في ريف حماة الغربي، وعلى هضبة كلسية تطل على سهل الغاب، لا تبدو أفاميا مجرد أطلال، بل تشكّل سجلًا مفتوحًا لمدينة جمعت في حجارتها وأعمدتها تاريخًا عسكريًا واقتصاديًا وفنيًا امتد من العصر الهلنستي إلى الروماني فالبيزنطي، قبل الفتح الإسلامي.
وتكمن المفارقة في أن هذه المدينة، التي كانت إحدى الحواضر السلوقية الأربع الكبرى، تقف اليوم شبه منسية سياحيًا، رغم أنها تضم واحدًا من أطول شوارع الأعمدة في العالم القديم ومسرحًا رومانيًا يعد من الأكبر في الشرق.
من “فارناكا” إلى “أفاميا”
تبعد أفاميا نحو 55 كيلومترًا شمال غرب حماة، على الضفة الشرقية للعاصي، في موقع يشرف على سهل الغاب وكان يطل على ممرات التجارة بين المتوسط وبلاد الرافدين، بحسب الدراسة التاريخية والأثرية “أفاميا في العصور الكلاسيكية والهلنستية والرومانية”.
وعُرفت قبل اسمها الحالي بـ”فارناكا”، قبل أن يعيد تأسيسها سلوقس الأول نيكاتور بين 300 و299ق.م، ويسميها “أفاميا” نسبة إلى زوجته أباما.
وسرعان ما أصبحت مركزًا عسكريًا وإداريًا واقتصاديًا بارزًا، وإحدى أهم الحواضر السلوقية إلى جانب أنطاكية وسلوقية بيريا واللاذقية.
من تربية الفيلة إلى مركز تجاري روماني
في العهد السلوقي، كانت من أهم مراكز تربية الخيول والفيلة الحربية، إذ احتضنت آلاف الخيول ومئات الفيلة.
ومع انتقالها إلى الحكم الروماني عام 64ق.م، دخلت مرحلة ازدهار عمراني وتجاري، وأصبحت محطة رئيسة على طرق التجارة، ما جعلها من أكبر مدن الشرق الروماني.
شارع الأعمدة والمسرح الكبير
الشاهد الأكبر على عظمتها هو شارعها المعمد، بحسب الموسوعة العربية “مدخل أفاميا”، الذي يمتد نحو 1850 مترًا، ويصل عرضه مع أروقته إلى 37 مترًا، وتصطف على جانبيه أكثر من ألف عمود حجري مزخرف بارتفاع نحو 10.5 متر، تعود إلى الفترة بين عامي 116 و169م.
ولم يكن مجرد ممر، بل القلب الاقتصادي والاجتماعي للمدينة، بأسواقه وحماماته ومعابده ومبانيه الإدارية. إلى الغرب منه يقع المسرح الروماني الكبير بقطر 139 مترًا، ويعد من أكبر المسارح في سوريا والعالم الروماني.
وحظيت المدينة بمكانة دينية عبر معبد “بعل-زيوس”، ثم أصبحت مقرًا لأسقفية كبيرة، وشهدت بناء كاتدرائية ومجموعة أسقفية ضخمة مبلطة بالفسيفساء، من بينها لوحة “الحكماء السبعة الإغريق”.
ولا تزال فيها بقايا كنائس بيزنطية وحمامات رومانية وقصر الحاكم (التريكلينوس) بفسيفسائه النادرة.
بين الإهمال والاكتشاف
رغم هذا الإرث، تعرضت أفاميا خلال الحرب في سوريا لأعمال تنقيب غير شرعية واعتداءات أضرت بمعالمها، ووثقت تقارير دولية ومحلية ذلك.
لكنها لا تزال تحتفظ بقيمة تاريخية كبيرة، وقد منحها إدراجها مؤخرًا على قوائم “إيسيسكو” زخمًا جديدًا لحمايتها وتوثيقها.
ويبقى السؤال: كيف لمدينة بهذا التاريخ أن تبقى على هامش الاهتمام، وهي تستحق أن تُروى قصتها كواحدة من أعظم مختبرات العمارة والتخطيط في الشرق القديم؟
