fbpx

رثاء ناقص لحاتم علي

ع ع ع

يامن المغربي

هنا دمشق من خلف شاشة تشبه المساحة المسموحة لنا بالانتماء، إنها الجنازة، ألفتها سابقًا، هؤلاء المشيعون وهذا التابوت أعرفهم، وهذه المرة إنه حاتم علي كاملًا داخل صندوق!

وسط هذا الشجن، عندما سألتني ابنتي ما هذا؟ أخبرتها، إنها دمشق!

تعرّفت إلى المدينة للمرة الأولى وهي تشيع أحد أبنائها النازحين، لطالما حاربت انتمائي لأعيش وأستمر، وغازلت مدنًا أخرى بعد عامي العاشر خارجها، إلا أن قواي خرّت أمام هول ما أرى وأشعر، فهذه دمشق يا ابنتي، إلى هنا أنتمي وما أصعب سلخ الانتماء!

أجبتها هذي دمشق يا ابنتي، نحن من هنا، من هذه المدينة التي غبنا عنها مجبرين كما حاتم علي، وأحببناها جميعًا أكثر مما أحبتنا هي، ثم صمتت قبل أن أكمل الجملة التالية “نحن ننتمي إلى هذه المدينة، إلى دمشق يا يافا!”

ذكرني رحيل من أدعوه بـ”المُعلم” بأنني أنتمي إلى دمشق، وهو أمر أهرب منه منذ سنوات، منذ فرض علي وعلى الآلاف غيري، النفي إلى البلاد الواسعة التي بالكاد تتقبلنا هي الأخرى، ومنذ ذلك الحين وأنا أحارب طواحين الهواء كما الدون كيشوت، أقارن بين أمي دمشق والباقيات، هذه المدينة أكبر وتلك أجمل وهذه متحضرة والأخرى حديثة.

طعنت بكلام الشعراء وقصائدهم حول دمشق، اتهمت المقربين والآخرين بأن علاقتهم بمدينتهم ما هي إلا علاقة ذكريات وحنين ولا تملك من الواقعية إلا حروفها المكتوبة على جدار الـ”فيس بوك”، وأن نظرتهم تقدس مدينة لا تستحق كل هذه المشاعر الجياشة أصلًا.

ثم بكيت، بكيت وأنا أقرأ كلام السوريين عن علي وكأنه ابنهم وصديقهم، مستحضرين عشرات المشاهد من أعماله الدرامية التي شكلت لهم ذاكرة ووجدانًا حيًا وأيامًا حملت لهم دفئًا ما.

أعاد رحيل حاتم صور شوارع دمشق التي نفيتها أيضًا في ذاكرتي القصيرة هناك، صور الفوضى والقسوة والحب والأمل الغائب، صورًا لسحر لا يعرف مصدره ولا سببه ولا إن كان موجودًا أصلًا، وبكيته كما أبكي صديقًا حميمًا وقديمًا.

التقيت بحاتم علي ثلاث مرات، أولها في صيف 2007 بمقهى “الروضة” وكان عمري 19 عامًا، كان وحيدًا، اقتربت منه بخجل، وبعد السلام قلت له، “أعرف أن عشرات الشباب سيطلبون منك ما سأطلب فتحملني!”، ابتسم بود وطلبت منه بعض النصائح قبل التقديم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية ولم يقل لا، طلب التأجيل حتى ينتهي من مكالمة سريعة ينتظرها.

جنازة حاتم علي في العاصمة السورية دمشق 1 من كانون الثاني 2021 (فيس بوك)

جنازة حاتم علي في العاصمة السورية دمشق- 1 من كانون الثاني 2021 (فيس بوك)

المرة الثانية كانت في القاهرة، في دار “الأوبرا” عام 2009، عندما شارك فيلمه “الليل الطويل” في المهرجان، شاهدنا الفيلم ووقفنا معه خارج القاعة وناقشناه بالفيلم، وكنا مزهوين، لدينا أيضًا سينما يا أصدقائي المصريين، لدينا من يصنع أفلامًا جميلة وعميقة تكسر اللغة الخشبية في أفلامنا، وترفض الرمز الذي أنهك قصصها.

الثالثة وهي الأخيرة كانت في منزله في تشرين الثاني 2013، عندما تلقيت دعوة من زوجته الكاتبة دلع الرحبي لزيارتهم ومعي فيلمي الأول “الملك لا يموت”، الذي أنجزته كمشروع تخرج من المعهد العالي للسينما.

وقفت في منزلهم متوترًا، أنا في حضرة حاتم علي، وما إن انتهى الفيلم حتى صفق حاتم علي وأثنى على الفيلم، ثم شاهده بعدها بعام في بيروت مرة ثانية ولم أكن موجودًا حينها.

هذه الذكريات التي جمعتني مع حاتم علي، المثل الأعلى الذي منح الأمل لعشرات الشباب الحالمين بأن يكونوا مخرجين يومًا ما، ستمنعني مرة أخرى من الهروب من دمشق وانتمائي لها.

آلاف السوريين ودعوا حاتم علي اليوم، كل واحد بطريقته، وآلاف الدموع التي انهمرت صادقة على صديق لم يعرفوه، ومئات النقاشات التي دارت مجددًا حول موقفه السياسي وجودة أعماله الدرامية، لا تهم هذه النقاشات، ما يهم أن حاتم علي كان سوريًا حتى الصميم، وأنه وحده من يعرف كيف يجب أن تُصور دمشق، وكيف تظهر على حقيقتها دون تجميل وبكل حب، وكان صادقًا بنقل الواقع كما هو، وصادقًا بنقل أحلامهم كما هي.

ذكرنا حاتم علي بأننا موجودون وأحياء وقادرون على الحزن، وأن كل المصائب التي نواجهها منذ عشر سنوات لم تنسنا أننا سوريون كنا وسنبقى، وأننا إليها لعائدون، إن لم يكن اليوم فغدًا حتى لو كان بعيدًا.

وداعًا حاتم علي، وداعًا يا معلم!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة