fbpx

مشعل تمو.. كاريزما المناضل التي تجيد صناعة “الرمز”

متظاهرون في تشييع المعارض الكردي مشعل تمو (AFP)

متظاهرون في تشييع المعارض الكردي مشعل تمو (AFP)

ع ع ع

يصادف اليوم، الأحد 7 من تشرين الأول، الذكرى السابعة لاغتيال المناضل الكردي السلمي مشعل تمو.

في مثل هذا اليوم من عام 2011، دخل أربعة ملثمين إلى مكان إقامة مشعل تمو في مدينة القامشلي، وأطلقوا الرصاص عليه، وعلى ابنه مارسيل والناشطة المدنية زاهدة رشكيلو، ففارق الحياة على الفور، ونجا ابنه وزاهدة من الموت رغم إصابتهما.

وبالنظر إلى حالة المناضل السوري الكردي، مشعل تمو، فإن لحظة اغتياله، التي جاءت في وقت مبكر من تاريخ الثورة السورية، لم تكن توثيقًا لمرحلة من مراحل النضال السلمي فحسب، بل كشفت عن افتقار الثورة الوليدة لمفهوم “الرمز”، وكشفت في الوقت ذاته عن كثرة أعدائها، وصعوبة تجميع أطرافها.

ولد مشعل التمو، في مدينة الدرباسية بمحافظة الحسكة عام 1957، ولم ينتظر وقتًا طويلًا حتى أدرك أن طريق العمل السياسي قد كُتب له، إذ انضم إلى صفوف حزب “الاتحاد الشعبي الكردي” وهو لم يبلغ العشرين من عمره بعد، هناك حيث سيمضي أكثر من عشرين عامًا يختبر فيها العمل السياسي ومرارة الليالي في أقبية سجون النظام السوري.

“أردوان تيمور” كاسم مستعار، لم يكن ليخفي هوية تمو الحقيقية، بل كانت جميع المقالات باللغتين العربية والكردية التي ينشرها في الصحيفة التابعة للحزب أو في منابر عربية وكردية متنوعة، تقرأ في أروقة النظام، وتزيد فرص اعتقاله.

ولم يكن الأمر ليثنيه عن العمل السياسي والثقافي، بل أردفه عقب انفصاله عن حزب “الاتحاد الشعبي الكردي” بالعمل في مجال المجتمع المدني والأدب، وبرزت قدرته على التأثير من خلال تجمعات عدة أسسها وترأسها وشارك خلالها ناشطون معارضون لنظام حافظ الأسد، ومن ثم بشار الأسد، في التعبير عن أنفسهم.

فترة ما سمي بـ “ربيع دمشق” أفسحت لمشعل تمو مجالًا للتعبير بحرية عن أدواته للعمل الثوري، إذ كان حينها مشاركًا في “إعلان إحياء المجتمع المدني في سوريا” مع بعض الناشطين مثل علي العبدالله وميشيل كيلو، كما أسس “منتدى جلادت بدرخان” الثقافي، الذي تمكن من خلاله من طرح مواضيع متنوعة تمسّ الشؤون السورية، وتهم الكرد في سوريا.

ولم يلبث ذاك الربيع طويلًا حتى تحول إلى شتاء عاصف، غادر إثره مشعل تمو سوريا، هربًا من الملاحقات الأمنية التي طالت أعضاء المنتديات المؤسسة حديثًا، ليعود بعدها متخفيًا إلى سوريا، باحثًا عن أدوات جديدة للنضال الوطني.

وكانت تلك العودة مبنية على “نوعين من القيم” التي كان مشعل تمو يتحدث عنهما، “الأول ما اكتسبته من عائلتي وأبي الذي أطعمني كبرياء وقوة إرادة وعزمًا وتصميمًا وأن الحياة هي موقف، والثاني ما اكتسبته من الوسط المحيط بي أثناء الشباب وفترة الجامعة وكانت فترة تكوّن الشخصية، وإرساء الجذر الثقافي لها”.

برز اسم مشعل تمو في “انتفاضة 2004” في القامشلي، إلى جانب عدد من المثقفين الكرد، ويشهد له أنه كان يبحث حينذاك عن الهوية الوطنية المجرد من الأيديولوجيات الحزبية والانتماءات الضيقة، ويؤمن بتعميم مفهوم وطني جامع يستوعب الأقليات والتنوع الإثني والطائفي في سوريا، المفهوم الذي قد يكون أحد أسباب الشروخ في علاقته مع قادة الأحزاب الكردية.

ولم يكن مشعل تمو مهملًا لحسه الأدبي، ونزعته الثقافية، في الوقت الذي كان فيه منهمكًا في الإعداد لإطلاق حزبه، بل كان ينتج القصص القصيرة، والمقالات الأدبية والعلمية، وينشرها باللغتين العربية والكردية.

أما حزبه الذي سعى ليصب فيه جهد 48 عامًا من العمل الدؤوب، فصب فيه أيضًا أمله وإيمانيه بضرورة التغيير حين أطلق عليه اسم “المستقبل”.

غير أنه في ظل نظام الأسد “كل من يدعو إلى الديمقراطية يعتبر مجرمًا”، وبذلك المعنى كان مشعل تمو “مجرمًا” يستحق الاعتقال والمحاكمة، وإن كانت تهمته الحقيقية هي محاولات نشر الثقافة والمشاركة في الحياة السياسية، إلا أنه سجن عام 2009 بتهمة “التحريض على الاقتتال الطائفي بتسليح السوريين، وبحملهم على تسليح بعضهم ضد بعضهم الآخر، فضلًا عن تغيير كيان الدولة سياسيًا واقتصاديًا”.

بعد الإفراج عنه في بدايات الثورة السلمية، خرج  تمو ليرى النور ينبع من كل أرجاء سوريا، فما كان منه إلا أن اندفع في مقدمة المتظاهرين، ونادى بهم أن “ابصقوا في وجه جلاديكم”، وهتف بإسقاط النظام، وصرخ في وجه بعض السياسيين الكرد الذين اتخذوا موقفًا سلبيًا من الثورة.

وكان الالتفاف الشعبي حول شخصية تمو يزداد يومًا بعض يوم، إلى أن أصبح “مناضلًا وطنيًا” في نظر شريحة من السوريين، وبينما كان النظام يزداد سخطًا عليه، كانت بعض القيادات الكردية تسترجع أحقادًا ماضية تجاه مشعل، الذي لم يتوان عن انتقاد أخطائها، واتخاذ منهج لا يساير أهواءها.

كما كان مشعل تمو مناوئًا لرغبة قادة الأحزاب الكردية في الحوار مع الأسد حين واجههم برفض قاطع: “لا لحوار مع نظام يسفك الدم، لا لحوار مع نظام فقد شرعيته، لن نتحاور معه أبدًا، نرفض الحوار مع الأجهزة الأمنية، نرفض الحوار مع الدبابة، نرفض الحوار مع الرصاص”.

تلك الشعارات، كانت ترجمة حرفية لنضال مشعل تمو على الأرض، إذ كان يعمل على دعم أولى الأشكال التنظيمية للثورة السورية، وشارك عبر الإنترنت في “مؤتمر الإنقاذ” الذي عُقد بتاريخ 16 تموز 2011 في اسطنبول، كما كان تيار “المستقبل” الذي يقوده من مؤسسي المجلس الوطني السوري.

خلافاته مع أكثر من جهة، أوصلت إلى عقر داره تهديدات عدة بالاغتيال، ولم يكن مشعل تمو يأبه لها، إلى أن نف التهديد واغتيل تمو.

ولم يتم حتى الآن تحديد الجهة التي نفذت الاغتيال، على الرغم من ترجيح دور النظام السوري، اغتيل وهو يؤمن بما كسبه من نضال 54 عامًا.. “أنا ربحت كرامتي وإنسانيتي وثقة الجيل الشاب من أبناء شعبي، وما خسرته من متاع الدنيا لا يشكل بالنسبة لي أي قيمة، بل هي سلاسل العبودية، وهي سلاسل ليست فقط أمنية بل تتعلق بالموروث الاجتماعي”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة