خطيب بدلة
خسر الحزب الجمهوري، في أمريكا، الانتخابات النصفية، وفاز الحزب الديمقراطي.. يجدر بنا، نحن أهل الشرق الأوسط، أن نطنش هذا الحدث، ونعتبره عاديًا، فهذان الحزبان ما فتئا يتناوبان الربح والخسارة، في الرئاسة وفي الكونغرس، منذ عشرات السنين، ما يعني أن الأمر تقليدي، وبسيط.. ولكن الانتخابات، هذه المرة، تحديدًا، مختلفة، لأنها حصلت في خضم حروب مفتوحة، ومتشعبة، تحرق الأخضر واليابس، تقودها أمريكا، بقيادة دونالد ترامب.
الأمر البديهي أن تبقى المسائل الديمقراطية خارج نطاق اهتمامنا، فنحن بعيدون عن الديمقراطية، بل ونرفضها، خاصة بعد تنامي التيارات السلفية الجهادية، التي هرع أفراد منها إلى الشاخصات المرورية، شطبوا محتواها الأصلي، وكتبوا عبارات من قبيل: العلمانية دين الغرب، والديمقراطية شرك بالله! وأنا هنا، أؤكد لحضراتكم، أن علماء السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والفلسفة، إذا اجتمعوا، واستعانوا بفريق من الأطباء النفسيين الكبار، لما استطاعوا إقناع الإخوة السلفيين الجهاديين، بأن العلمانية والديمقراطية لا علاقة لهما بالدين، ولا يمكن أن تكونا مؤمنتين بإله واحد، أو مشركتين، أو ملحدتين.
تعرضت، قبل أيام، لسؤال مباغت من أحد متابعي صفحتي. سألني: لماذا تعادي أمريكا الشعب السوري؟ وكان جوابي، بأن أكثر ما يزعجني، ويربكني، السؤال الذي يتضمن جوابه في داخله. بحسب رؤيتي، وقناعتي، أمريكا لا تعادي شعوبًا، ولا تصادق شعوبًا، وإنما تتحرك سياساتُها بدافع من مصلحتها، وهذه المصلحة تتغير، في كل مرحلة تاريخية، وتبدو، أحيانًا، وكأنها تتناقض مع نفسها.. فقد كانت على عداء استراتيجي، مع الاتحاد السوفييتي، ولكنها، في الأربعينات، تحسست خطر التمدد الألماني، في أوروبا، فساعدت الاتحاد السوفييتي، وخلال حرب الخليج، وقفت مع إيران في فترة، وفي أخرى مع العراق، وهي التي دعمت المجاهدين الأفغان، والعرب، لمواجهة الاتحاد السوفييتي، خاضت حربًا طويلة ضدهم، بعد 11 سبتمبر 2001.. وبالنسبة للسؤال عن عداء أمريكا للشعب السوري، ترامب نفسه، حينما كان رئيسًا لأمريكا بين 2017 و2021، حاول الانسحاب من سوريا، وقال: لم يبقَ فيها سوى الغبار والإرهاب… ولكن الشواية انقلبت على قفاها، بعد السابع من أكتوبر 2023، إذ اتخذ الإسرائيليون والأمريكان قرارًا باقتلاع إيران من منطقة الشرق الأوسط، والحرب الطويلة التي خاضتها الدولتان أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد، وفجأة، بدأ الاهتمام الأمريكي بسوريا يظهر، وكذلك الاهتمام السعودي، فالمرحلة تغيرت، وأمريكا، نفسها، التي كانت تصنف سوريا، دولة راعية للإرهاب، اشتغلت على تغيير الصفة، وإلغاء كل العقوبات المفروضة عليها، وأزالت التصنيف عن عدد من الأشخاص الذين كانت تضع مكافآت لمن يدلي بمعلومات عنهم.
هذا الكلام، يوصلنا، بلا أدنى شك، إلى جواب منطقي، للسؤال، وهو أن السياسة الأمريكية، تجاه نظام الحكم في سوريا، مرشحة للتغير، مرة أخرى، بالتدريج، أو على نحو مفاجئ، وهذا يتحدد من خلال الخطر الذي يمكن أن تشكله الجماعات الجهادية، المتنامية، على إسرائيل.. ولكم في صداقة ترامب مع أردوغان مثال بالغ الوضوح، وهو أنه، عندما تتعارض مصلحة إسرائيل مع مصلحة تركيا، تقصف إسرائيل المواقع التركية، وأمريكا لا تعترض، بل إنها تؤيد الجانب الإسرائيلي، وبلا تردد.
