رفعت الأسد في سوريا.. الاستقطاب في الطائفة العلوية

أحد أفراد المجتمع العلوي يلصق صور رفعت الأسد على جدار في مدينة طرابلس شمالي لبنان، كانون الأول 2007 (وكالة الصحافة الفرنسية)

ع ع ع

يثير قرار رئيس النظام السوري، بشار الأسد، السماح لعمه رفعت الأسد، بالعودة إلى سوريا تساؤلات حول ماهية الأسباب التي دفعته لـ”العفو عما مضى”، وقبول عمه الذي اعتبره سابقًا غير مؤهل للحكم.

ويحظى رفعت الأسد بمكانة مهمة بين شريحة واسعة من أبناء طائفته العلوية، ولربما كانت عودته إحدى الأوراق التي قد يستخدمها بشار الأسد، لتخفيف الغضب الشعبي، ولاسيما من أبناء طائفته، جراء الأزمة الاقتصادية.

وروّج العديد من أبناء الطائفة على صفحات التواصل الاجتماعي بعد عودة رفعت، على أنه البطل الذي عاد بعد طول غياب، بعبارات مثل “الرفيق المناضل، الفارس الأول، عاد أسد الأسود، فارس سرايا الدفاع، عاد رفعت بن علي سليمان الوحش لحضن الوطن، عودة القائد الغضنفر، فارس الفرسان، عاد القائد الرمز، قائد الأمة الشجاع”.

تضرب هذه المنشورات عرض الحائط كلام بشار الأسد الذي اعتبره كـ”أي مواطن سوري آخر، دون أي دور سياسي أو اجتماعي”، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام المقربة من النظام يوم عودته.

ولا يحصر هذا الخطاب بمنصات مؤيدة لرفعت، إذ تغنى ابنه ريبال بأبيه في منشوراته عبر “فيس بوك“، وكتب أن الفرق كبير بين أبيه الذي وصفه بـ”صانع الأمجاد” وبين من يحصد هذه “الأمجاد”، في إشارة إلى بشار الأسد.

كما نشر أغاني وأهازيج مضمونها ترحيب بعودة أبيه، وأنها منتظَرة منذ زمن.

بينما تجاهلت وسائل الإعلام الرسمية والمقربة من النظام السوري أي تطورات لقضية عودة رفعت الأسد، منذ إعلان عودته في 7 من تشرين الأول الماضي، الذي نقلته بصيغة موحدة.

لا توجد حياة سياسية ليعود إليها

لا يعتقد الدكتور في جامعة “السوربون” الفرنسية، والرئيس السابق لـ”المجلس الوطني السوري”، برهان غليون، في حديث إلى عنب بلدي، أنه يكون لرفعت الأسد دور مباشر في الحياة السياسية السورية، لأنه لا توجد حياة سياسية أساسًا، وإنما هي سلطة أمر واقع مفروضة بقوة السلاح الداخلي والأجنبي.

ولا تختلف هذه السلطة عن أي سلطة احتلال، بحسب غليون، فالسلطة لم تعد في يد الأسد كما كانت من قبل، وإنما في يد المستشارين والخبراء الروس والإيرانيين، وهم الذين يملكون اليد العليا في القرارات العسكرية والسياسية.

وفي الميادين الأخرى، لم يعد لدى الأسد مبرر للوجود الأجنبي سوى تقاسم المصالح السورية مع الروس والإيرانيين في الشركات والميادين والاستثمار وأسواق التجارة، وتسليمها لهم في صيغة شبه قانونية.

ويرى غليون أنه ربما تكون “القيمة الوحيدة لعودة العم الضال (…) هو عدم تسفيه النظام بشكل أكبر، عبر سجن نائب رئيس جمهورية سابق، وعم الرئيس القائم، ووضع طابع الإجرام على سلوك أعضاء في النظام”.

كما يمكن أن يستخدم الأسد عودة عمه في تعزيز موقف الأسرة الحاكمة، ونظام الحكم باعتباره نظامًا عائليًا، إذ تتركز قرارات السلطة الرئيسة فيه بأيدي أعضاء أسرة الأسد، في مواجهة ما يمكن أن تسفر عنه الأزمة الطاحنة التي تعيشها سوريا من انتقادات أو احتجاجات أو مطالبات بدور أكبر في الحكم داخل الحاضنة الأهلية التي ضحّت بكثير من أرواح أبنائها لإبقاء الأسد في السلطة.

استرضاء الطائفة العلوية بعودة العم “الضال”

تحدث تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، عن محاولة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، تلميع صورته أمام طائفته العلوية عبر سماحه لعمه المنفي رفعت الأسد بالعودة.

وجاء في التقرير، الصادر في 2 من كانون الأول الحالي، أن بشار الأسد عمل على استرضاء المجتمع العلوي الذي صُمّم لسحق المعارضة السورية، وتضاءل تأييده خلال الأزمة الاقتصادية في سوريا عبر السماح لعمه بالعودة كخطوة أخرى لاستعادة السيطرة الكاملة على سوريا.

حتى عام 1984

كان رفعت الأسد ينسجم جيدًا مع شقيقه ووالد بشار الأسد، حافظ الأسد، الرئيس السابق الذي أوصل عائلة الأسد إلى السلطة.

ورفعت كان من أكثر الضباط ثقة لدى حافظ، ويُزعم أنه قاد عام 1982 جيشًا لتنفيذ مذبحة “الإخوان المسلمون” في حماة، التي تسببت بمقتل الآلاف من السوريين ولُقّب إثرها بـ”جزار حماة”.

وبعد فترة وجيزة، اشتعل شجار عائلي بين رفعت وحافظ، كُشف إثره أن رفعت كان يخطط للإطاحة بشقيقه وتسلّم الحكم.

واستمر رفعت خلال العقود الثلاثة التي قضاها في المنفى بالحفاظ على بعض من نفوذه بين طائفته العلوية المؤيدة له، وعارض تسلّم بشار الأسد للحكم خلفًا لأبيه، وطالب بأن يكون الحكم دستوريًا وأنه كان الشخص الأولى بالحكم.

وفي أيلول الماضي، أيّدت محكمة في باريس قرارها بسجن رفعت الأسد، البالغ من العمر 84 عامًا، لمدة أربع سنوات.

ابتلع كبرياءه وقبّل خاتم ابن أخيه

وقرر رفعت بدلًا من أن يقضي سنواته الأخيرة محبوسًا في زنزانة، “ابتلاع كبريائه، وتقبيل خاتم ابن أخيه”، الذي عارضه طوال هذه السنوات، والعودة إلى سوريا، بحسب ما ترجمته عنب بلدي عن المجلة.

وقال فراس الأسد أحد أبناء رفعت للمجلة، إن والده “مذنب بالتأكيد بارتكاب تلك الجرائم في فرنسا، وغيرها الكثير في سوريا”.

وتابع أن أباه أرسل كثيرًا من الأبرياء إلى السجن، وكان يُعرف في ذلك الوقت بـ”أكثر الشخصيات وحشية في النظام السوري”.

وأضاف فراس أن بشار سمح لوالده بالعودة لمنعه من الكشف عن الأسرار المظلمة لنظام الأسد على الأرجح، والذي يعتبر النفوذ الوحيد المتبقي لرفعت الأسد.

واعتبر أن بشار الأسد لم يكن لديه خيار آخر، فإذا تحدث رفعت الأسد عما حدث في سوريا بين عامي 1970 و1984، وهي الفترة التي كان خلالها ثاني أقوى شخص في البلاد، “فإن تطلّع النظام لتطبيع العلاقات مع الغرب سوف يفقد صلة الوصل”.

لم يُسمح لرفعت الأسد بالعودة إلى سوريا إلا بعد أن أقسم بالولاء لابن أخيه، ووعده بعدم المشاركة في أي نشاط سياسي أو اجتماعي.

بينما دافع الابن الثاني لرفعت الأسد، ريبال، عن والده وقال للمجلة، إن أباه لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، وتساءل إذا ما كان أبوه قوة مستهلكة، بحسب ما قال بشار عنه سابقًا، “فلماذا نطلب منه عدم الانخراط في السياسة؟ وهذا يعني أنه يعرف أن والدي لا يزال لديه عدد كبير من المتابعين في سوريا”.

أشارت العديد من المحادثات مع ريبال الأسد على مر السنين إلى طموحه السياسي الميالة للمطالبة بإرث والده في سوريا، والاستفادة من اسمه بين العلويين، ولكن في “سوريا بشار الأسد، لا مكان لأي نوع من المعارضة، ولا حتى من أحد أفراد الأسرة”، بحسب المجلة.

وفي عام 2019، اندلع شجار عام بين بشار الأسد وابن عمته رامي مخلوف، بعدما كان الأخير يسيطر على نصف الاقتصاد السوري، ويمتلك ميليشيا شخصية ومنظمة خيرية استخدمها للحفاظ على قاعدة دعمه وتنميتها بين العلويين.

عمل مخلوف لدى بشار الأسد كما عمل والده مع حافظ الأسد لأكثر من عقدين، ولكن مع انهيار الاقتصاد وتزايد السخط بين العلويين، استولى النظام المفلس على أصول مخلوف، بما في ذلك شركة الاتصالات “سيريتل”، ونُظر إلى زوجة الرئيس، أسماء الأسد، على أنها المنسقة لخطة تهميش مخلوف وسلبه سلطته.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة