في المسألة الكردية

أحمد الشامي

اتفاق “سايكس- بيكو” الذي رسم حدود المنطقة كما نعرفها لم يكن اتفاقًا جيدًا بالنسبة للعرب، لكن بالنسبة للكرد فقد كان هذا الاتفاق كارثيًا، إذ حرمهم من الحصول على دولة خاصة بهم.

لسنا مسؤولين عما حل بالكرد، فلم يكن لنا كشعوب وكعرب أي رأي، ولم يستشرنا أحد في شأن الحدود وشكلها والتوزيع الديموغرافي داخلها.

في التقييم اﻷخير، تبقى الحدود مسألة إدارية غير حاسمة، حين يتم احترام حقوق اﻹنسان اﻷساسية، بدلالة أن هناك دولًا مصطنعة كثيرة، في آسيا وأفريقيا وأمريكا وحتى في أوروبا ذاتها. بلجيكا هي دولة مصطنعة تضم فرنسيين وهولنديين. هنالك لغتان رسميتان في بلجيكا، وأربع في سويسرا. رغم ذلك، لا أحد في هذين البلدين يحمل السلاح ويطالب بالتنقية العرقية.

في أمريكا الجنوبية، كل الحدود مصطنعة، لدرجة أن السلفادور وهندوراس اشتبكتا في حرب بعد مباراة في كرة القدم! المواجهة بين منتخبي البلدين كانت الشرارة التي كشفت نزاعًا حدوديًا قديمًا سببه عدم تناسب حدود البلدين مع ديموغرافية كل منهما.

مع ذلك، تمكنت شعوب أمريكا اللاتينية، بما فيها الأرجنتين والبرازيل من تجاوز عداواتها المزمنة ومن بناء اقتصادات مزدهرة ودول مستقرة وصاعدة حين احترمت النخب السياسية القانون الدولي وحقوق اﻹنسان، كل إنسان، بمن فيهم مواطنو الجوار.

هل هذا ماينتظر الكرد والعرب؟ هذا هو حلم كل من يريد الخير للمنطقة.

إن كان السيد مسعود البرزاني يتمتع بالحكمة، فهذا ليس حال حزب العمال الكردستاني و”عصابات” صالح مسلم، بدلالة عمليات التطهير العرقي في مناطق سيطرة الميليشيات الكردية المتعاونة مع نظام البراميل.

لو كان الكرد تجاوبوا منذ البداية مع اليد العربية الممدودة لهم وتعاونوا مع الثورة السورية، لربما كانت مآلات الثورة مختلفة جذريًا. لو كان الشهيد مشعل تمو على رأس التنظيمات الكردية وليس صالح مسلم لكانت الثورة في حال أحسن بكثير.

رغم التطهير العرقي ورغم تعاون صالح مسلم مع نظام العصابة، فإننا لا نفهم استماتة بعض الفصائل الثورية في مواجهة الميليشيات الكردية لدرجة ترك الجبهات مع نظام الكيماوي! صحيح أن المواجهة ستكون حتمية في المستقبل بين من يتعرضون للتطهير العرقي من العرب، ومن يتعاونون مع القاتل اﻷسدي، لكن هل تبرر هذه المواجهة، التي تبقى ثانوية اليوم، ترك جبهات حلب لتسقط مواقعها الواحدة تلو اﻷخرى؟

من حق الكرد التحدث بلغتهم والتدريس بها، من حقهم الاعتزاز بتراثهم الثقافي وإغناؤه بكل السبل، ومن حقهم التمتع بالحرية وبكل حقوق المواطنة، مثلهم مثل كل السوريين أيًا تكن أصولهم العرقية أو الدينية. هكذا تمكنت كل دول العالم من الانتقال إلى الحداثة والاستقرار وخرجت من النظريات العنصرية والقومية والدينية التي فات أوانها.

المشكلة الكردية هي أولًا مشكلة تركية، ثم إيرانية وعراقية. الكرد السوريون في غالبيتهم ملتزمون بالثورة وهم يعيشون بين ظهرانينا منذ قرون ولا يوجد سوري عاقل يؤمن بالانفصال بين العرب والكرد.

لا يوجد أي مبرر لكي يموت الثوار السوريون في مواجهة مع الكرد ليست في مصلحة الكرد ولا الثورة السورية ولا المستقبل السوري الواحد. الكرد ليسوا أعداءنا لا اليوم ولا غدًا.

حين يرغب اﻷتراك في مواجهة الكرد فهذا شأن تركي لا يخصنا رغم تعاطفنا مع الدولة التركية ورغبتنا في رؤية هذا الجار الكبير مستقرًا ومزدهرًا. لا داعي ليسيل الدم السوري، مجانًا، في قضية ليست سورية، فدم السوريين ليس رخيصًا علينا.

إن كانت الفصائل قد تلقت “وعودًا” تركية فلنتذكر أن وعود السيد “أردوغان” مثل “لن تكون هناك حماة أخرى…” لم تكن بردًا وسلامًا على السوريين.

تابعنا على تويتر


Top