تعا تفرج

عن تشابه الأسماء واللعب بالألفاظ

ع ع ع

خطيب بدلة

على أيامنا، كان الأدباء الذين تجمعهم صداقة حميمة، حينما يلتقون في مكان ما، تنفتحُ شهيتهم على التنكيت والمزاح، فيقول أحدهم للآخر: ما الأسباب الموضوعية التي جعلتك ترى أنني أحسن قاص أنجبته هذه البلاد البائسة؟ فيرد عليه متخذًا وضعية الرجل الفهيم العميق: والله، في الحقيقة، إذا أردنا أن نكون موضوعيين، فإن القصص التي تكتبها حضرتك، بتهوي. ويقول ثانٍ لثالث: ما رأيك التافه بقصيدتي العظيمة؟ ويضحك الثالث ويقول: أنا لا أنزل برأيي العظيم إلى مستوى قصيدة تافهة كقصيدتك.

وكنا نتلاعب بالألفاظ، ونستعمل المنطق الصوري، لإنشاء المزاح، فنقول إن حسين بن حمزة يكتب شعرًا، إذن حسين شاعر. أحمد عمر يكتب قصة قصيرة، إذن أحمد عمر “قاص قصير”! وقد درجت العادة أن ينشر أحد الأدباء المشهورين مقالة نقدية يمتدح فيها أشعار صبية مبتدئة، شعرُها تافه، ولكنها حلوة، فنطلق على ما كتبه مصطلح “نقد تطبيقي”، لأنه كتب هذا “النقد” بهدف “التطبيق”.

وإذا تركنا المزاح جانبًا، نجد أن معظم الأشياء التي يجري تداولها في هذه البلاد السورية المسكينة، تسير على هذا النحو الاستعلائي، فهناك، دائمًا، سلطة، أو سلطات تستخف بالإنسان الفرد، وتخاطبه على منوال “ما رأيك التافه؟”، بدليل النكتة التي رواها “أبو اللوق” (لقمان ديركي)، عن شخص قال له عنصر من “سرايا الدفاع”: انزل عن الرصيف يا حمار. فرد عليه بعين حمراء: لا تقول رصيف. أيوه! ومثلها واحدة تقول إن عنصر مخابرات سأل شخصًا يلتقيه أول مرة: أنت من ضيعة السيد الرئيس يا حبيب؟ فقال الشخص: لا والله. فقال له: لكان أنت من وين ولا كرّ؟

حدثني صديق يحمل كنية عائلة مشهورة مقربة من آل الأسد، أنه كان يدرس في كلية العلوم السياسية، وكان أحد الدكاترة ينافق له بسبب كنيته، وكلما أدلى برأي مخالف لرأي الدكتور، يداعبه قائلًا: أنتم بيت فلان دائمًا آراؤكم تخوف، ولكنها، في الواقع، صائبة. وعندما علم هذا الدكتور أن الطالب ليس من أقرباء الأسد، وأن هناك تشابهًا بالكنية فقط، صار يستخدم كلمة “علاك” في وصف كل رأي يدلي به، وكثيرًا ما كان يمنعه من الكلام قائلًا: اقعود بلا فلسفة، تضرب في شكلك.

الأجمل من هذا وذاك حكاية الفتى “الحربنوشي” الأهبل الذي كان ذاهبًا إلى معرتمصرين بقصد أن يسافر منها إلى حلب، ومن هناك يسافر إلى دمشق، ليلتحق بقطعته العسكرية، فالتقى بواحد “حربوق” من القرية اسمه رفعت، أراد أن يلعب بعقله فاقترح عليه أن يؤجل سفره أسبوعين. ففعل. وبعد أسبوعين التحق الفتى بقطعته، وهناك سأله النقيب قائد السرية عن سبب تأخره، فرد بلهجة “حربنوش” التي تشبه لهجة أهل القرداحة: والله يا سيدي، الرفيق رفعت قال لي تأخر ولا يهمك.

استخدم النقيب في الرد على كلام الفتى كلمات من مثل: أي والله والنعم. أنعم وأكرم. على راسي. إلى أن اكتشف أن الفتى من ريف معرتمصرين، وأن هذا الـ”رفعت” المقصود غير رفعت الأسد، وأعينكم، يا سادتي القراء، لا ترى إلا النور!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة