الجيش الصيني في سوريا

مهند الحاج علي – المدن

في 11 كانون الثاني (يناير) الماضي، أدخل الرئيس الصيني شي جين بينغ رزمة إصلاحات في الجيش الأحمر كان بينها تأسيس مكتب التعاون العسكري الدولي في اللجنة العسكرية المركزية. جاء ذلك بعد شهر على إقرار البرلمان الصيني قانوناً لمكافحة الإرهاب يتضمن بنداً يسمح للجيش الصيني بالتدخل عسكرياً خارج البلاد.

واللافت في ذلك كله أن قوة خاصة في الجيش الصيني نفذت في كانون الثاني (يناير) الماضي مناورات في بيئة صحراوية لتُحاكي منطقة أجنبية لم تسمها، وهو ما أثار تكهنات حيال تدخل عسكري محدود لقتال إسلاميين صينيين ينتمون إلى أقلية الإيغور وينتشرون في مناطق عديدة من شمال سوريا.

والواقع أن الصين توسّع تدريجياً تدخلها في الحرب السورية، من خلال الدعم اللوجستي بشكل رئيسي، وأيضاً عبر اتساع البعثة الأمنية والعسكرية في السفارة الصينية في دمشق. كما تتوالى التقارير عن مستشارين وخبراء صينيين وأسلحة صينية، إلى درجة أنها باتت ”تحصيل حاصل“، ولا جدل حولها أو ضرورة لنفيها من بكين.

لكن الجديد هنا أن ”مكتب التعاون العسكري الدولي“، وهو بمثابة فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، بات يُكثف نشاطه أخيراً في سوريا، بما يؤشر إلى احتمال مشاركة أوسع. مدير هذا المكتب الأدميرال غوان يوفي كان في زيارة لدمشق الشهر الماضي، وأعلن تعزيز العلاقات وتدريب كوادر وتقديم ”مساعدات انسانية“.

غوان التقى وزير الدفاع السوري فهم جاسم الفريج الذي لعب على وتر التوترات الأخيرة بين الصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة ثانية بعد الخلاف الحدودي على بحر الصين الجنوبي. أكد الفريج دعم دمشق الموقف الصيني حيال الخلاف الحدودي. ولهذا التصريح بعض الأهمية عند الصينيين، رغم فقدان النظام السوري قدرته على التأثير، بشكل كامل، إن كان في المحافل الدولية، أو حتى اقليمياً وفي أكثر من مكان داخل سوريا نفسه. غوان، وبعيد تأسيس المكتب، تولى إدارة ملف الأزمة الحدودية الحساسة.

وهذا العسكري الستيني والشيوعي لا يُفرّق بين الملفات. في حزيران (يونيو) الماضي، عندما سُئل خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة عن ”تهديد“ صحافي في هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) خلال رحلة جوية له فوق منطقة متنازع عليها، أجاب غوان بأن استعمال كلمة ”تهديد“ ليس في محله: “برأيي، ليس تهديداً عندما تتحرى دولة ذات سيادة عن سبب رحلة جوية. بالإمكان تسمية إنزال جيش الولايات المتحدة طائرة ركاب مدنية ايرانية (٢٧٤ راكباً) في الثمانينات (١٩٨٨)، تهديداً“.

ورغم محاولة الصين حصر الدعم بجوانب طبية وانسانية، إلا أن اللقاء بين غوان ورئيس المركز الروسي لمصالحة الأطراف المتحاربة في سوريا اللفتنانت-جنرال سيرغي تشاركوف، يحمل دلالات أبعد. المركز الروسي، ومقره اللاذقية، معني أكثر برصد تحركات الفصائل المسلحة، وبينها الحزب الاسلامي التركستاني المكون من مقاتلين ينتمون للأقلية التركمانية المسلمة (الإيغور) في شرق الصين.

وبالنسبة للصين والمحللين الصينيين، فإن تعزيز وجود هذا الحزب وقدراته في سوريا، سياسة مصدرها تركيا، الدولة العضو في الحلف الأطلسي (الناتو). والتوتر بين البلدين حول هذا الملف أكثر من ظاهر. بكين اتهمت أنقرة مرات خلال السنتين الماضيتين بتهريب مقاتلين إيغور إلى سوريا بعد اصدار جوازات تركية لهم من السفارة التركية في بانكوك. وتركيا تشهد أعمال شغب ضد أهداف صينية كلما اتخذت السلطات الصينية اجراءات بحق الأقلية المسلمة فيها. فالمقاتلون الإيغور في سوريا يتحدثون لغة متفرعة عن التركية، ويندرجون ضمن سياسة حماية الأقليات التركية للحكومة التركية الحالية.

إلا أن أحداث الشغب لا تبدو مدبرة كما تخال الحكومة الصينية من خلال صحفها وردود الفعل (حذرت بكين مواطنيها من السفر الى تركيا). بعد قرار الحكومة الصينية منع الصوم في اقليم شينجيانج، هاجم متظاهرون أتراك سياحاً تبين أنهم كوريون جنوبيون، ومطعماً صينياً اكتُشف لاحقاً أن صاحبه تركي، وحتى الطاهي الرئيسي فيه من أقلية الإيغور المسلمة!

والقلق الصيني نابع من العلاقة البادية بين تصاعد عمليات الإيغور في الصين، وبين قتالهم على الأراضي السورية حيث كانوا رأس حربة وانغماسيين في أرياف حماة واللاذقية وادلب. والسنتان الماضيتان شهدتا عمليات عديدة للإيغور داخل الأراضي الصينية وضد سياح ومراكز صينية خارجها (بانكوك مثلاً). وهذا مصدر قلق دائم للصين، سيما أن العمليات استهدفت مفاصل حيوية من الاقتصاد الصيني مثل القطارات ووسائل النقل العامة، وأيضاً مراكز أمنية وحيوية.

إلا أن الصين، وعلى عكس روسيا، لا خبرة لديها في التدخلات العسكرية الخارجية، وهي أكثر ارتباطاً منها بالاقتصاد العالمي والأميركي تحديداً. لكن هناك في الأوساط الحكومية الصينية من يُطالب بنقل المعركة إلى داخل سوريا، كما فعل الروس مع ”مشكلتهم“ الشيشانية. والسؤال بالنسبة لكثير من خبراء الشأن الصيني لم يعد هل نرى تدخلاً عسكرياً صينياً في سوريا، بل متى وكيف.

تابعنا على تويتر


Top