نظارة ميا خليفة

ع ع ع

نبيل محمد

ربّما لن تنجح ميا خليفة بمسعاها لمساعدة “الصليب الأحمر” اللبناني، أو المنظمات القائمة على إغاثة العاصمة المدمَّرة بـ”نترات الأمونيوم” المخزَّنة على مرأى الطبقة السياسية اللبنانية في قلب بيروت، فقد تعوق هذه الطبقة الوصول المباشر لأكثر من 150 ألف دولار، وهي ثمن نظارة وشفرة حلاقة نجمة أفلام “البورن” اللبنانية الأمريكية، أو ربما قد يصل المبلغ ناقصًا بما سيأخذ منه سياسيو البنوك ومكاتب تحويل العملات وبيع “الكبتاغون”.

كانت ميا واحدة من أبرز المتضامنين مع بلادها عقب التفجير، فطالبت الجميع بالتبرع كون الحكومة عاجزة وفاسدة، وانهالت بالشتائم مسمية رموز الحكومة، ولم توفّر أحدًا من “حزب الله” إلى الرئيس، ميشال عون، الذي قارب الـ90 من عمره، ولم يقتله التفجير الهائل الذي قتل المئات من شبان بلده. بينما وجد آلاف المغردين والصحفيين والمعلّقين في موقف ميا خليفة موقعًا خصبًا للمقارنة، كوصفها بأنها “ممثلة إباحية” إنما تنتمي لبلدها وتخدمه، أكثر من مجموعة سياسيين عاثوا فسادًا وخرابًا ببلدهم خلال عشرات السنوات، فكانوا أبطال حربها الأهلية وسلمها الأهلي، بينما يتملّصون اليوم من الانفجار الأكبر، الذي لا يمكن إلا أن يكونوا مسؤولين مباشرين عنه، حتى وإن تم تفجيره من قبل قوى معادية، وبصواريخ عابرة للقارات.

سواء كان هناك مجال للمقارنة أم لا، مع العلم أن المقارنة قد تكون مجحفة بحق ميا خليفة، وتضعها في مكان “الدون” الذي يمكن معه رؤية ما هو أكثر دونية، والمبالغة في تحقير الحقير من خلال مقارنته مع حقير أقل منه حقارة، إلا أن ميا بالفعل سفّهت من شأن منظومة سياسية بأكملها، ليس بتبرعها بثمن أغراضها، مقابل احتفاظ الزعامات الكبرى في لبنان بحساباتهم البنكية ورواتبهم بعيدًا عن السجال الحاصل. إنما بشفرة الحلاقة المستعملة التي نظّفت بها ميا ما شاءت من زوايا جسمها، والنظّارة التي يعرفها أغلبية شبان العالم العربي والتي توظّفها ميا بالإغواء والاستثارة الجنسية للطرف الآخر، ولا بد يعرفها سياسيو لبنان ذاتهم جيدًا (باستثناء عون ربما، 85 سنة)، أغنت لبنان بفائدة لم يقدّمها أحدهم له.

لم تقد ميا خليفة يومًا حزبًا سياسيًا، لم تفجّر سيارة مفخخة، لم تتورط بملف “سوليدير”، لم تغتل رفيق الحريري ولا جورج حاوي ولا حتى إيلي حبيقة، لم تشارك بمجلس نواب، ولعلّها لم تنتخب يومًا في حياتها بلبنان، عديد جمهورها قد يفوق عديد جمهور أي سياسي لبناني من “بعبدا” إلى الضاحية، لكنها لم تقده إلى حتفه في سوريا أو اليمن، لم تكرّس عقيدة طائفية، تعرف ميا أن طريق القدس لا يمر من القصير، كما أنها اعتزلت مهنتها بعد عدة سنوات من العمل، لم تتمسك بكرسي قادرة على أن تحصل فيه على متابعين يفوقون متابعي أي نجم من نجوم السياسة في المنطقة، لم تقل شيئًا وتفعل عكسه، استطاعت بيع نظارتها بمبلغ ربما لن يصل إليه فريق مرتدي النظارات من نصر الله إلى عون إن باعوا نظاراتهم السميكة، باعتها رغم أن نظارتها ترى بوضوح ولا تحجب الرؤية، كما أنها لم ترَ الفاجعة بادعاء وفوقية كما رآها كثيرون من جمهور المقاومة، لم ترَ التفجير مقدمة لتفجّر ينابيع الحب في لبنان كما رآها دريد لحام (86 عامًا).

تفهم ميا، كما يفهم ملايين اللبنانين المشدوهين من شدة الانفجار والحريق، الذين لم يقدروا على استيعاب الكارثة حتى اليوم، أن بلدًا كاملًا يحتضر اليوم، يبحث المتبقون فيه عن أي أمل ليحتشدوا خلفه في الساحات، ويعيدوا هتافاتهم ويطالبوا بالعدالة في بلد لم يعرف معناها منذ ستينيات القرن الماضي. يدركون ما حصل بعيون الضحايا، لا بعيون من يرى القضية خطوة في طريق أهدافه السياسية والمالية، أو عقبة في الطريق ذاته، لا أكثر.



مقالات متعلقة


43200

×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة