ملامح التقارب بين “الإدارة الذاتية” وروسيا

ع ع ع

ماجد العلوش

بداية يجب أن نعترف أن لا أحد بات يعمل على حل شامل في سوريا إلا الروس، أما الآخرون فبين ساعٍ لتثبيت الأوضاع بانتظار ظروف، أو راغب بزيادة حصته لحسابات سياسية تخصه لاقتناعه بعجزه عن الحل.

لكن الحل الروسي يقوم على فكرة إعادة فرض سيطرة عصابات الأسد على كامل الجغرافيا السورية أولًا، ثم إدخال إصلاحات متدرجة على الوضع السياسي تحافظ على الهيكلية القائمة لما يسمونه بالدولة السورية، وبما يسمح بتحقيق استقرار يجعل من سوريا ورقة مفيدة في صراع روسيا المستجد مع العالم الغربي، وهو هدف أعلنته روسيا واشتغلت عليه منذ تدخلها العسكري الواسع (أيلول 2015) في سوريا، ونسّقت مع أطراف عديدة لتحقيقه، واليوم صارت المرحلة الأولى منه على مشارف الانتهاء بعد ابتلاع مناطق “خفض التصعيد” باستثناء إدلب، وحسم الوضع في الجنوب، ما يجعل التفاهمات الإقليمية الروسية السابقة منتهية الصلاحية في وقت اهتزت كثيرًا الثقة بالأمريكي بعد انسحاب أفغانستان الهستيري.

المرحلة الأولى استغرقت ست سنوات تقريبًا رغم أنها الأقل صعوبة في مسار الحل الروسي وتكاليف اقتصادية وسياسية وأخلاقية عالية، لكن مجرد النجاح في تحقيق المرحلة الأولى أغرى الروس بالمتابعة، وطرح ليس إدلب فقط بل والشمال برمته على بساط البحث مع الأتراك من خلال تكرار الهجمات الجوية والصاروخية على المناطق الخاضعة لسيطرة “الجيش الوطني”، ومن خلال المحاولات المتكررة لإحداث اختراق مهم في العلاقة مع “قسد” ثم إيجاد تفاهم ما بين “قسد” وعصابات الأسد مع ترك معالجة الوضع العسكري الإيراني النظامي والميليشيوي لإسرائيل.

تلك هي الصورة العامة للوضع السوري اليوم، والتي ومن خلال تكبير بعض أجزائها يمكن فهم الكثير من التفصيلات وإنارة زوايا تبدو معتمة.

بالعودة إلى العلاقة بين “قسد” والروس، فموضوع هبوط طائرة حربية في القامشلي هامشي ضُخِّم إعلاميًا، ذلك أن المطار تحت سيطرة عصابة الأسد أصلًا، لكن ربما يكون المهم هو ما يشاع عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية في المطار في وقت لاحق.

بعيدًا عن المسألة العسكرية المباشرة، فالوضع السياسي هو المهم، وهو ما تشتغل عليه روسيا منذ فترة، وفعلًا استغلت “الهلع القسدي” من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وخطط الانسحاب القريب من العراق، لتزيد مخاوف “قسد” وتدفعها نحو المصالحة مع الأسد مستغلة تصاعد التهديدات العسكرية التركية ضد “قسد” على خلفية اتهام الأخيرة بهجمات ضد مناطق سيطرة “الجيش الوطني” (عفرين خاصة) وضد جنود أتراك.

في الآونة الأخيرة، أجرت قيادات “قسد” مباحثات في كل من واشنطن وموسكو، ويبدو أنها اقتنعت أن لا انسحاب أمريكيًا وشيكًا من شرق الفرات، وأنا لا أعتقد أيضًا أن انسحابًا أمريكيًا سيحدث في المدى المنظور، و”قسد” لا تخشى بالتأكيد هجومًا أسديًا إيرانيًا على مناطقها، وهي قادرة على التعامل مع الاحتكاكات الموضعية مع تلك الميليشيات، فما الذي يحدث إذن؟ ولماذا تتوالى التصريحات عن تفاهمات “أسدية- قسدية” وشيكة عبّر عنها أكثر من طرف بمن فيهم إلهام أحمد وجميل بايك وآخرون؟

مشكلة “قسد” الأساسية ليست في الخوف من انسحاب أمريكي مفاجئ، ولا من هجوم أسدي مباغت، بل الأصل في مشكلة البنية الفكرية لهذه المنظمة، والقائمة على تصورات أيديولوجية مستنسخة يستحيل تحققها في الواقع السوري.

فخلال سنوات من سيطرتها على شرق الفرات والضفة الغربية أيضًا شمال النهر، لم تقدم “قسد” نموذجًا يغري السكان بالدفاع عنه، بل على العكس، قدمت في البداية نموذجًا مرفوضًا من موالي الأسد ومعارضيه على السواء، أقصد الفيدرالية الواسعة، قبل أن تقتنع باستحالة تحقيق الهدف وتستبدل به “الإدارة الذاتية” والنظام اللامركزي، وهما مفهومان مقبولان إلى حد كبير في المنطقة على الأقل، لكنها استبدلت العنوان وحافظت على المضامين السابقة، أي اعتقدت أنها باللعب بالألفاظ يمكن أن تحقق مشروعها.

ولو تتبّعنا ما يصدر عنها خلال سنوات لأدركنا أن “قسد” حقيقة لا تسعى إلى الانفصال السياسي، لأن ذلك وَهْم قاتل، بل تسعى إلى الدخول في شراكة مع الحكم المركزي في دمشق (أيًا كان هذا الحكم وبوجود أسد أو بعدمه)، والأسوأ أنها لا تريد إدخال شرق الفرات أو المحافظات الشرقية الثلاث وتوابعها العشائرية والثقافية على الضفة اليمنى للفرات (خط جرابلس، منبج، مسكنة) كشريك في سوريا، بل أن تدخل هي بوصفها مالكًا حصريًا أو (بتعبير سياسي ملطف) ممثلًا حصريًا لتلك المناطق في شراكة مع الحكم السوري في دمشق.

بمعنى أن الشراكة المطلوبة هي بين قوتين حاكمتين وليس بين مجموعات بشرية أو محافظات تنتمي للدولة ذاتها وتشكّل الشعب عينه، شراكة قوى أسوأ من فيدرالية مكونات.

هذا التوجه “القسدي” دفعها إلى التخبط باستمرار، فمرة تتوجه شرقًا وتسعى إلى التفاهم مع الروس، وأخرى تتوجه غربًا لتحتمي بالقرار الأمريكي، وبين هذا وذاك تغازل التركي وتمنح غمزة وابتسامة للإيراني، لكن خطيئتها أنها تدير ظهرها للشعب، وتعتمد حصرًا على أنصارها العقائديين، وعلى أزلام من بقية الناس، بمن فيهم المواطنون الأكراد أنفسهم، ما أوقعها في تناقض مع عموم السكان، تمظهر في احتجاجات عديدة ومصادمات متكررة، وأيضًا دفعها لانتهاج سياسات متقلبة بحثًا عن ضمانة لاستمرارها ونجاح مشروعها، وآخر تلك السياسات حمايتها للرتل العسكري الروسي في منطقة الصالحية شمال مدينة دير الزور.

ربما يمكن إذن فهم التقارب “الروسي- القسدي” الأخير في سياق مسعى “قسد” السابق، وهو مسعى لا يعارضه الروس من حيث المبدأ، لأن الاجتياح العسكري لشرق الفرات مستحيل، والروس بحاجة إلى ثروات الشرق السوري لإعادة الإعمار أو على الأقل لتمويل مشروع الدولة الأسدية الذي شارف على الانهيار أكثر من مرة بفعل الانهيارات الاقتصادية المتتالية والمستمرة التي لا تزال تهدد المشروع بالانهيار النهائي في لحظة مفاجئة.

ويبدو من تسريبات غير موثقة أن الروس نجحوا بإقناع الأسد بالخطة أو أنه اقتنع أصلًا تخوفًا أيضًا من الانهيار المفاجئ من جهة، واعتمادًا على هشاشة البنية الاجتماعية الداخلية للمشروع “القسدي” من جهة أخرى، بسبب أنانية “قسد” المتولدة من أصولها الأيديولوجية الطاغية على سلوكها وسياساتها، واحتمال موافقة الأسد على الدخول في شراكة مع “قسد” ربما صارت واردة أكثر من السابق (حيث كانت مرفوضة مطلقًا و”قسد” مطلوبة للأسد بتهمة الخيانة…).

وربما أيضًا الخلاف لا يزال قائمًا على حصة كل شريك، فحتمًا الأسد يرفض المناصفة لأنها تغلق المستقبل أمامه، و”قسد” تصر على أنها الحد الأدنى الذي يضمن عدم نجاح الأسد في ألاعيبه بالتحريض والترغيب لخلخلة الوضع الداخلي لشرق الفرات والاستيلاء عليه لاحقًا، أي وضع أعلى من مصالحات الجنوب وأقل بكثير من طموح قسد، وهو ما كشفت عنه تقارير صحفية بعد اجتماع في دمشق بين الأسد و”قسد” (شباط 2021) وافق فيه الأسد ضمن ما سمي حينها “التفاهمات الأولية” على منح “قسد” وضعًا خاصًا ضمن هيكلية ما يسمى الجيش السوري وأيضًا منح “الإدارة الذاتية” وضعًا خاصًا لكن ضمن قانون الإدارة المحلية المعدل.

في ظل السعي الروسي لإيجاد علامة انتصار سياسي في سوريا، والهوس “القسدي” بانتزاع اعتراف أسدي بشرعيتها، يبقى السؤال هنا: ما الموقف الأمريكي من اللعبة الروسية شرق الفرات؟ وهل سيقلب “الكابوي” الطاولة على رؤوس الجميع؟ ومتى؟

الجواب لا يزال مبهمًا لكنه حتمًا مرتبط بعوامل عديدة داخل شرق الفرات وفي الإقليم عمومًا.

التهديدات التركية لا أعتقد أنها ستصل إلى الصدام العسكري، فالحرب اليوم الخيار الأخير والأكثر مرارة لأي دولة، خاصة إذا كانت تمتلك هامشًا ديمقراطيًا واضحًا في الداخل، ومن المستبعد إقدام تركيا على عمل عسكري غير محسوب، بالتأكيد ليس خوفًا من قوة “قسد” بل هو تحسّب لردود فعل روسية أو أمريكية مباشرة أو غير مباشرة، خاصة أن التقارير المسربة تشير إلى عدم موافقة روسيا وأمريكا على عمل عسكري تركي يستهدف “قسد”.

وروسيا تصر على فصل المناطق في علاقاتها السورية مع تركيا، فمعادلة الغوطة/ عفرين يبدو أنها صعبة جدًا هذه الأيام، خاصة أن الحاجة الروسية إلى تركيا في الملف السوري تضاءلت كثيرًا في الآونة الاخيرة، بل بدأت ملامح تنازع تتجلى في إدلب التي قلتُ عنها أكثر من مرة أنها “اليد التي توجع تركيا”، وبالتالي فمهما كانت التطورات شرق الفرات بين روسيا، و”قسد” والأسد، فهي على مسافة ما من الوضع سواء في إدلب أو في الشمال عمومًا، وستظل روسيا على المدى المنظور تضغط بقوة على تركيا وتبتزها في إدلب وعلى مشارف الشمال لتحقيق الهدف الثاني للسياسة الروسية الحالية، وهو دفع الأتراك للقاء الأسد على المستوى السياسي وعلنًا، وطالما هناك أمل لدى الروس أن الأتراك سيقدمون يومًا على هذه الخطوة تحت ضغط الأوضاع الداخلية التركية، فسيواصلون هم الضغط على تركيا من الخارج من خلال إدلب وهوامش الشمال.

شرق الفرات حلم روسي سيسعى الروس بكل ما يملكون من إمكانات وألاعيب سياسية لتحقيقه، لأنه صار ضمانة عدم الانهيار الشامل والنهائي لدويلة الأسد التي دفعوا الكثير للحفاظ عليها، و”قسد” تتضاعف مخاوفها من انهيارها من الداخل بسبب طبيعة مشروعها ورؤيتها للمنطقة، لكنها أيضًا لن تقبل بالخروج من المأتم السوري بخفّي حنين، تستميل الروس، وتغازل الأسد، وتحتمي بالأمريكي، والأتراك يواجهون خيارات صعبة، والأمريكي يتفرج وكأنه غير آبه ولا مهتم، والسوريون يدفعون فاتورة كل ذلك من وجودهم كشعب، ودمائهم كبشر.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة