تعا تفرج

سأعلنها على الملأ.. أنا طائفي

ع ع ع

خطيب بدلة

لا يوجد عند أبناء العرب والمسلمين حلول متوسطة. عماد ثقافتهم بيتان من الشعر، أولهما، لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ، وثانيهما، جنة بالذل لا أرضى بها، جهنم بالعز أفخر منزلِ، ويتفاخرون بأنهم يحبون الموت بقدر ما يحب أعداؤهم الحياة. وعندما يوضعون على المحك، يظهر أن كل واحد منهم يحب الموت لغيره، ويضحي، إذا حان وقت التضحية، بغيره، وسلامات يا راس.

ومن الغريب أن هذه الأفكار التعبانة يعتنقها الأمراء، والملوك، والرؤساء الذين يقفون أمام حكام الدول العظمى أذلاء مطأطئي الرؤوس، ويتبناها، كذلك، أناس طفرانون، مساكين، مذلون، مهانون، ممسوحةٌ بكرامتهم الأرض.

البعض من هؤلاء الطفرانين، يدعون للديمقراطية، ولكن، إذا ذكرتَ أمامهم أن رجلًا مجرمًا ارتكب جريمة قتل، يقولون، تلقائيًا: هذا بده خوزقة. وإذا سمعوا برجل قتل امرأته زاعمًا أنها خانته يقولون، دون أن يفهموا شيئًا من ملابسات الحكاية: بحضّي ما قصر فيها، الخاينة، بدها فرم. وإذا سمعوا بمن يدعو إلى إلغاء حكم الإعدام من قوانين بلادهم يستنفرون، ويطالبون بالإبقاء عليه، مع أنه لا يطبق على أحد سواهم.

مناصرو “داعش”، وقد رأوا من هذا التنظيم الإرهابي القهر والظلم والاستهانة بأرواح المسلمين قبل غيرهم، اعتادوا إخفاء حبهم لـ”داعش” عن أعين الآخرين، وكأنه حب عذري، أو من طرف واحد! ولكن، في بعض الأحيان، ينزعج أحدُهم من شيء ما، فيثور، وسرعان ما يخترع لنفسه خصمًا وهميًا يضعه في كفة الميزان الثانية، ويقول: أن أكون داعشيًا خير لي من أن أكون عميلًا للغرب!

تحاول أن تحاوره بالحسنى، فتقول له: ولكن، يا عيني، الغرب فيه دول استعمارية حقيرة، ودول عاقلة، وحبوبة، وطيوبة، وأنت، في كل الأحوال، لست مضطرًا لأن تكون عميلًا للغرب، ولا مؤيدًا لـ”داعش”، فيثور مرة ثانية، ويوجه إليك شتيمة جديدة من الوكالة، هي: اسكت. أنت واحد كيوت. فإذا كنت لا تعرف معنى كيوت، تفرح، وتحمد الله لأنه لم يقل عنك عكروت.

تعاملَ العرب المسلمون السوريون مع الخبر الذي نشرته “الجارديان” عن مجزرة حي التضامن كما لو أنها المرة الأولى التي يكتشفون فيها أن نظام الأسد طائفي ومجرم، فراح كل واحد منهم يُخرج ما في داخله من غيظ وقهر على هيئة صرخات مشحونة بطائفية مضادة. الإنسان البسيط منهم، الغلبان، يبدو صادقًا مع نفسه فيقول: ما دام النظام يقتلنا من منطلق طائفي اشهدوا عليَّ، أنا طائفي. ويضع نقطة على السطر. وأما المثقف، الفهمان، والمخضرم، فلا يرميها واطئة، يتلقى خبر المجزرة، ويعب نفسًا من الهواء النقي، ويزفر، ويبدأ بعرض أفكاره قائلًا إنه، طوال عمره، يكره الطائفية، ويناصبها العداء، ويدافع عن الطائفة الفلانية والطائفة العلانية، لأن فيهما أناسًا شرفاء، معادين لنظام القتل والإجرام الطائفي، ولكن الكيل قد طفح به الآن، وقرر أن يكون طائفيًا، ويعتذر لنفسه، ولمحبيه الأكارم، عن كل يوم أمضاه في حياته وهو مغفل، مخدوع، متساهل في تأييد طائفته الحبيبة.

يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: انتبه وأنت تحارب الوحوش ألا تتحول إلى وحش مثلهم.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة