ملاحظات نقدية على رؤية المعارضة للعملية السياسية

سميرة المسالمة – الحياة

يصف المنسّق العام للهيئة العليا للمفاوضات الرؤية التي قدّمها في الاجتماع الوزاري لمجموعة من دول أصدقاء سورية (لندن 7 – 9)، والمتعلقة بـ «الإطار التنفيذي للعملية السياسية»، أنها «ورقة تفاوضية وديناميكية وليست جامدة وقابلة للتطوير وفق تطلّعات الشعب السوري»، ولأنني أعرف أن الدكتور رياض حجاب لا يقول مثل هذا الكلام للاستهلاك الإعلامي بل لأنه يقصده فعلاً وقولاً، أرى أن من واجب كل سوري المشاركة الفاعلة في تطوير هذه الرؤية لتكون وفق ما قاله: «رؤية لسورية ولجميع السوريين… لا تستثني أحداً على الإطلاق. رؤية للمشاركة… بحيث لا يكون إقصاء ولا تهميش». على ذلك، وانطلاقاً من واجبي وحقّي، أيضاً، فإنني أقدم ملاحظاتي النقدية هذه مساهمة مني، أولاً، بتطوير الرؤية. وثانياً، لاستدراك ما غاب عنها من نقاط جامعة في ما يتعلق بشراكة كل مكونات الشعب. وثالثاً، حرصاً على تعاضد جهودنا جميعاً لطرح رؤية تمثل في مضمونها طموحات السوريين في دولة ديموقراطية تعددية لا يستبيحها الاستبداد تحت أي مسمى جديد.

وقبل الذهاب إلى التفاصيل، يجدر بي الحديث عن الأخطاء الأساسية التي تضمنت هذه الرؤية، فهي، أولاً، اعتبرت «هيئة الحكم الانتقالية» بمثابة هيئة تشريعية وتنفيذية مطلقة الصلاحيات، إذ أنيط بها الإشراف على السياسة والأمن والقضاء والموارد، من دون أن تخضع لأي هيئة أو مرجعية، ومن دون إلزامها بأي سقف زمني، إذ لا يقلل من ذلك ذكرها كلمة «موقتة». وفي الواقع، فإن هذا الأمر يعزّز المخاوف في شأن تحوّل هذه الهيئة إلى سلطة مطلقة أخرى، مع احتمال هيمنة قوى معينة عليها، سواء من طرف النظام أو من طرف المعارضة، والأرجح من الطرف الأول، بحكم ضعف الثاني وتشتّته وضعف خبراته وقلّة إمكاناته بالقياس مع النظام، ولعله يجدر التذكير هنا بأن «هيئة الحكم الانتقالية» ستتشكّل من النظام والمعارضة (وكجزء أقل من مستقلين).

ثانياً، اللافت أن ما جرى هو عكس ذلك، إذ بدلاً من النص (في الرؤية) على إطلاق حرية العمل الحزبي، شرط الالتزام بالعمل السلمي ونبذ الكراهية والقبول بالعملية الديموقراطية وتداول السلطة والعلنية، تم النص على تجميد الأحزاب، ما لا يمكن تبريره، حتى بدعوى إقصاء حزب ما، لأننا في ذلك نصادق على سياسة النظام الذي ألغى الأحزاب وحرّم العمل السياسي، ولأن الشعب هو الذي يمكن أن ينبذ هذا الحزب أو ذاك في صناديق الاقتراع. أيضاً، وبدلاً من تحصين «الهيئة الانتقالية» بهيئات أخرى منتخبة، مثل المجلس التأسيسي، الذي يأخذ دوراً تشريعياً ورقابياً ويضطلع بمهمة صوغ الدستور، إذا بالرؤية تنص على تعيين مجلس بصفة استشارية.

ثالثاً، تحدث النص عن تشكيل مجلس رئاسي منبثق عن هيئة الحكم المحلي، وإعطائه صلاحيات كبيرة ومطلقة هي في الحقيقة صلاحيات الهيئة الانتقالية ذاتها، بحيث لا يعود ثمة لزوم عملي أو حقيقي لها، وهذه سقطة كبيرة كان ينبغي الانتباه لها وعدم الوقوع فيها.

لكل ذلك، من المستغرب أن تتقدم المعارضة بوجهة نظر كهذه، من دون أن تحصّن المرحلة الانتقالية بمحددات تحول دون عودة النظام في شكل أو في آخر لأخذ السلطة مجدداً، أو تحصّن «هيئة الحكم الانتقالية» من إمكان التحول إلى سلطة مطلقة، في الصلاحيات والمدى الزمني.

هذا كله يثير ثلاث شبهات، بخصوص نوعية المفاهيم أو الإدراكات التي حكمت «الهيئة العليا للمفاوضات» التي صاغت هذه الرؤية: الأولى، ربما ظنّها أن تشكيل «هيئة الحكم الانتقالية» يعني نهاية الصراع مع النظام، رغم علمها أنه سيبقى وأنه سيكون شريكاً لها في الهيئة الانتقالية، كما هو واضح من كل الترتيبات التفاوضية، بعد تحول المعارضة من هدف إسقاط النظام إلى هدف رحيل الأسد. والثانية، أنها تتصرّف، عن قصد أو من دونه، كأن المهم الوصول إلى السلطة لا تغيير السلطة (أي النظام)، من نظام تسلطي واستبدادي إلى نظام تشاركي وديموقراطي، أي كأنها تسهل إعادة إنتاج الاستبداد بدل وضع المعايير والسياسات والتشريعات التي تحول دون ذلك. والثالثة، أنها كهيئة شكلت فقط لإدارة العملية التفاوضية، وأن تمثيل المعارضة في «هيئة الحكم الانتقالية» يحتاج إلى توافقات وإجماعات أكبر وأوسع، وأن مهمة «هيئة الحكم الانتقالية» إعادة الأمر إلى الشعب في أقرب وقت، وفي أفضل الظروف والشروط الممكنة.

في التفاصيل، سأكرّس نقدي على بنود المرحلة الانتقالية (البنود من 14 – 59). ففي البنود (14 و18 و19) حديث عن تشكيل «هيئة حكم انتقالي» من دون التوضيح من الجهة التي ستشكّلها، وكيف، وما المعايير؟ علماً أن هذا يحتاج إلى مؤتمر موسّع للمعارضة، ووضع معايير مشدّدة، تتيح اختيار الشخصيات الأكثر كفاءة وصدقية وقدرة على العمل، بغضّ النظر عن أي اعتبار آخر، علماً أن البند (20) الذي تحدث عن الشروط حددها بالنسبة لأعضاء الهيئة من حصّة النظام، من دون أن يحدّد الشروط أو المعايير التي يجب أن يستحوذ عليها عضو الهيئة من حصّة المعارضة، إذ إن الحديث عن قبول واسع من المجتمع السوري هو كلام عام ولا يمكن القياس به. وهذا ينطبق أيضاً على البند (21) فمن الذي يحدّد من هي المرأة التي ستمثل المعارضة في هذه الهيئة؟ وهل أقامت المعارضة كيانات تمثيلية حتى تحدد هذه المرأة أو تلك، ووفقاً لمعايير الكفاءة والخبرة؟

البند الرقم (15) يؤكد أن هيئة الحكم الانتقالي هي سلطة موقتة لا تقرّر عوضاً عن السوريين، من دون وضع معايير، ومن دون توضيح الضمانة حتى لا تصبح أكثر من موقتة، وحتى لا تحلّ إرادتها محل إرادة غالبية السوريين، لا سيما أن البند التالي (16) يثير مخاوف كهذه. ومعلوم أن هذا البند يؤكّد تولي الهيئة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية كافة (مع العسكر والموارد والعلاقات الخارجية)، وضمن ذلك إصدار إعلان دستوري وتشكيل لجنة لمراجعة القوانين (البند 16)، فمن الذي يضمن كيف ستسير الأمور، وكيف سيتم صوغ الإعلان الدستوري ووفقاً لأي معايير (في ضوء ما جرى من مشكلات في التجربتين التونسية والمصرية)؟ وهذا يعيدنا إلى الأخطاء التي ذكرتها في مقدمة هذه المادة، إذ إن البند (16) يتحدث عن تجميد العمل بقانون الأحزاب بدل إطلاق حرية العمل الحزبي، واللافت أنه في البند ذاته يتحدث في شكل مخفّف عن «إعادة النظر في عمل الأجهزة التي تورّطت في الانتهاكات».

أيضاً البنود (22 إلى 25) المتعلقة بهيئة الرئاسة (المنبثقة عن هيئة الحكم المحلي) ما الداعي لها؟ وفي الواقع، فإن تشكيل كهذا سيصبح بمثابة حكومة الحكومة أو حكومة في حكومة أو كأنه الحكومة الحقيقية، بخاصة مع وجود «حكومة المرحلة الانتقالية (البند 26).

من ناحية أخرى، فإن البنود (35 – 38) تتعلق بتشكيل المؤتمر الوطني، لكن السؤال لماذا لا يتم ذلك بالانتخاب، وفي رعاية دولية؟ ثم في هذا الوضع كيف سيشكل المؤتمر ووفق أي معايير؟ ثم لماذا ينبغي أن يخضع لهيئة الحكم الانتقالية؟ ولماذا يتمتع بدور استشاري فقط؟

في البند (60) يتمّ الحديث عن المرحلة النهائية وعن انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية، ولا أعرف لماذا فات الهيئة العليا للمفاوضات أن تقلب الطاولة، وأن تشرع بتغيير النظام من أساسه، ومرة واحدة، بالحديث عن التحول من نظام رئاسي (قد يمهد لتجديد الاستبداد) إلى نظام برلماني، أو مختلط (على الطريقة الفرنسية مثلاً) أو أي خيار ديموقراطي يجمع عليه السوريون؟

أخيراً، في مراجعة للبند الأول (في باب المبادئ) لا توجد حاجة له، لأنه يشعل نقاشاً هوياتياً لا طائل منه، ولا موجب له (مع تثميني للبنود من 2 – 15) التي تحدثت في شكل لائق عن المبادئ التأسيسية لسورية الجديدة، لكنني فضلت أن أركّز على تفاصيل المرحلة الانتقالية لأنها هي التي ستحدد المسار للمستقبل، إذا استجاب النظام للعملية السياسية أو إذا توافرت الضغوط الدولية اللازمة لذلك.

قصارى القول، أجد أن من واجبي كمواطنة، ومن موقعي في المعارضة، طرح وجهة النظر هذه على السوريين، وعلى أوساط المعارضة، بخاصة على «الهيئة العليا للمفاوضات» التي أقدر عملها وجهودها، لدراستها واتخاذ القرارات اللازمة بخصوصها، مع علمي أنه لا يوجد نص كامل، وأن الحوار والنقد والتفاعل هي ما يمكننا عمله لتطوير خطاباتنا، وإضفاء المبدئية والصدقية عليها، ومع معرفتي أن الصراعات لا تتوقف على النصوص فقط، وإنما هي تتوقف أيضاً على موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية. وإذا كانت القوى الخارجية هي التي تتحكم بالصراع السوري في هذه المرحلة، فالأولى بنا أن لا نستكين لذلك وأن نبذل جهودنا لتطوير أوضاعنا وكياناتنا وخطاباتنا كي نعزز دورنا وكي نعيد الاعتبار لحقنا ولثورتنا.

تابعنا على تويتر


Top