أية مخاوف تطبق على أرواح السوريين؟

أكرم البني – الحياة

لمفارقة المؤلمة، أن السوريين الذين نجحوا في كسر جدار الخوف والصمت المطبق على صدورهم لعقود، ورفعوا صوتهم عالياً ضد الواقع القائم مطالبين بعد ركود طويل بحريتهم وحقوقهم، باتوا اليوم تحت رحمة مخاوف جديدة، أنعشت وعززت ما اختزنته أرواحهم من خوف ورهبة دأبت قوى القهر والاستبداد على نشرهما وترسيخهما لإخماد نفوس البشر وشلّ دورهم في الحياة العامة.

الخوف الأعم والأعمق لدى غالبية السوريون، يثـيـره استمرار الصـراع الدمـوي في البلاد وتصاعد العنف المنفلت وما يخلفه من ضحايا وخراب ومعوقين ومشردين، مــهدداً مع كل يــوم يمر حيوات المزيد من المواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم وشروط عيشهم، وإذا أضفنا فشل مشاريع التهدئة وتفاقم خلافات الراعيين الأميركي والروسي وعجزهما عن حقن الدماء وتفعيل خطة الحل السياسي، ثم المقارعة الإقليمية على النفوذ، وتقدم وزن مراكز قوى محلية من النظام والمعارضة على السواء، لا مصلحة لها بالسلام وإخماد الصراع بل يهمها استمرار مناخ الحرب للحفاظ على امتيازاتها ومصادر ثرواتها، وأضفنا أيضاً تنامي خشية السوريين على مصير وطن حملوا اسمه ويعتزون بالانتماء إليه، إن لجهة ما خلقه منطق السلاح من اصطفافات وتخندقات سهلت وضع فكرة التقسيم البغيضة موضع التنفيذ، وإن لجهة ما ولدته الاستفزازات الطائفية ولغة التجييش ضد الآخر من شروخ وتصدعات عميقة ومن شحن العصبيات والغرائز وروح التنابذ والنزاع في المجتمع، وإن لجهة تصاعد الاستباحة الخارجية للبلاد من أطراف لا يهمها دم السوريين واجتماعهم الوطني بقدر ما يهمها حماية مصالحها وجعل سورية ميداناً لتصفية حساباتها مع التطرف الجهادي ومع خصومها لتحسين فرص نفوذها وحصتها من الهيمنة على المشرق العربي، ثم أضفنا إصرار النظام وبعض الجماعات المسلحة على الخيار العسكري وتنامي شعور كل منهما مدعوماً من حلفائه بقدرته على تعديل التوازنات القائمة والتقدم نحو الحسم، نــقــف أمام أهم دوافع خوف السوريين من حاضر دموي مؤلم وخطير ومن مستقبـــل لا أفـــق سياسياً له ومكتــظ بمزيـــد مــن الضحايا والخراب، ولا يغير هذه الحقيـــقـــة بل يزيدها وضوحاً، احتمال انتصار طرف على آخر، وإن في صورة نسبية وموقتة، ما يفـــضي إلى إجهاض خطة الحل السياسي تماماً، ويستجر، كما درجت العادة في الصراعات الأهلية، ردود أفعال ثأرية وانتقامية، وعودة قوية للغة القهر والتمييز.

لا نأتي بجديد عند التذكير بخوف السوريين المزمن من سطوة أجهزة السلطة على حياتهم ومقدراتهم وتفاصيل عيشهم، أو بنهج مديد من الاعتقال التعسفي والتغييب غير محدّد الزمن، فكيف مع شروط حياة لا تطاق اليوم للسجناء وقد باتوا بلا قيمة تذكر ويخضعون لكل أصناف التعذيب والإذلال؟ وكيف الحال مع تعدد المراكز التي يحق لها أن تفعل ما تشاء بالمواطن من دون أن تخضع لأية مساءلة أو محاسبة؟ وكيف الحال مع رعب السوريين من احتمال أن تحكمهم فصائل إسلاموية جهادية، مصابة بالعمى الأيديولوجي وتواجه قتلاً وتكفيراً أي تفسير أو اجتهاد يخالف ما تعتقده، ساعية الى فرض نمط حياتها وما تحلله وتحرمه على الناس أجمعين من دون احترام لخيارتهم الإنسانية ولأبسط حاجاتهم وحقوقهم، ومستسهلة تحت الراية الدينية مصادرة كل شيء وتطبيق حدودها الجائرة من سبي وإعدام وجلد وبتر، من غير شأفة أو رحمة.

داهم السوريين خوف جديد ولده تراجع إمكاناتهم على العيش وقدراتهم على تأمين حاجاتهم الحيوية، وإذا وضعنا جانباً من خسر بيته وممتلكاته ومدخراته نتيجة القصف والتدمير وبات في حالة عوز شديد، وتجاوزنا من فقد عمله ولا يجد فرصة لتأمين دخل مادي يقي نفسه وأسرته من الجوع والحرمان، نقف عند تردي أحوال غالبية العاملين في الدولة وقد باتوا يلهثون بلا جدوى وراء لقمة العيش مع الارتفاع الجنوني في الأسعار والتراجع الكبير في سعر صرف الليرة السورية، زاد الطين بلة ما خلفه العنف المفرط من دمار في البنية التحتية وتهتك الكثير من المؤسسات الإنتاجية والخدمية والصحية والتعليمية.

وأخيراً، ثمة خوف يتفاقم لدى النازحين واللاجئين السوريين ليس فقط من عوامل الطبيعة ببردها وقيظها، أو من تراجع المعونات وتردي شروط حياتهم في المخيمات وضياع مستقبل الملايين من أطفالهم، وإنما أيضاً من تغير موقف مجتمعات الاغتراب منهم، نتيجة ضغط كثرتهم عليها وما حصل من تعديات داعشية فيها، وتالياً من صعوبة بحثهم عن حلول كريمة للاستمرار في العيش هناك، والتكيف مع ظواهر التمييز والإذلال، أحد وجوهها رفض التعاطي معهم أو مساعدتهم، وأحياناً معاملتهم كالمنبوذين والأعداء، وتجنب مشاركتهم وسائل النقل العامة والمطاعم وحتى الأرصفة والشوارع.

صحيح أن قيام ثورات الربيع العربي شكّل تحولاً في نفسية السوريين وحافزاً، وإن تأخر كثيراً، للنهوض وكسر جدار الصمت والخوف، وصحيح أن السلطة الحاكمة التي تنكرت لأسباب الصراع السياسية، ورفضت تقديم التنازلات، وتصرفت كأنها في معركة وجود أو لا وجود، لا تزال مصممة على فرض هيبتها على المجتمع بمنطق القوة والغلبة، في رهان على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه وتثبيت مناخ الخوف والرعب مجدداً، لكن الصحيح أيضاً أن استمرار خوف الناس من غدهم ومما هم فيه وفقدانهم أي دور في محاصرة العنف والحض على حل سياسي يحفظ وحدة البلاد ومشروع التغيير الديموقراطي، لم يعد سببه انفلات عنف النظام فقط، ولا جماعات جهادية ديدنها التعصب والإرهاب، وإنما أيضاً غياب بديل سياسي يحوز ثقة المجتمع، يحدوه ضعف المعارضة السورية وارتهانها لضغوط الجماعات الإسلاموية المسلحة ولإملاءات الخارج، واستمرار عجزها بأطيافها كافة عن إدارة صراع دموي مكلف وعن إطلاق المبادرات التي تساعد على تخفيف معاناة البشر وما يكابدونه، وعن طمأنة الجميع، سياسياً وأخلاقياً، بأنها طرف يمكن الركون إليه لتجنيب المجتمع مزيداً من العنف والفوضى والخراب.

تابعنا على تويتر


Top