ميليشيا إيرانية في منزل نزار قباني

ع ع ع

إبراهيم العلوش

في منزل الشاعر السوري نزار قباني بدمشق، قامت ميليشيا إيرانية قبل أيام بإحياء أمسية شعرية لرثاء عالم الصواريخ ورئيس المشروع النووي محسن فخري زادة، وافتتح الأمسية قائد إيراني لشعراء المقاومة بمشاركة من رئيس اتحاد كتّاب النظام، مالك صقّور، وعدد من المتكسبين والمتكسبات من أدباء الحرب الإيرانية ضد السوريين.

الشاعر السوري نزار قباني (1923-1998) أحد رموز الحياة الثقافية السورية والعربية منذ الخمسينيات، حين اجتمع مجلس النواب السوريين من أجل قصيدته الشهيرة (خبز وحشيش وقمر)، وهو من أعلام دمشق الذين نشروا ياسمينها وعطرها عبر العالم بقصائد تحمل هموم الناس وتطلعاتهم، وتساند وقوفهم ضد الاستبداد الذي يعتبره نزار قباني قضيته الأساسية مع تغنيه بالحب والياسمين اللذين تعبق بهما قصائده.

أول ظهور ثقافي للإيرانيين في دمشق كان عبر المستشارية الثقافية الإيرانية قرب ساحة المرجة، وأول سيطرة علنية لهم كانت على اتحاد الكتاب في عهد رئيسه، حسين جمعة، عام 2005، بعدها انتشرت معارض الكتب شبه المجانية التي تمزج الدين بالسياسة بالهيمنة الفارسية التي تتقنع ببكائيات من أجل الحسين بن علي. وتمدد النفوذ إلى المزارات التي أممتها إيران في دمشق وفي الساحل السوري وفي حلب، والتي عمّت اليوم معظم المدن السورية التي يسيطر عليها النظام.

وكانت تلك الاختراقات نتيجة للمسيرات الشاقة التي قطعتها باصات الزوار الغامضين والسياح الإيرانيين عبر آلاف الكيلومترات بين إيران وسوريا منذ عام 1980، حين تحالف الأسد الأب مع الإيرانيين ضد الدولة العربية المجاورة وهي العراق خلال حربها ضده (1980-1988) التي تسببت بملايين القتلى وعشرات الملايين من الجرحى والأرامل والأيتام، والتي أسست للمشروع الإيراني الذي ينشر الخراب في المنطقة.

الإيراني محسن فخري زادة كان معاونًا لوزير الدفاع الإيراني لشؤون تطوير الصواريخ والطاقة النووية، ومديرًا غير معلن لمشروع القنبلة النووية الإيرانية، وكان ضابطًا كبيرًا في “الحرس الثوري الإيراني”، ولا علاقة له بالشعر ولا بالثقافة، بل إن صواريخ  محسن فخري زادة تم تجريبها على المدنيين في سوريا، وكان من المنتظر إنجازه مع فريقه القنبلة النووية الإيرانية ليجربها ولو بشكل أولي على السوريين، خاصة أن النظام كان قد جرب القنابل والصواريخ الكيماوية على أهالي غوطة دمشق، ومنح الترخيص للروس لتجريب أكثر من مئتي نوع من الأسلحة على الأراضي السورية وضد المدنيين.

الشعراء الذين احتلوا بيت نزار قباني كالوا المديح لعالم الصواريخ وعالم القنبلة النووية الإيراني وتذكّروا (تيمورلنك الإيراني) قاسم سليماني، الذي رسّخ الخراب والوجود العسكري الإيراني والتبشيري في سوريا، وكانت صور حسن نصر الله والخامنئي وقاسم سليماني و”أبو مهدي المهندس” تمتد بين الأقواس والزخارف الدمشقية، وبدت شجرة النارنج حزينة بعد اقتحام منزل الشاعر الذي كان يشبّهه بقارورة العطر!

رغم ترديد مندوب الأسد السابق في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، قصائد نزار قباني من أجل تزيين وجه نظام البراميل، فقد تخلت مديرية الآثار والمتاحف عن استملاك بيت نزار قباني، ولم تعد تعتبره تراثًا سوريًا جديرًا بالحماية، وسلمته للميليشيا الشعرية الإيرانية التي تمارس النفاق والتزييف، كعادة شعراء النظام وكتّابه منذ عشرات السنيين. وحتمًا ستقوم تلك المديرية بتسليم المزيد من المباني والرموز السورية من أجل ترسيخ الوجود الإيراني الحامي لنظام الأسد.

ورغم الضغوط الدولية على إيران والعقوبات الخانقة عليها، فإنها لا تزال تتمدد في الجغرافيا السورية وفي الحياة الاجتماعية والثقافية السورية من دمشق والساحل حتى حلب والبوكمال، وهي تعوّل على وجود طويل الأمد، وتقوّيه بوجه الزلازل المرتقبة في المفاوضات الدولية وأمام تجدد أشكال الثورة السورية رغم كل الهيمنة والدعم المالي والعسكري الإيراني للأسد.

كان الشاعر نزار قباني يحب هذا البيت، وكان يزوره كلما عاد إلى دمشق لأن ابنه توفيق توفي فيه، إلا أن نظام الأسد حرم الشاعر من زيارة دمشق بعد أن قتل زوجته بلقيس عام 1981 في بيروت، وردّ الشاعر بقصيدة تستعرض جرائم حافظ ورفعت الأسد، ولم يعد إلى دمشق إلا جثة احتكر تأبينها مصطفى طلاس مانعًا السوريين من تحويل يوم تأبين شاعرهم إلى احتفال بالجمال والحب والحرية التي كان يتغنى بها طوال حياته.

لعل أمسية رثاء محسن فخري زادة ومديح نظام المقاومة في بيت نزار قباني كانت أول رد على مقتل عالمها النووي، وهذا الرد يذكّرنا برد إيران البائس بعد مقتل (قاسم سليماني) وذلك بقصف الطائرة المدنية الأوكرانية، أما اليوم فقد دنّسوا بيت أحد الرموز السورية عندما اصطف شعراء الميليشيا الإيرانية- السورية في بيت شاعر الحب والياسمين، وهم يرددون المديح لمن يقتلع السوريين من بيوتهم، ومن يجرّب صواريخه بهم، ومن يدمّر مدنهم وبلداتهم، وهذه لم تكن مجرد أمسية للنفاق الذي تزخر به الحياة الثقافية في ظل نظام الأسد، بل هي تعبير عن وصول ميليشيا الثقافة الأسدية والإيرانية إلى مرحلة جديدة من الانحطاط!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة