المعرفة العاجزة..

ع ع ع

طارق جابر

مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 تم الكشف عن مواقع تنفيذ جرائم النازية (المحارق) تجاه اليهود والغجر والنشطاء السياسيين والمعاقين ذهنيًا، والتي راح ضحيتها حوالي أربعة ملايين إنسان، حيث كانت مراكز الاعتقال والتصفية تنتشر في المناطق النائية وبجوار القرى. قام أحد قادة الجيش الإمريكي -الذي اجتاح مع الحلفاء ألمانيا النازية-بجلب العديد من الأهالي إلى مركز تصفية مجاور لقريتهم، ليطلعوا بأنفسهم على ركام الجثث وأفران الغاز، وذلك لكي لا ينكروا معرفتهم بوجوده وبالفظائع المرتكبة به في حال استدعتهم المحكمة الخاصة بمجرمي الحرب، ففي الحقبة النازية لم يكن هناك إعلام سوى إعلام الدولة الشمولية من تلفزيون وراديو وجرائد رسمية أو شبه رسمية تلتزم بالدعاية السياسية للسلطة.

على المستوى الوطني ارتكب نظام الأسد الأب مجازر عديدة كمجزرة سجن تدمر التي بلغ عدد ضحاياها حوالي 800 قتيل والتي أمر بها رفعت الأسد ونفذتها إحدى وحدات سرايا الدفاع في حزيران 1980، ردًا على محاولة اغتيال فاشلة لحافظ الأسد، لم تعلم حقيقتها إلا لاحقًا حيث اعتراف أحد العناصر المشاركين فيها وتم بث اعترافاته على التلفزيون الأردني، بعد إلقاء القبض عليه وهو يحاول مع مجموعته تنفيذ عمليات إرهابية موجهة من نظام الأسد لإسقاط نظام الحكم في الأردن.

وأيضًا في أوائل الثمانينات ارتكب نظام الأسد الأب مجازر في حلب (حي المشارقة) وجسر الشغور، وفي مدينة حماة كانت الجريمة الكبرى في شباط 1982، والتي يقدر عدد ضحايها بـ 30 ألف قتيل و10 آلاف مفقود، لم تصل أخبارها إلا من خلال روايات أشخاص فرادى، ولاحقًا بعض الصور لصحفيين غربيين، بينما آلة النظام الدعائية وصفتها بأحداث وعملية عسكرية تهدف للقضاء على “عصابة” الإخوان المسلمين المسلحة.

مع بداية الثورة السورية عام 2011 كانت هناك قناعة سائدة لدى أغلب المشاركين في الحراك السلمي (ثبت خطؤها بشكل مطلق لاحقًا) أن جريمة حماة لن تتكرر لعدة أسباب منها أن بشار الأسد ليس دمويًا كأبيه فهو طبيب درس في بريطانيا كما أنه رئيس الصدفة، فمقتل شقيقه باسل هو ما أوصله إلى منصب الرئاسة دون أن يمر بمرحلة التوحش -الإعداد العسكري الأمني- اللازمة لتأهيله لقيادة سوريا بقبضة حديدية. والسبب الثاني والأهم هو استحالة تمكن النظام من إخفاء الحقائق وذلك لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وإمكانية النشر على مستوى الأفراد العاديين، وحتى البث المباشر كان ممكنًا بوسائل متاحة لعدد لا بأس به من المشاركين في تنظيم المظاهرات وبالتالي سيحجم الأمن عن استخدام القوة المفرطة، وفي حال استخدمها فإن فضح الجرائم والانتهاكات ستدفع باقي السوريين في المناطق التي لم تثر بعد إلى المشاركة بالتظاهر ورفض ممارسات النظام وستؤدي إلى انشقاقات مؤثرة في المؤسسات الأمنية والجيش هذا على المجال الوطني، وأما على المستوى الإقليمي والدولي فستكون توثيقات الجرائم الدليل الكافي لإدانة النظام وستحرج الجرائم المجتمع الدولي وتجبره على التدخل بمايساعد على إسقاط النظام.

بعد أن عمت المظاهرات العديد من مدن سوريا وقراها وفشل النظام بالسيطرة عليها من خلال تدخل أمني محدود صعد النظام من عملياته مراهنًا على التناقضات الدولية من جهة ومتانة النواة الأمنية- العسكرية من جهة أخرى، فارتكب جرائمه دون تحفظ وذلك باقتحام جيش النظام المناطق الثائرة فكانت كاميرات الناشطين بالمرصاد مما شكل فيضانًا من المعلومات ولكن هذا الكم الهائل من الحقائق لم يدفع المجتمع الدولي لإيقاف الجريمة ولم يدفع باقي الشعب لرفض النظام وممارساته.

لم تكن الحقائق كافية لأخذ موقف مضاد تجاه النظام أو التزام الحياد السلبي تجاهه لأكثر من سبب: فهناك قرار مسبق بتكذيب أي خبر يخرج المتلقي من دائرة أمانه ويضعه بمواجهة قوة غاشمة أو مجهولة بالنسبة إليه، وهذا مايفسر تكذيب عدد مهم من السوريين الدلائل التي تثبت إجرام النظام الأسدي وقبول ماتلقيه آلته الدعائية من تهم زائفة وأحيانًا سخيفة تجاه المتظاهرين.

من الأسباب أيضًا تقاطع مصلحة النخب المجتمعية مع النظام، وهنا لا أقصد النخب التي تشكل جزءًا من بنية النظام الصلبة وإنما النخب المؤازرة من الطامحين لدور في المجال العام أو الذين يرون باستمرار النظام استمرارًا لدورهم، ربما موقف التجار والصناعيين الذين استمروا بدعم النظام ينسجم مع مقولة “رأس المال جبان” ولكن الملفت للنظر موقف العديد من المثقفين وأيضًا موقف ما يسمى “رجال الدين”، وربما المثال الأكثر بروزًا يتجسد بموقف د.محمد سعيد رمضان البوطي، ففي بداية الثورة كانت عاصمتها حمص تتألق بحراكها السلمي، ما أدى إلى جنون النظام فصب عليها جام غضبه وإجرامه، في تلك المرحلة كان البوطي يسوق للنظام دعايته فاجتمع معه طلاب سابقون له من مدينة حمص ليضعوه بحقيقة الأمر ، منهم من حاز شهادة الدكتوراة، فلما لمسوا منه تعنتًا وعنادًا عرضوا عليه التحقق من الأمر بنفسه فكان رده العجيب بأنه لا يتلقى معلوماته إلا من ولاة الأمر أي وزير الأوقاف، وتلى عليهم الآية الكريمة (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) فلك أن تتخيل صاحب كتاب “نقض أوهام المادية الجدلية- الديالكتيك” يعتبر مدينة حمص خارج إطاره المعرفي وجزءًا من الغيب الذي لايجوز كشف أستاره!

على المستوى الدولي بقيت لفترة طويلة نسبيًا الحقائق محل شك وتساؤلات من قبل الرأي العام العالمي، وذلك يعود لأسباب أهمها قلة المراسلين الصحفيين الذين استطاعوا الوصول والبقاء في المناطق الثائرة نتيجة لاستهدافهم الممنهج من قبل النظام كما حصل مع الصحفية الشجاعة Marie Colvin (ماري كولفين) التي ضحت بحياتها من أجل نقل الحقيقة، وبالتالي كانت هناك رواية مزعومة للنظام تنقلها أبواقه المحلية والإقليمية والعالمية حول مواجهته لخطر الإرهاب يقابل الحقيقة الميدانية التي ينقلها الناشطون والمنشقون، إلا أن المراقب الخارجي يضعهما في إطار الدعاوى المتقابلة ولهذا لم يشارك الرأي العام في الدول المؤثرة في الضغط على صانعي القرار للتدخل لوقف حمام الدم، فوجدوا أنفسهم في حل من اتخاذ أي إجراء منفرد (خارج إطار مجلس الأمن) لعدم وجود مصلحة مباشرة، وعدم وجود ضغوط من الناخب المحلي.

مما تقدم نجد أن معرفة الحقائق لم تولد فعلًا (كافيًا) على المستوى الجمعي، في المراحل الأولى للثورة، لإسقاط النظام، حيث قوبلت بأحكام مسبقة كانت جدارًا يمنع تفاعل هذه الحقائق بذات المتلقي، أو في المراحل المتقدمة، ورغم تصديق الكثير من السوريين للدلائل الغير قابلة للدحض إلا أنهم وقفوا حائرين وعاجزين عن القيام بأي رد فعل بعد ما تبين له أن المعركة قد حسمت لصالح الأسد أو بالأحرى لتحالف روسيا “الدولة المافيوية” مع إيران “جمهورية الطائفة”.

لتبقى هذه الحقائق دليلًا مجمدًا، تنتظر توافقًا دوليًا أوانسحابًا مفاجئًا أو ربما انهيارًا في تحالفات الأسد، لتكون الأساس لمحاكمة أركان النظام وفرض حل سياسي وهذا لن يكون في المستقبل القريب، لهذا يجب العمل على إبقاء حالة الاستعصاء المتمثلة بمنع عودة العلاقات مع نظام القتل من خلال الاستمرار بالتذكير بجرائمه وإيصال الصورة الحقيقية لهذا المسخ للرأي العام العالمي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة