ماركات حمصية اندثرت.. ميكانيكي سيارات بديلًا عن "كريش"

الحركة التجارية في حمص.. شللٌ بعد الحرب ومحاولات إنعاش

homas-syria.jpg

شارع الدبلان وسط مدينة حمص أيلول 2014 (سانا)

جودي عرش – حمص

ما إن انجلى غبار المعارك عن مدينة حمص قبل أكثر من عامين، حتى عاودت الحركة التجارية بالظهور في بعض الأسواق الموصدة لأشهر طويلة جراء الحرب، لكن ذلك اصطدم بمعوقات مازالت آثارها ظاهرة حتى اليوم، من دمار كامل لسوقها القديم، وتسلّط الميليشيات المحلية وتحكمها بمفاصل المدينة، ونزوحٍ غيّر من معالم ثالث أكبر المدن السورية.

ومع دخول الثورة مبكرًا أحياء حمص، وتطور المواجهة مع النظام السوري من الحركات السلمية إلى الصراع المسلح، أصيبت مفاصل المدينة التجارية والصناعية بشلل غير مسبوق، قابل ذلك ظهور أسواق جديدة في أحياء لم تحرقها نار الحرب.

ازدهار في أسواق الأحياء الموالية

مرت الأسواق الرئيسية في حمص بثلاث مراحل رئيسية منذ آذار 2011، فأصيبت بركود واضح جراء المداهمات والإضرابات والاشتباكات المتقطعة في مرحلة ما قبل الحصار، ثم أغلقت معظم أسواق المدينة الرئيسية في ظل الحصار الكامل في العام 2012، لتكون المرحلة الأخيرة هي محاولة إنعاش الأسواق بعد خروج مقاتلي المعارضة في أيار 2014.

وتحدثت عنب بلدي إلى صاحب محل تجاري في سوق الدبلان الشهير وسط مدينة حمص (فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، وأوضح أن إغلاق أسواق الدبلان والسوق المسقوف (المقبي) قابله انتعاش سوق “الحضارة” في حي عكرمة، ذي الغالبية الموالية للنظام السوري، كونها لم تشهد أي اشتباكات أو حركات احتجاجية من ذي قبل.

وأوضح التاجر أن انتقال السوق من مركز حمص إلى “الحضارة” لم يحل المشكلة، بل زاد في تعقيدها، إذ قاطعت شريحة واسعة من الأهالي التعامل مع محال السوق الجديد، بعد انتشار حالات اختطاف وقتل “على الهوية”، والتي حملت بصمات طائفية واضحة آنذاك، بحسب تعبيره.

خروج مقاتلي المعارضة من منطقة حمص القديمة في أيار 2014 كان دافعًا لمحاولة إعادة سوق الدبلان إلى الحياة، لكن الدوريات الأمنية لم تجعل الأمر سهلًا في بادئ الأمر، خصوصًا بعد قيامها بمصادرة البضائع، بحسب التاجر، وتابع “بعد خروج الثوار من المدينة قام النظام بالترويج أن الحياة عادت إلى طبيعتها، وسمح لنا بمعاودة العمل وافتتاح محالنا التجارية، لكن ذلك لم يدم طويلًا، إذ صادرت دوريات معظم البضائع التجارية دون سبب واضح، واستطاع آخرون إنقاذ بضائعهم بعد دفع مبالغ مالية كبيرة، فيما وجدت أغلب البضائع المصادرة في الأسواق الموالية بعد أيام”.

لم يكن سوق الدبلان وحده ضحية للسرقات، بل أضيفت إليه جميع المحال التجارية في منطقة حمص القديمة، والتي قدرت بأكثر من ألفي محل تجاري، وأضاف التاجر “سرقت المحلات التجارية والمستودعات عقب خروج الثوار من حمص القديمة، وقدرت قيمة المسروقات بالمليارات، وسبقها أحداث مشابهة في معظم المناطق التي سيطر عليها النظام كحيي باب سباع وباباعمرو وغيرها”.

اليوم، يشهد شارع الدبلان حركة تجارية ضعيفة، بعد افتتاح الجزء الغربي منه بشكل شبه كامل، فيما يبقى الطرف القريب من الساعة الجديدة مغلقًا حتى اليوم، نظرًا لدمار الأبنية والمعالم التجارية في ساحة الساعة.

خطوة على طريق “الإصلاح” بوكس

ناشدت غرفة تجارة حمص مطلع العام 2015 البرنامج الإنمائي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، وطالبت في رسالة تناقلتها وسائل الإعلام الرسمية بتقديم الدعم المادي اللازم لترميم أسواق حمص القديمة، لإعادة افتتاحها من جديد.

وبحث محافظ حمص، طلال البرازي، منتصف حزيران الماضي آلية إعادة تفعيل منطقة الأسواق القديمة برفقة لجنة تأهيل الأسواق، والتي تضم مجلس محافظة حمص ولجنة التراث في فرع نقابة المهندسين، إضافة إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وغرفة تجارة حمص.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) تصريحًا للبرازي، حول أهمية مشروع إعادة التأهيل، داعيًا إلى تشكيل لجنة قانونية تختص بإزالة المخالفات وحفظ حقوق المالكين، إضافة إلى إبراز العنصر التراثي القديم للسوق.

كما أوضح المهندس غسان جانسيز، مدير مشروع التأهيل، أن آلية العمل تنقسم إلى أربعة مراحل على مدار عامين، وتبدأ من رفع الأنقاض، ثم توثيق السوق ورسمه، انتهاءً بعملية الترميم التي ستطال نحو 4600 محل تجاري، بحسب “سانا”.

“ماركات” اشتهرت بها حمص واندثرت

تسببت الحرب بغياب علامات تجارية اشتهرت بها حمص، لا سيما المطاعم ومحال الحلويات، وانتقال بعضها إلى مناطق أخرى من المدينة بعد تدمير معلمها الرئيسي أو استيلاء الميليشيات عليه، وفق ما صرح محمد أبو إسلام، الناشط الإعلامي في المدينة.

وأوضح أبو إسلام أن عددًا من هذه المحلات كانت وجهة للناس من داخل وخارج حمص، ونالت شهرة واسعة، كمطعم “كريش” بالقرب من حديقة الدبلان وسط المدينة، والذي أصبح اليوم محلًا لميكانيك السيارات، بعدما هاجر مالكه وأسس مطعمًا بذات الاسم في الإمارات العربية المتحدة، ومطعم “الشاطر حسن” الشهير بوجبات الشاورما، والذي أصبح حاجزًا للقوى الأمنية والميليشيات الموالية.

مطعم “أبو عوف” الشعبي الشهير في حمص القديمة تحول إلى ركام بسبب المعارك والقصف  العنيف خلال عامي 2012 و2013، واضطر صاحبه إلى افتتاح محل مسبق الصنع (براكية) في حي الحمرا، كما انتقل “الجلبجي” المعروف بالحلويات الشرقية بعد تدمير محله في حمص القديمة إلى حي الغوطة.

بينما اختفت أسماء عرفتها حمص سابقًا، بشكل كامل، مثل محلات “أبو اللبن” الشهيرة بالحلويات الشرقية والغربية، ومطعم “أبة الخير” للوجبات السريعة، ومطعمي “عبودي” و”يزن” المختصين بالشاورما في حمص القديمة، بحسب الناشط.

اجتهد بعض أصحاب المحال التجارية في حمص القديمة بإعادة تفعيل أعمالهم ومحلاتهم التي لم تصب بضرر، لكنهم اصطدموا بواقع المنطقة التي باتت حتى يومنا بؤرة للميليشيات والعصابات الطائفية، وفق “أبو إسلام”.

وأضاف الناشط “في سوق الناعورة لا يوجد سوى محلٌ وحيد لبيع الصوف، يحتسي صاحبه الشاي يوميًا على بابه، في ظل غياب كامل للحركة التجارية، بينما عاود جميع التجار الذين افتتحوا محالهم في السوق المسقوف إغلاقها بشكل فوري لتردي الأوضاع الأمنية، فيما يعتبر سوق الحميدية الأكثر نشاطًا مقارنة بالأسواق الأخرى، كون المنطقة ذات غالبية مسيحية”.

شكّلت حمص ما قبل الثورة نموذجًا للمدينة الصناعية والتجارية ذات النشاط المفرط، وساهم في ذلك موقعها الجغرافي وسط سوريا، وهيمنتها على عقدة المواصلات بين دمشق وحلب، وقربها من الساحل السوري وحماة، ومجاورتها للأراضي اللبنانية.

تابعنا على تويتر


Top