داعش بين الدولة والقاعدة

ميشيل كيلو – العربي الجديد

تمر “داعش”، منذ بدأ يتضح عجزها عن الاحتفاظ بالمدن الكبيرة التي احتلتها، في العراق بصورة خاصة، وأقل من ذلك في سورية، بطورٍ من التكيّف مع حالٍ يُفترض أنها لن تحافظ خلالها على أيّ مدينة، كبيرة أم صغيرة، بما في ذلك مدينة الرقة عاصمة الخلافة، والموصل ثاني أكبر تجمّع مديني في بلاد ما بين النهرين.

لم يكن هذا الطور يخطر ببال مؤسسي “داعش”، عندما أعلنوا “دولتهم الإسلامية”، ورفعوا شعار “باقية وتتمدّد”، لاعتقادهم أن طوراً مختلفاً في الجهاد الإسلامي بدأ بهم، وأفضى إلى استعادة الخلافة شكلاً لـ “دولة على منهج النبوة”، لا يمكن أن تكون مجرد تنظيم سري كالقاعدة، يحمل أتباعه، في عقولهم وقلوبهم، حلم الدولة الإسلامية، يعجزون عن تجسيده بصور ملموسة.

ومن المحتم أن تمتلك قواماً مادياً ومؤسسياً على غرار ما كانت عليه دولة الخلافة الراشدة، سواء من حيث ماديتها أم من حيث منظومة علاقاتها برعاياها الذين عليهم الولاء لها، وإن لم يكونوا أعضاء في أجهزتها المسلحة أو الإدارية أو الدينية، شأنهم في ذلك مواطني أي دولة مدنية، من دون تجاهل الفوارق التي يمليها عليها اختلافها الأيديولوجي عن الدول الدهرية التي تغطي مجالاً وطنياً، أو قومياً محدداً، هو مجالها السيادي الذي لا تمتد إلى سواه، في حين تقتضي هوية دولة الخلافة ورسالتها أن تكون مسؤولةً عن المسلمين في كل مكان، وعابرةً، بالتالي، للوطنية والقومية، بما يترتب على ذلك من اختلافٍ بين شرعيتها وشرعية الدولة الوطنية أو دولة الأمة، ومن سماتٍ متعاليةٍ تضفيها عليها قداسة هويتها، وإلهية مصدرها، ونبوية رسالتها، وتجعلها تنفرد عن غيرها بأنها دولة راشدة.

بالهجوم على الخلافة الذي اكتسب طابعاً دولياً متزايداً، تشارك فيه أميركا وروسيا، ودول إقليمية وعربية عديدة، وبتساقط مدنها المتسارع الذي جعلها تحول معاركها إلى حرب عصاباتٍ متحرّكةٍ، بدل القتال الثابت الذي يسمح للجيوش المعادية بإقامة ميزان قوى لغير صالح مقاتليها، تنتقل “داعش” من حالٍ كانت فيها دولةً إلى حال تصير فيها تنظيماً قاعدياً، سيتسم نشاطه بالسرية، وسيخوض معارك متقطعة وغير تحشيدية، ليس فيها خط جبهة، ولا تقتصر على بلد بعينه، أو منطقة محدّدة، هي معارك دولية وخارجية الطابع والميدان.

هذا التحوّل الذي تجبر هزائمه “داعش” على الرضوخ لمقتضياته والتكيف مع نتائجه، سنكون بموجبه قريباً أمام “داعش” قاعدية، سرية وعالمية الانتشار والفعل، يعتقد قادتها أنه يستطيع وحده الحفاظ على التنظيم، وإبقائه فاعلاً ومؤثراً، في حين يخاطرون بوجوده، إن حافظوا على وضع “الدولة” الراهن، وسمحوا لأعدائها المتفوقين بشن الحرب عليه، بالأساليب والطرق التي يختارونها، بدل أن تقاتلهم هي بالأسلوب الذي تعتمده، فيستنزفهم، وينزل بهم أفدح الخسائر، كما حدث خلال العمليات الخارجية ضد فرنسا وبلجيكا، ويجب أن تُعتمد، من الآن، كنمط حربي في كل مكان، كي تنزل بها خسائر كالتي تتكبدها منذ بعض الوقت في معارك المدن. هل يفسر هذا التحول تخلي “داعش” عن مدن عديدة من دون مقاومة تذكر، وتكثيف هجماتها بالسيارات والأحزمة المفخخة التي تقتل من أعدائها أضعاف ما يقتل هو منها؟

لن يطول تحول “داعش” إلى الحال القاعدية. ولن يمر وقت طويل، قبل بدء عملياتها ضد العالم، بما تمتلكه من قدراتٍ تتفوق كثيراً على ما توفر في أي يوم لتنظيم القاعدة، ومن انتشار جغرافي محلي وإقليمي وقاري، يمكّنها من شن هجمات مباغتة في مناطق كثيرة، وضد أهداف شديدة التنوع.

قبل بدء أميركا الحرب ضد “داعش”، قال بعض ساستها إن “داعش” دولة كـ “طالبان”، يمكن التحدّث معها، لأن عملها داخلي بالأساس، ولا مصلحة لها في عملياتٍ خارجيةٍ، قد تكون سلبية النتائج عليها. أما التنظيم القاعدي فلا يترك لأعدائه أي خيار غير محاربته. واليوم، وبعد نيف وعام من التعامل مع “داعش”، نجحت أميركا في تحويلها من دولةٍ إلى تنظيم قاعدي خارجي المعارك، أوشك على خسارة دولته، وانقلب من طرفٍ يمكن التحدث معه إلى طرفٍ لا خيار لديه غير محاربة العالم.

ستدمر دولة “داعش” الحالية، وسيغادرها مقاتلوها. لكن خروجهم منها سيفضي إلى تغلغلهم في كل مكان، وتحولهم إلى خطر يتموضع داخل بلدان كثيرة، حيث سيشن إرهابيوه حرباً لا تشبه أي حرب شنها الإرهاب من قبل، وأي حربٍ استهدفته إلى الآن.

تابعنا على تويتر


Top