fbpx

صلحي الوادي.. وطلابه

ع ع ع

نبيل محمد

لم يشبه يومًا المشهد الموسيقي الكلاسيكي الأكاديمي السوري وجه سوريا الفني، ولعله واحد من الاستثناءات النادرة التي استطاعت تشكيل أرضية لمشروع ما زال حتى اليوم يثمر نتائجه وإن خارج البلاد، هذا الوجه الموسيقي لا يختلف اثنان كانا على صلة مباشرة أو غير مباشرة، بما أنجزه من موسيقى كلاسيكية في سوريا، بأن عرابه هو الموسيقار العراقي الراحل صلحي الوادي، الذي صادفت ذكرى وفاته الـ13 قبل أيام، وهو الذي تبنى عدة مشاريع موسيقية هدفها بناء مؤسسات قادرة على تثقيف وتطوير الأجيال في سوريا موسيقيًا بشكل ثابت، غير خاضع لطفرة مروره في عالم الفن والثقافة السوريين.

“المعهد العربي للموسيقى”، و”المعهد العالي للموسيقى”، و”الفرقة السيمفونية الوطنية”، ثلاث مؤسسات أنجزها صلحي الوادي في أعوام مختلفة، خلقت وسطًا موسيقيًا أكاديميًا سوريًا أنتج فيما بعد مختلف العازفين والمؤلفين الذين انتشر بعضهم بين بلدان العالم، وبقي بعضهم في سوريا يعمل في ظل تلك المؤسسات التي أنشأها الوادي، والتي فتح له النظام السياسي فيها الباب، وأعطاه بشكل واضح ما لم يعطِ غيره من فرص.

كيف لحافظ الأسد أن يتيح شروطًا فنية مناسبة لرجل مبدع مختص، فينتج في بيئة سليمة نسبيًا ما يخلُد، وما يؤسس لحالة فنية مستمرة؟ سؤال طالما طرحه نقاد، مشكلة أغلبهم مع صلحي الوادي ذاته، هو قدرته على التفاعل والتعاون مع منظومة الأسد الأب، وقدرته على العمل بشبه استقلالية في مشروعه، بل وبما وصف في كثير من الأحيان بدكتاتورية مختص لا يقبل أن يحيد عن أهدافه. وهنا تشفع الموسيقى الكلاسيكية له بما فيها من “لا موقف”، طالما أنها علامات موسيقية غير مرفقة بكلمات من جهة، وغير موجّهة بإرادة منشئها ضمن مشروع سياسي معيّن. لذا كان لا مشكلة أبدًا في أن يتم فتح الباب للمأسسة الموسيقية، وما صادف أنه لم يتم فتح باب هذا المشروع لمن هو غير مناسب له، كما هو معتاد في كل مأسسة سمح بها نظام الأسدين، فلم يأتِ النظام بعازف ذي نصف موهبة تربطه علاقة بضابط مخابرات، ولا بابن فنان أُعجب به الأسد يومًا ما. إنما وقع الاختيار على شخصية الوادي المقرّب من شخصيات ثقافية رسمية لها ثقلها عند النظام كنجاح العطار وسواها، خاصة بعد سابق إصرار لدى الوادي بأهمية بناء مؤسسات أكاديمية، ترعى الموسيقى الكلاسيكية، وتقدم وجهًا حضاريًا للبلاد في الخارج، بل والاعتناء بها بما يفوق الاعتناء بالموسيقى الشرقية، التي طالما اتُّهِم الوادي بإهمالها.

أفرزت المؤسسات التي أنشأها الوادي كوكبة من العازفين السوريين، الذين، بطبيعة الحال، أول ما يطلق عليهم هو أنهم “من طلاب صلحي الوادي”، توزّعوا بين الفرق والمعاهد، بينما ترك كثيرون منهم سوريا خلال السنوات السابقة، ليؤسسوا فرقًا في الخارج بات لها حضورها، أو ليصبحوا عازفين ضمن فرق لها ثقلها في البلدان التي يقيمون بها، أمّا من ورث إدارة المؤسسات الموسيقية السورية، فما هو إلا جندي في هذه الحرب بشكل أو بآخر، حيث لم يعد انعدام وجود كلمات في الموسيقى الكلاسيكية يشفع لها بأن تكون على مقلب الحياد، أو أن يتاح لها ما شاءت كونها لا تستهدف النظام الحاكم، إنما حالها كحال كثير من المؤسسات التي باتت وظيفتها الأولى خدمة المنظومة السياسية الحربية، ومن ثم أداء وظيفتها التقليدية، لنرى معهد “صلحي الوادي” ذاته متنقلًا بحفلاته في إحياء عيد الجيش العربي السوري، مهديًا معزوفاته لمقاتليه، ومشيدًا بتضحياتهم، أما رجالات الموسيقى، الذي توزعوا في إدارات “المعهد العالي”، وإدارة “الفرقة السيمفونية الوطنية”، وإدارة معهد “صلحي الوادي”، وإدارة “دار الأوبرا”، فيهدون كبرى آيات الوفاء والإجلال لزعيم الأمة، كلما صادف حضورهم أمام كاميرا التلفزة. على كل واحد منهم أداء النوتات التي تُكتب في فروع المخابرات الملاصقة لجميع هذه المعاهد، قبل أن يؤدي أي “سوناتا”، يحاول الهرب فيها من الواقع، أو التفرّد بأنه يعزف موسيقى عالمية لا يمكن أن تفسّر في ظل رأي أو موقف سياسي.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة