إن نجوت من الموت بغارة أو قذيفة.. هل ستتجاوز عقدة الاضطراب النفسي؟

Aleppo-syria.jpg

شاب مع ابنته نجوا من القصف على أحد أحياء حلب 22 آب (الأناضول)

طارق أبو زياد – عنب بلدي

لم أكن أهتم أصلًا للغارات القريبة، ولم يراودني أي قلق منها، وغالبًا ما أشتم الطيار وأدعو عليه، لكن بعدما تعرّض منزل سالم البكري للقصف الجوي، وكاد أن يفقد حياته مع زوجته وأطفاله، أصبح بحالة نفسية صعبة، فأصوات الطائرات لا تفارق الواقع والمخيلة على حد سواء.

قبل أشهر قليلة تعرض منزل هذا الرجل الأربعيني في منطقة زهرة المدائن بريف حلب الغربي لغارة جوية، أفقدته البناء الذي وضع لبناته بعرق جبينه، لكنه نجا مع أسرته بأعجوبة، ليرهقه التفكير منذ ذلك الوقت، هل سيكون عرضة لتهديد جديد؟

يصف سالم الحالة التي مر بها أنها كانت كمن يعيش كل مآسي حياته خلال لحظات، “صراخ النساء مازال في أذني، والغبار المتناثر يغطي كل ما تراه عيني.. لا أدري هل عدم موتي نعمة أم نقمة جعلتني أعيش تل اللحظات الأليمة؟”، لكنه يستدرك مبتسمًا “استطعت أن أعيد ترتيب وضع أسرتي وتأمين مسكن والعودة للحياة من جديد”.

يستطرد البكري في وصف أهوال القصف وتبعاته، يشعر بالامتنان للنجاة في المرة السابقة لكن روحه تخالجه “ربما نواجه الموت مرة أخرى”، ويقول “نراجع أفكارنا، نعيد حساباتنا، هل يوجد شخص نحن مخطئون بحقه لكي نقوم بالاعتذار له؟، إن لم يكن سأموت وذمتي مرتاحة”.

اضطراب نفسي وقلق لمسته عنب بلدي من خلال حديث الرجل وارتجافه أحيانًا، وتسليمه للقضاء والقدر أحيانًا أخرى، لتنقل معاناته في هذا التقرير لأهل الاختصاص.

ما هي هذه الحالة وما توصيفها؟

تحدثت عنب بلدي إلى الدكتور غزوان بويضاني، اختصاصي الطب النفسي في الغوطة الشرقية بريف دمشق، وأطلق وصفًا طبيًا على حالة سالم البكري، “هي حالة اضطراب الشدة بعد الرض (PTSD)، وتحصل عندما يطرأ حادث مهدد لحياة الشخص أو لحياة أحد المقربين منه، أو تعرضه لمشاهد مرعبة، أو العيش في لحظات قد تعتبر حاسمة في حياته”.

تصيب الشخص الذي تعرض لمثل هذه الأخطار اضطرابات نفسية وتوتر أو اكتئاب، وكلما حصل أمر يذكر بهذا الحادث، كالتعرض لبعض المواقف التي سبقته، هنا تأتيه ذكريات تعيد الحادث المؤلم الذي مر به، فهي تقتحم الذهن وتأتي بشكل متكرر، حتى رغم محاولته المستمرة في طردها دون جدوى، بحسب الدكتور بويضاني.

وأوضح الطبيب، الذي يعمل بالأصل في منطقة ساخنة تخضع للمعارضة (الغوطة الشرقية)، أن هذه الحالة قد تتأزم وتعزز نفسها في قلب الشخص في حال تعرضه للموقف نفسه مرة أخرى، فتصبح أكثر صعوبة وشدة من ذي قبل.

فما العلاج إذن؟

وللحديث عن العلاج الممكن لمثل هذه الحالات، أكد الدكتور غزوان أن معظم الأشخاص المصابين بالاضطرابات يتماثلون للشفاء بشكل تلقائي بعد مدة قصيرة، ولكن هناك نسبة قليلة من الأشخاص يحصل لديهم هذا الاضطراب بشكل أكبر، وإن استمر هذا الأمر لأكثر من شهر ينصح بمراجعة الطبيب لتلقي علاجات دورية.

بينما يرى براء النجار، والذي يدرس في أحد المعاهد الشرعية في مدينة أريحا بريف إدلب، أن هذه الحالة يمكن تجاوزها عن طريق تغيير المنطقة والذهاب إلى منطقة أهدأ منها نسبيًا، فتغيير المنزل والوسط المحيط قد يساهم في تحسن الحالة النفسية بعض الشيء، وأضاف “وجب الأخد بالأسباب أيضًا، هناك بعض المناطق نسبة الأمان فيها أعلى من غيرها كأقبية المنازل أو المغارات، فهي تضفي انطباعًا بالأمان النسبي رغم القصف المتكرر”.

من جهته رأى الحاج صبحي الحلو أن الحل روحاني بحت “يمكنك التخلص من الخوف بمجرد اليقين أنه لن يصيبك أي أذى إلا بمشيئة الله، ولن تموت إلا في يومك، فتدخل الطمأنينة إلى قلبك دون أن تشعر”، وأضاف الرجل الستيني المقيم في مدينة إدلب “لا تخف على نفسك ولا تخف على أحد، فالله الذي خلقك لن يصيبك بما لن تستطع تحمله، توكل على الله وعش حياتك وتأكد بأن الله معك”.

يعيش سكان المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري ذات الحالة منذ بدء الاحتجاجات ضد النظام، ربما تغيرت وسائل الموت والرعب اليومي من اعتقال وتصفية وموت تحت التعذيب إلى قصف وحصار وتجويع، ولا نعلم ما إذا استنفد النظام وحلفاؤه كافة وسائل الموت، وما إذا كان المجتمع السوري قادرًا على النهوض مجددًا رغم حجم الآلام والأمراض النفسية التي خلفتها الحرب.

تابعنا على تويتر


Top