النظارات الشمسية والانقلابات العسكرية

ع ع ع

إبراهيم العلوش

أبرز ما يلفت النظر في صور الانقلابيين الجدد في السودان هي نظاراتهم الشمسية، التي تنعكس عليها الأضواء بشكل مدروس من قبلهم، أو من قبل الشركات الصانعة لهذه النظارات الثمينة!

ولعل هذه النظارات اللامعة والغالية تذكرنا بنظارات معمر القذافي وحافظ الأسد وعبد الفتاح السيسي، وبنظارات عناصر المخابرات وخريجي الكليات العسكرية في العالم العربي، الذين يتلبّسهم الولع بنظارات “الريبان” وغيرها من الماركات التي انتشرت في القرن الماضي.

الانقلابيون الجدد في السودان أعادوا تراث الانقلابات العسكرية العربية بكل تفاصيله، من الاستيلاء على الإذاعة والتلفزيون وتعليق الدستور واعتقال المسؤولين السابقين، وذلك حرصًا على هذا التراث العسكري الذي ينخر في جسد بلداننا وفي عقولها، ويمتطي كرامات الناس ليحولهم إلى مجرد مواطنين خائفين لا حول لهم ولا قوة.

وللأمانة، فإن الانقلابيين السودانيين، ومنذ قيام الانقلاب فجر الاثنين 25 من تشرين الأول الحالي وحتى الآن، لم يقوموا بإعدام رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، ولا أي من الوزراء، وإنما اكتفوا بسجنهم والتنكيل بهم أمام عائلاتهم، إذ إن أحد الوزراء قد اقتيد إلى السجن حافيًا دون السماح له بلبس حذائه، كما قال أحد أفراد عائلته.

وهذا ما يشكّل تحولًا في سياسة الانقلابيين العرب، ففي عام 1949، قام سامي الحناوي بإعدام حسني الزعيم بعد اقتياده إلى خارج دمشق، إثر ليلة حمراء كان الحناوي يرقص فيها لرئيسه على موسيقى الرقص الشرقي في أحد النوادي.

وهو تحول يختلف أيضًا عما فعله حافظ الأسد برفقائه وداعميه من اللجنة العسكرية التي ساعدته في الاستيلاء على الحكم، والذين تمت ملاحقتهم واعتقالهم وإعدامهم فردًا فردًا، وبطرق تختلف من القتل المباشر لعبد الكريم الجندي على يد رفعت الأسد، وصولًا إلى اغتيال اللواء محمد عمران في لبنان، وبينهما نام الرئيس نور الدين الأتاسي مع صلاح جديد، عرّاب الأسد، أكثر من 20 عامًا في سجن “المزة”، ليخرجا إلى القبر بعد عدد من أيام الاحتضار في بيوتهما أو في المستشفيات التي تكرّم عليهما بها حافظ الأسد ليموتا فيها وبعيدًا عنه، ناهيك عن مئات الضباط والمدنيين الذين تم التنكيل بهم، ولم يذكر أحد أسماءهم إلا في المعتقلات وفي منظمات حقوق الإنسان التي لم تنفع مساعيها مع حافظ الأسد، ولم تُجدِ كل توسلاتها بالإفراج عنهم أو الكفّ عن التنكيل بهم وبعائلاتهم.

انقلاب السودان، الذي يرفضه الشارع السوداني، جاء بعد التخلص من الطاغية عمر البشير قبل عامين، وهو يعيد سيرة الطغيان من جديد، فالرئيس الجديد عبد الفتاح البرهان هو من جنود عمر البشير، ومعاونه محمد حمدان دقلو الملقب بـ”حميدتي”، هو تاجر إبل سابق وصاحب عدد من مناجم الذهب حاليًا، وهو من رؤساء ميليشيات البشير وقائد “الجنجويد”، العصابة السيئة السمعة، التي ارتكبت سلسلة طويلة من الانتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور، ولا تزال قيد النظر في المحاكم الدولية.

الانقلاب الجديد يأتي نتيجة خوف العسكر من الديمقراطية، والخوف من فتح ملفات ماضيهم والانتهاكات التي ارتكبوها، وهو يأتي بدعم من بعض الدول العربية التي ترعى الاستبداد، وتبشّر به كخلاص أكيد لها ولأنظمتها من انتشار الديمقراطية، التي تعتبرها أشبه بالطاعون، ولن تسمح لرعاياها أن يحلموا بالحرية ما دامت أموال البترول تتدفق في جيوب العائلات الحاكمة بلا حسيب وبلا رقيب.

دول العالم تندد بالانقلاب وتعترض على إفشال المسار السياسي والديمقراطي في السودان، فالشراكة بين المدنيين والعسكريين في السودان كانت رائدة، وتبشر بمستقبل معقول بعد قرن من الدكتاتوريات والتخريب والتنكيل الذي ارتكبه العسكر وهم يرتدون النظارات الشمسية، ويضعون أوسمة ملونة على صدورهم تشبه جداول الكلمات المتقاطعة التي تنشرها الصحف لتسلّي قرّاءها، ولينشغلوا بها بعد القيلولة.

ورغم كل التنديد الغربي والأمريكي بالانقلاب، فإن جيفري فيلتمان، المبعوث الأمريكي، السيئ الصيت، كان قد اجتمع مع البرهان قبل ساعات من قيامه بالانقلاب، وهذا ما يثير الشك والتساؤل حول الإشارة التي أعطاها المبعوث الأمريكي للانقلابيين قبل أن يحزموا أمرهم ويحطموا الأمل في التعاون السياسي بين المدنيين والعسكريين في السودان.

هذا التحطيم للتعاون بين المدنيين والعسكريين، يحيلنا مرة أخرى إلى انقلاب حافظ الأسد 1970 الذي حطّم بقايا الحكم المدني، بسجنه للرئيس نور الدين الأتاسي ولصلاح جديد والقيادة القومية لحزب “البعث”، ووضعه مواد في الدستور وفي لوائح الدولة تسببت بقتل واعتقال مئات ألوف السوريين، مثل وهن نفسية الأمة، ومعاداة الثورة، ومعاداة النظام الاشتراكي، وإجراءات حماية عناصر أجهزة المخابرات من المحاسبة على جرائم حقوق الإنسان، ومواد كفلت استمرارية تطبيق الأحكام العرفية طوال عقود حكمه، بالإضافة إلى “كليشيهات” التآمر والخيانة التي أعفى نفسه ووريثه من المحاسبة عليها.

وبعد الموجة الأولى من الإعدامات والاعتقالات، صنع حافظ الأسد قفصًا سياسيًا محكم الإغلاق، أسماه “الجبهة الوطنية التقدمية”، وزج فيه كل السياسيين وكل شخصيات الأحزاب التي نجت من القتل والاعتقال، وحولهم إلى ممثلين هزليين للإرادة السياسية السورية الموءودة، لتصل سوريا إلى ما تعانيه اليوم من تدمير شامل على يد وريثه الذي يرتدي النظارات الشمسية وهو يراقب الخراب في سوريا.

النظارات الشمسية، مثل كل شيء في عالمنا الحديث، تطورت ولم تعد مجرد أدوات للاستعراض، بل دخلتها التكنولوجيا الحديثة، وصارت تنقل إشارات الإنترنت وتراقب صحة الجسم، وترشد لابسيها من الضياع عبر خدمة “جي بي إس” التي توفرها نظارات “أي بي ام” و”جوجل” و”سامسونج”.

أما في عالمنا العربي، فلا تزال النظارات الشمسية عنوانًا للاستعراض، ولا تزال علامة للعمى السياسي، وهي من علامات عصر العسكر والمخابرات، عصر الاعتقالات والقتل والتخريب!



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة