جدًا ولا تتعدى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي (بحسب بيانات أيار 2026).
- اعتماد مفرط على الجباية الجمركية، حيث مثلت الرسوم الجمركية خلال النصف الأول من عام 2026 المصدر الأكبر لإيرادات الدولة بقيمة 1.079 مليار دولار (نحو 40% من الإجمالي)، بينما لم تسهم الضرائب والرسوم غير الجمركية سوى بـ252 مليون دولار (9% فقط).
- إعفاء أصحاب الثروات الكبيرة والقطاع الزراعي، وأرباح تداول الأسهم، وعوائد الودائع المصرفية كليًا من الضريبة، ما يعني إعفاء كبار المودعين وملّاك الأراضي الزراعية الكبار من المساهمة في إيرادات الخزينة العامة.
- فرض الضريبة على دخل الأفراد الذين يتجاوز دخلهم السنوي 640,000 ليرة جديدة، بشرائح منخفضة تتراوح بين 2.5 و5% فقط.
ويرى ضاهر أن هذا الاختلال في هيكلية الضرائب يوضح أن أولوية السلطة المعتمدة هي تحفيز الاستهلاك، وتوفير امتيازات تجذب المستثمرين الكبار، بدلًا من بناء قاعدة إيرادات سيادية تنعكس على شكل خدمات عامة، وإعادة بناء البنية التحتية للدولة.
تفكيك القطاع العام وارتفاع معدلات الفقر
الخبير السوري ضاهر قال إنه وبالتوازي مع منح التسهيلات الضريبية والجمركية لكبار المستثمرين، اعتمدت الحكومة السورية إجراءات تقشفية صارمة طالت الفئات الأكثر هشاشة، وتجلى ذلك في تصريحات وزير المالية خلال تشرين الأول الماضي، إذ أعلن صراحة أن الهدف هو تقليص حجم القطاع العام وتخفيض ميزانيته.
وترافق ذلك مع قرار تسريح ربع إلى ثلث موظفي الدولة بحجة وجود “بطالة خفية”، تبعته عمليات فصل وتعسف ونقل للموظفين دون معايير قانونية واضحة، بحسب ضاهر.
وأكد أن موجات التضخم امتصت كامل الزيادات على الرواتب والأجور للعاملين في الدولة على قانون العاملين الأساسي (القديم).
ووفقًا لبيانات “المركز السوري لبحوث السياسات”، في نيسان 2026، تبرز الفجوة الهائلة بين الرواتب ومستويات المعيشة، على الشكل التالي:
- خط الفقر المدقع للأسرة: 3.34 مليون ليرة سورية (قديمة) شهريًا.
- خط الفقر الأدنى: 5.26 مليون ليرة سورية شهريًا.
- خط الفقر الأعلى: 7.26 مليون ليرة سورية شهريًا.
وتوضح هذه الأرقام أن حد الأجور الفعلي لا يغطي سوى ثلث الاحتياجات الأساسية لخط الفقر المدقع، ما يعني أن السياسات الاقتصادية الراهنة لا تكتفي بعدم توفير فرص عمل، بل تفشل أيضًا في تأمين عيش كريم للعاملين، وتدفع قطاعات واسعة من السكان نحو العوز، وخلص الخبير إلى أن مجمل السياسات الاقتصادية الحكومية تجهض فرص التعافي.
