الإعلام السوري الرسمي.. “أسئلة الدّورات” حتى لا يضيق صدر المسؤول

وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري، محمد سامر الخليل، يعقد مؤتمرًا صحفيًا في دمشق- 13 تشرين الأول 2021 (AFP)

ع ع ع

عنب بلدي – مأمون البستاني

مع بداية كل عام، يعيش “المواطن” في مناطق سيطرة النظام السوري حالة الترقّب، بانتظار وعود يطلقها المسؤولون عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حول قضايا خدمية ومعيشية تهمّه، خصوصًا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة الليرة السورية.

هذه الحالة غالبًا ما تكون مقرونة بقناعة لدى “المواطن” الموظف أو العامل المياوم أو العاطل عن العمل، وحتى لدى غيره من فئات المجتمع الأخرى (تجار، صناعيون…)، أن إطلاق الوعود يتطلب تنفيذًا على الأرض، وهو ما لم يحصل من قبل بطبيعة الحال، بحسب أصوات من داخل مناطق النظام.

“إعلام الدولة” للأصدقاء

مطلع العام الحالي، أعلنت وسائل إعلام سورية (قناة الإخبارية السورية، قناة الفضائية السورية، إذاعة دمشق)، أنها ستجري حوارًا تلفزيونيًا مع رئيس مجلس الوزراء، حسين عرنوس، للوقوف على الأعمال التي ستقوم بها حكومته خلال عام 2022.

مدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، حبيب سلمان، وعبر حسابه الشخصي في موقع “فيس بوك”، الذي استبدل فيه صورة عسكري يحمل سلاحًا بصورته، دعا من يرغب بإرسال أسئلة لتوجيهها إلى عرنوس خلال المقابلة.

وكتب سلمان في منشور، “باعتبارنا نعمل ضمن إعلام الدولة (…) ما الأسئلة التي ترون من الواجب طرحها على رئيس الحكومة وأيضًا على الوزراء؟ لأننا نعمل على سلسلة من اللقاءات خلال الشهر الأول من العام الجديد”.

أحد المعلّقين على المنشور انتقد سلمان، لإغلاقه ميزة التعليق على المنشور وقصرها فقط على الأصدقاء، ليتدارك سلمان الأمر ويرد عليه، “لم أغلق الصفحة، ولكن قد يكون تقييد من جماعة الفيس”.

في 3 من كانون الثاني الحالي، بثّت قناتا “الإخبارية” و”الفضائية” وإذاعة “دمشق” الحوار مع عرنوس، الذي أُجري في مبنى رئاسة مجلس الوزراء بدمشق.

“أسئلة دورات سابقة”

عقب بثّ الحوار، انهالت الانتقادات على تصريحات عرنوس، وعلى أداء المذيعين الذين أجروا الحوار، والمؤسسات التي يتبعون لها، فانتقد بعضهم إجراء حوار مع ضيف واحد من قبل ثلاثة مذيعين، إضافة إلى انتقادات طالت إجراء الحوار في مبنى الحكومة، وليس في مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون.

وعبّر عدد كبير من المنتقدين على مواقع التواصل الاجتماعي عن امتعاضهم من أداء المذيعين خلال الحوار مع عرنوس، وتحدثت نائبة عميد كلية الإعلام بجامعة “دمشق”، الدكتورة نهلة عيسى، في منشور عبر حسابها الشخصي في “فيس بوك”، أن مجريات الحوار وضعتها بحالة ترقب للحظة التي سيقوم بها أحد المحاورين بإزالة شعرة سقطت على كتف عرنوس.

وبلهجة ساخرة، باركت عيسى لرئيس الوزراء، لأن الأسئلة التي وُجهت له كانت كـ”أسئلة دورات سابقة”، يدرسها الطالب قبل الامتحان، مشيرة إلى أنه كان من المفترض على المذيعة في نهاية الحوار، توجيه الشكر للشعب السوري على سعة صدره، بدلًا من أن تشكر رئيس الوزراء، في إشارة منها إلى أن أسئلة الحوار كانت مكررة، ورئيس الحكومة يحفظها.

أما الصحفي العامل في جريدة “تشرين” الرسمية فراس القاضي، فقال في منشور عبر حسابه الشخصي في “فيس بوك”، “اليوم ولدت مدرسة إعلامية جديدة خلال لقاء رئيس الحكومة، وهي مدرسة: (صحيح، فعلًا، طبعًا)”، وعبّر عن تخوفه من أن تؤدي حماسة أحد من محاوري عرنوس، لمخاطبته بالقول “ينصر دينك”.

وأضاف القاضي، “كتبتُ مجموعة ملاحظات مهنية عن لقاء رئيس الحكومة وحذفتها، كي لا أدخل في دوامة، لكن لدي سؤال عالق في حلقي للمذيعة التي كانت تجلس على اليمين. يا زميلة، ما الداعي لجملة (شكرًا على سعة صدرك) في نهاية اللقاء؟”، متسائلًا: “ماذا سألتم عرنوس بالأصل حتى يضيق صدره؟”، واستطرد متهكمًا، “والله لو أن عرنوس هو من كتب الأسئلة لن يختار أسهل منها”.

أسئلة لاستعراض المشكلات

الخبير الاقتصادي عامر شهدا، اعتبر في منشور عبر “فيس بوك”، بحسب ما نقله موقع “صاحبة الجلالة”، أن الأسئلة جاءت لتشرح الواجبات التي تعتبر بديهية بالنسبة إلى المواطن الذي قَبِل وصوّت للدستور، حسب تعبيره.

واستعرض شهدا أهم المقتطفات من لقاء عرنوس، ومنها “لن نتخلى عن الدعم. حرمان 333 ألف بطاقة من الدعم. مستمرون في دعم التعليم والصحة. مستمرون في دعم الفلاح والخبز والمحروقات، وتحسين الرواتب وتقديم الرعاية الاجتماعية لمحتاجيها”، وقارنها بمواد من الدستور، مبيّنًا أن الحوار كان استعراضًا للمشكلات، واستبدل طرح المبررات بطرح الحلول.

الأسئلة جاءت مكررة من لقاءات سابقة، بحسب ما قاله شهدا، داعيًا إلى مراجعة كل من لقاء رئيس الوزراء السابق، عماد خميس، والرئيس الأسبق، وائل الحلقي، أيضًا، والتصريحات من عام 2018 ولغاية تاريخه، الخاصة بتثبيت سعر الصرف واستقرار الأسعار، وموضوع مكافحة الفساد، مضيفًا، “منذ عقود يكرر موضوع مكافحة الفساد”.

كما جاءت الأسئلة، بحسب شهدا، “ضمن ما هو مطلوب مسبقًا، وابتعدت عن إعلان استراتيجية أو رؤية مستقبلية للوضع الاقتصادي خلال عام 2022″، وختم منشوره بالقول، “ما هكذا يتم الإقناع ودعم القرار ورفع سويّة الثقة. كنا نأمل أن نسمع حوارًا استراتيجيًا، لا حوارًا لتلاوة الواجبات التي أتى عليها الدستور”.

تعليمات من الأعلى.. نفّذ

الإعلامية السورية ميساء آقبيق، وفي حديث إلى عنب بلدي، قالت، “إذا أردنا أن نقيس قدرات العاملين في وسائل إعلام النظام السوري من وجهة نظر مهنية، فهذا انفصال عن الواقع، لأن الإعلام في سوريا غير موجود، وليست له سلطة على الإطلاق، وهو عبارة عن شكل بلا مضمون”.

وأضافت آقبيق أن طرح الأسئلة المتكررة من قبل الإعلاميين في أثناء إجرائهم مقابلات مع مسؤولين في سوريا، مرتبط إلى درجة كبيرة بخوفهم وعدم قدرتهم على محاسبة المسؤول المعيّن أساسًا من قبل النظام الحاكم، حتى إن المسؤول نفسه غير قادر على التعبير عمّا يجري، هو مجرد شخص ينفذ تعليمات تأتيه من الأعلى، وما يتحدثون به هو مجرد استهلاك إعلامي”.

وأوضحت أن مسألة الأسئلة المتكررة، هي عبارة عن “حدود مرسومة للإعلاميين من قبل مؤسساتهم التابعة للنظام، فهم بذلك غير قادرين على تجاوز هذه الحدود المرسومة، ويعلمون تمامًا ما مصير من يغرّد خارج السرب”.

مهنيًا، بحسب آقبيق، “من الخطأ كليًا أن يجري ثلاثة محاورين حوارًا تلفزيونيًا مع ضيف واحد”، مشيرة إلى أنه “كان يكفي أن يكون المحاور شخصًا واحدًا، وخلفه فريق إعداد يحضّر ويبحث ويخطط للحوار”.

أما بالنسبة إلى ضعف قدرات الإعلاميين في المؤسسات الإعلامية السورية الرسمية، فقالت آقبيق، إن أغلبية من يدخل للعمل في المجال الإعلامي في مؤسسات النظام يكون من خلال المحسوبيات و”الواسطة”، حتى إن الأكاديميين منهم غالبًا لا يتلقون تعليمًا صحيحًا عن مهنة الصحافة في أثناء دراستهم.

كما أن “تعيين الأشخاص في مكان غير مناسب لقدراتهم، موجود بكثرة في مؤسسات إعلام النظام التي تفتقد لوجود التخطيط أو المنهجية أو الاستراتيجية، إذ تعطي المؤسسة التعليمات للإعلامي لإجراء أي مقابلة مع مسؤول وهو ينفذ فقط”.

وختمت آقبيق بالقول، إن المفاهيم الإعلامية كـ”حرية تعبير، رأي، قدرات مهنية، سلطة، محاسبة، وإجراء حوار”، تعتبر مفردات ملغاة من قاموس الحياة والممارسة داخل سوريا. لا يوجد إعلام في سوريا لنحاسبه أو نقيّم قدرات الإعلاميين العاملين فيه. نشاهد فقط المهازل التي تحدث في ظل حكم الأخ الأكبر بحسب رواية (1984) للروائي البريطاني جورج أورويل، والتي تقول ما يأتي من تعليمات ينفّذ بالحرف فقط”.

“إعلام” متماهٍ مع السلطة بين شعبان والشبل

“لؤي”، وهو اسم مستعار لصحفي سوري، ومعدّ برامج مقيم في دمشق، طلب عدم الكشف عن اسمه الصريح لأسباب أمنية، قال لعنب بلدي، إنه “لا يمكن للإعلام السوري الرسمي أن يخرج من نمطيّته وتراجعه الواضح والمستمر منذ سنوات، إلى درجة أنه أصبح إعلامًا غير مُتابَع حتى من الجمهور السوري المحلّي الذي يفضّل أي إعلام آخر عليه، والمقابلة الأخيرة للإعلاميين الذين حاوروا رئيس مجلس الوزراء السوري ما هي إلا تأكيد على تراجع وانحدار ذلك الإعلام على المستوى المهني والأكاديمي”.

ووفقًا لما قاله “لؤي”، “يُمكن إرجاع ابتعاد الإعلام السوري منذ عقود عن المشهد الإعلامي العربي أو حتى عن السوري الخاص، لعدة أسباب، أوّلها ندرة وجود كوادر أكاديميّة متخصصة، فمثلًا لا يوجد محررون صحفيون (والمحرّر عصب العمل الصحفي والإعلامي) يملكون المعرفة والخبرة، كذلك معدّو البرامج ينطبق عليهم الأمر ذاته، وأغلب الموظفين يمارسون عملهم على أساس المحسوبية و(الواسطة)، مع غياب واضح لخرّيجي كلية الإعلام (إلا فيما ندر)، كذلك نلاحظ أن معرفتهم بمبادئ العمل الصحفي والإعلامي شبه معدومة، وتعتمد على مديرين ومشرفين أيضًا لا يملكون سوى خبرة عمليّة محدودة، وبأدوات قديمة أكل الزمان عليها وشرب”.

“لؤي” اعتبر أن “الوضع الكارثي الذي يمرّ به الإعلام السوري سببه الأول هو الفساد، لأن الدولة تريد إعلامًا ضعيفًا هشًا يعتمد على عديمي الموهبة والكفاءة، كي يبقى تحت سلطتها المباشرة، وينفّذ الأجندة المرسومة من قبل الجهات الأمنيّة. فمثلًا، يبلغ عدد الموظفين في التلفزيون السوري الآلاف، أغلبهم موظفون بالاسم فقط ويتقاضون راتبًا من دون أن يعملوا أصلًا، بالمقابل، توجد قلّة تعمل منهم، لكن ليسوا على دراية بأقل مبادئ العمل الصحفي الموضوعي، وذلك لأنه إعلام أمني لا يختلف عن أي فرع مخابرات أو أمن أو حتى قطعة عسكرية”.

وأشار إلى أن الإعلام السوري الرسمي كان في السنوات العشر الأخيرة، وما زال، متماهيًا مع السلطة، وصار الإعلاميون جنودًا يتبعون لنشرات وتوصيات العسكريين والضباط التابعين للنظام السوري، وذلك تحت إشراف جناحَين متصارعَين في الظاهر، الأول قديم ترأسه بثينة شعبان، والثاني يطرح نفسه كمجدّد لمفاصل الإعلام السوري وترأسه لونا الشبل، والحقيقة أن كلا الطرفين عجز عن إقلاع “المكنة” المهترئة للإعلام، بل على العكس، في عهد سيطرة الشبل، صار أكثر سطحية وتخلفًا بالتعاون مع شعبان، التي ما زالت تحتفظ بسلطة على بعض المديرين الفاشلين منذ سنوات.

وقال “لؤي”، “إن المركز الإخباري يقع تحت سلطة القصر الجمهوري المشرف عليه بشكل مباشر، وجميع الموظفين والمديرين يعيّنون من قبل ضباط القصر حصرًا، كذلك نجد أن أقرباء ضباط الأمن والمخابرات هم المذيعون والمحرّرون والمعدّون في بقية القنوات والبرامج التلفزيونية، التي صارت أضحوكة، بالأخص في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي تتغذى على أخطاء مذيعي التلفزيون السوري، وأيضًا لا يمكن إغفال الفساد (الأخلاقي) داخل مؤسسات الإعلام الرسمي”.

وفي ختام حديثه إلى عنب بلدي تساءل “لؤي”، “كيف يمكن أن نلوم أولئك المذيعين الذين ربتوا على كتف رئيس الوزراء، وهم موظفون على أساس الدفاع عن أخطاء وفساد النظام بكل مفاصل مؤسساته؟”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة